“إنك تضيع وقتك، ما هذا الذي تقرأه؟ رواية؟! لماذا لا تقرأ شيئًا آخر؟ كتاب حقيقي ذو منفعة يمدك بقدر من المعلومات مثل كتب الفلسفة أو التاريخ أو القانون أو العلوم الطبيعية؟”
هل عشت هذا المشهد من قبل؟ هل وضعكَ أحدهم أمام هذا السؤال “لماذا تقرأ الأدب؟”
قد يبدو السؤال بسيطًا، قد تكون إجابته سهلة وبديهية بالنسبة لك، لكننا عندما نعطي السؤال مساحته، ندرك مدى وسعه وأن الإجابات تتعدد بتعدد من يجيبون على هذا السؤال.
يمكن أن نقول أننا نقرأ الأدب لأننا طمّاعون للغاية، وحياة واحدة لا تكفينا، والأدب يمنحنا حيوات عديدة، لأنه جواز سفر يجعلنا ننتقل بين الأماكن والأزمان، بخفة ورشاقة وسهولة تتناسى استحالة هذا التنقل في الواقع، يمكن أن تزور الطنطورية بصحبة “رضوى عاشور” وترى المدينة الجميلة الهادئة المطلة على البحر قبل الاحتلال عام 1948 وبعده، ويمكن أن تزور معها الأندلس أيضًا فى ثلاثيتها ثلاثية غرناطة، كما يمكن أن تزور الاسكندرية مع نجيب محفوظ فى ميرامار، ويمكن أن ترى بعيونه القاهرة والعباسية تحديدًا فى قشتمر، وما فعلته سبعة عقود من الزمن بالأصدقاء.
نقرأ الأدب لأنه يجعلنا نتجاوز واقعنا المحدود، يجعلنا نتذوق العديد من تجارب الآخرين، فيُعمِّق إنسانيتنا، نلمس رقة ما في نفوسنا حين نكون المظلوم الخائف المسجون مسلوب الاسم والتاريخ حنا يعقوب فى دروز بلغراد، أو حين نلتمس لوعة العاشق الوحيد فى ليالى دوستويفسكى البيضاء، وحين نكون نحن تائهون “أمين معلوف”، وحين نطارد أفكارنا ونسعى خلف أحلامنا متحملين الغربة حيث ننتمي ثم نفطن إلى ما فطن إليه ليوناردو فيبوناتشي في رسم العدم، وهو أن نيل المراد لا يعني انقضاء التيه.
يسمح الأدب بمساحة للحياة التي تقلصت في الواقع، في عالم سريع يلهث الجميع فيه من الركض، ننظر ولا نرى، نأكل ولا نتذوق كل الأشياء، والمواقف تمضي على عجالة بينما حين نقرأ الأدب يمكن أن نلتقط أنفاسنا ونهدأ قليلًا ونعيش؛ وهذه ليست دعوة للانفصال عن الواقع والاعتكاف بين صفحات الكتب، هذا إن كان هناك من بيننا من يستطيع هذا، فالجميع يبتلعه يومه في أغلب الأحيان خلال نمط الحياة الحديث المتسارع، ولكنها دعوة لفعل ذي إيقاع أهدأ، فعل يسمح لنا بشيء آخر سوى الركض.
حين نقرأ الأدب يمكن أن نكون أكثر من ما نحن عليه، نرى غير الماثل أمامنا ونفتح الحدود فيتجسد المجرد ويتجرد الحسي ونعي الكلى من خلال الجزئي، ويكتسي العالم والوجود بألوان جديدة وكأنها لوحة تكتمل مع كل عمل أدبي جيد نجده ويأخذنا معه لواقع جديد وزاوية مختلفة للحقيقة، الحقيقة التي يطاردها الجميع ولا يملكها أحد يتيسر لكل منا نصيبه منها؛ بحسب هيرمان بروخ وكونديرا غاية الرواية هي أن تكشف عن حقيقة، حيث مبرر الوجود الوحيد لرواية ما هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه، دون سواها و الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولًا أو جزءً جديدًا من الوجود فهي رواية لا أخلاقية، فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة للرواية.
والحقيقة هنا هي المنظور الذي يحاول الكاتب تدشينه من خلال القصة أو الرواية لكى نرى الإنسان كما لم نفعل من قبل، فيسمح الأدب لكاتبه أن يشارك قارئه نصيبه وما قُسِم له من الحقيقة، فنعي أكثر من ما كنا نعيه من قبل، وتتسع الرؤية لتشمل الأنا والآخر القريب والبعيد، الألوان وأطيافها.
نقرأ الأدب لأنه ممتع، ولا تخجل من أن يكون هذا دافعك لقراءة الأدب، فإذا لم يكن ممتعًا انتفت عنه خاصية أصيلة من خصائص الفن. والأدب في أحد تعريفاته هو”فن الكلمة” فيسمح لنا أن نستعيد جمال اللغة وأن نستردها فى صورتها الأبهى.
والآن عزيزي القارئ قد تكون وجدت أسبابك لقراءة الأدب فى السطور السابقة، وقد يكون لديك أسباب أخرى لم نشملها بعد، حيث أن سؤالنا حقًا سؤال واسع للغاية، والقارئ مُعطى مُتغير يؤثر في نتيجة هذا التفاعل، فيصبح لكل إنسان أسبابه لقراءة الأدب، ولكل إنسان قراءته المختلفة لهذا الأدب، وقد تكون لا زلت لم تجد ما يُشكل سببًا بعد لقراءة الأدب، وتتساءل أنت: لماذا تقرأون الأدب؟ أو لا زلت تراه قراءة ذات مستوى أدنى أو قراءة درجة ثانية، إن كنتَ مع الاختيار الأخير فلنبحث هذا سويًا، لماذا قد يعتبر البعض الأدب قراءة من الدرجة الثانية؟ فقد يكون هذا لطغيان سمة الاستهلاك لدى الإنسان فى عصرنا الحالى، نعامل القراءة كصفقة، ونقايض الكتاب نقدم الوقت والمال في مقابل ما سنحصل عليه من معلومات نضعها على الميزان، ونقرر الكتب العلمية والتخصصية تستحق، والكتب الأدبية لا تستحق؟
بينما هذا الميزان ليس هو المعيار المثالي فتفضيل أحدهم، لا يعني ازدراء الآخر أو التفوق عليه، ففى حقيقة الأمر كلاهما يكمل الآخر ويدعمه، كل مجالات المعرفة والأدب يتداخلون ويتقاطعون، هما المفهوم وتجسيده مثل أن نقرأ عن النظم الاستبدادية والمتطرفة، وأن نراها في 1984 لجورج أورويل، هما طريقان متوازيان. ربما لم نعد قادرين على رؤية الجمال فى حد ذاته، وأن نقرأ الأدب لكونه جميل؟
وما استوقفني حقًا عند التفكير فى هذا السؤال “لماذا نقرأ الأدب؟” هو ما رأيته في الأدب من مساحة لوحدة تجمع بين كل البشر، كل من يقرأه حقًا، ببساطة لأنه من الإنسان للإنسان وعن الإنسان، هو نتاج تجربتنا الإنسانية وخلاصتها، لأنه حياتنا وواقعنا.
دائمًا ما يدهشني هذا المشهد، بين يدي كتاب، أقرأ فأشعر بأن هذا أنا من شدة تعبيره عن أشياء فى نفسي وأفكار فى ذهني، أتساءل لو كنت أنا من كتبته؟ أو هل يعرفنى كاتبه؟ بل لو قلتها أو كتبتها لما كانت أدق مما هي عليه بالفعل.
أقرأ فتتلاشى الوحدة والغربة ولو مؤقتًا، هناك آثار أقدام مرت في هذه الصحاري… يومًا ما كانوا هنا، لست الوحيد في مواجهة هذا الشعور أو هذه الفكرة أو هذا السؤال بل نحن سويًا، ومن أعظم ما يقدمه لنا الأدب أيضًا المساحة للسؤال فى عالم يظن فيه الجميع أنه يمتلك الأجوبة، يأتي الأدب بالسؤال دون حتمية احتمالات الإجابة.
سألتَ رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة هذا السؤال، وسألتُه في نفسي مرات ومرات، ومن الممكن أن سأله الكثيرين.
“ما الأرض وما السماء وما الحياة المعلقة بينهما؟ كيف بدأت الحكاية؟ وما الذي حدث ليصير كل الذي صار؟ هل هو شر لا يحكمه منطق سوى الأذى أم أن الأسباب مستغلقةٌ عليه؟”
قد تفرّقنا الدنيا ويجمعنا السؤال، قد تفرقنا الدنيا ويجمعنا الأدب.
ولهذا نقرأ الأدب… من أجل السعة في عالم ضيق، من أجل الفن والجمال والسحر الكامن في عوالمه ولن تسعه كلمات.
نقرأ الأدب لأننا نحبه.





0 تعليق