سُئِل أنيس منصور: كيف ترى أساتذتك؟ قال: أرى الأستاذ العقاد مفكرًا، وأرى العميد طه حسين أديبًا، وأرى الحكيم فنانًا.
ودائمًا ما يُنعت الحكيم في الأوساط الثقافية وبين جمهرة المشتغلين بالأدب وعلى ألسنة النقاد بالفنان، حتى وإن استخدم الأدب أو الفلسفة في أعماله، فإنما يستخدمهما لخدمة الفن. ولكن كيف ينظر الحكيم للفن؟ وبما أن محسن المصري هو توفيق الحكيم على حد تصريحه كما أسلفنا الذكر في المقال الأول، فسنرى هنا نظرة الحكيم للفن من عين محسن.
الفن عند الحكيم:
في حواره مع “فؤاد دوّارة” من مجلة “المجلة” يقول توفيق الحكيم: “متى دخلت يد الفن والصياغة الفنية في عمل من الأعمال، لم يعد بوسعنا أن نُميّز بين ما هو حقيقي وما هو متخيَّل، فالفن هو الفن والمتخيَّل هو المتخيَّل”.
في وقفة محسن أمام تمثال الشاعر-سبق الإشارة إليه في المقالة الأولى- لا نجد هذا التأمل السياحي فقط، ولا نجد تلك النظرة الجمالية فقط، بل إن المسألة أعمق بكثير عند الحكيم؛ فهو يجد أن هذا التأمل وتلك النظرة وسيلتا اتصال بينه وبين كائنٍ ما يحمل له رسالةًَ ما عبر تلك الوسيلة، ويقول الحكيم عن محسن: “إن الحفلات السانفونية القليلة التي حضرها لم تعقد بعدُ أسبابَ الأُلفة بينه وبين ذلك القلب الكبير”.
فما هو هذا القلب الكبير؟ هكذا ينظر الحكيم إلى الفن في مثلِه الأعلى وإلى مظاهر هذا الفن، فهل حقًا يمكن أن يكون الفن أكبر وأعمق من مجرد نظرة جمالية أو رسالة توعوية؟
إن الحكيم يتحفظ تحفظًا كبيرًا على تناول الغرب للفن -وهذا يعود بنا إلى الثنائيات والتي سبق الإشارة إليها في المقال السابق- واصفًا هذا التناول في عقل محسن لمّا ذهب إلى الأوبرا الفرنسية: “عندئذ أدرك من فوره معنى مجسمًا لكلمة (الحضارة الغربية الكبرى) التي بسطت جناحيها على العالم! نعم، ما كل هذا البذخ و الإغراق في الترف، إلى حد الكفر والفجور والاستهتار: لكأنما جاء القوم -وأغلبهم من سراة الأمريكان إلى هذا المكان- يتساجلون الغنى والسعة وكبرياء المال، أكثر ما جاؤوا يلتمسون لذة التطهر والخضوع في حضرة الفن، أو لذة العودة إلى الإنسانية والروح على يد الموسيقى”.
وفي موضع آخر يقول الحكيم: “كل شقاء الإنسانية أنها لا تستطيع أن تترك شيئًا عظيمًا ذا قداسة، بغير أن تُلبسه ثيابًا مبتذلة مضحكة من حمقها وزيفها وغرورها”.
يتعجب الحكيم من هذا التعامل مع الفن, فهل يجب أن أرتدي القمصان المنشاة، والبزات الأنيقة، وربطات العنق أو فساتين السهرة الغالية، ومعاطف الفراء، حتى أحظى ببعض الموسيقى في الأوبرا؟ ما بال الاستماع للموسيقى بهذه البهرجة! ألا يكفي الهندام الحسن فحسب؟ أم أن الغرب الغارق في المادية والشكليات قد زيّف وأحال الفن من حقٍ لكل طالب، إلى حكر على كل قادر؟
وهنا سنعود مع الحكيم إلى ثنائية الفن والحياة، ولكن كيف يتناول محسن -توفيق الحكيم- أو بالأحرى الشرق- الفنَ؟
لمحات صوفية:
لمّا دخل محسن مسرح (شاتليه) وظهر الموسيقيّ (جابرييل بارنييه) رئيس الفرقة، وبدأ يحرك عصاه الصغيرة، قال الحكيم: “خيّم على المكان سكون قدسي كسكون المعابد، وشعر محسن بالخشوع الذي خامره في الكنيسة ذلك اليوم، وتحركت يد الأستاذ بالعصا، فإذا بيتهوفن يتكلم بلغته السماوية”.
هنا يقدم الحكيم رؤيته عن الموسيقى، فيقول: “إن هو إلا وحي السماء يتكلم”، فهو يجد أن الموسيقى تحقق له نوعًا من الاتصال بينه وبين ذلك (القلب الكبير) وأنه يسمو بها ويرتفع عن العلائق الأرضية، وكما قال نيتشه: “إن كل عواطف البشرية السامية في السانفونية الخامسة”.
ويقول الحكيم أيضًا على لسان أحد شخصياته: “بقليل من الموسيقى يستطيع أن يعتصم بالسحب ضد هذا الحب الأرضي الذي وضع أنفه في الرغام” وكأن الموسيقى هي نوع من الإلهام الذي يقدم له حلولًا لمشكلته مع حبيبته سوزي، وهذا يقرّبنا من أصل كلمة (music) المشتقة من (الميوزات-MUSES) التي تعني إلهات الإلهام.
هنا تتبلور رؤية الحكيم الصوفية والتي تظهر في أغلب أعماله: إن الموسيقى ليست مجرد استماع لألحان أو استمتاع بمعزوفات، وإنما هي “كلمات صادرة من النبع الذي صدرت منه كلمات أنبياء الشرق”.
ونظن أن هذا لا يبعد عن محاكاة الإنسان للطبيعة؛ فوحي السماء هذا قد ألهم أنبياء الشرق لما ألقى إليهم كلمته، وكذلك قد ألهم الطبيعة جمالها، والموسيقى ما هي إلا محاكاة لجمال الطبيعة المسموع في زقزقة العصافير وبعض أصوات الحيوان، كما حاكى الإنسان الطائر فاخترع الطائرة.
ونتساءل طبقا لهذه الرؤية الصوفية: كيف يرى محسن الدين؟
السيدة زينب وبيتهوفن:
كالقدسية التي يراها محسن في موسيقى بيتهوفن وفاجنر، يشعر بمثلها تمامًا في الأماكن المقدسة، ويذهب هنا مذهب الصوفيين؛ فيصف الحكيم شعور محسن عندما ذهب مع صديقه أندريه إلى الكنيسة: “فأحس برهبة، وخُيّل إليه أنه باجتيازه العتبة قد ترك الأرض، وارتقى إلى جو آخر له عبيره وله نوره! هنا أيضًا عين الخشوع وعين الشعور، الذي كان يهز نفسه كلما دخل في القاهرة مسجد السيدة زينب، هنا أيضًا عين السكون، وعين الظلام في الأركان، وعين النور الضئيل الهائم في كالأرواح في جو المكان! إن بيت الله هو بيت الله في كل مكان وكل زمان”.
لا يفرّق محسن بين المسجد والكنيسة، والمسرح الذي تعزف فيه الموسيقى، تلك الموسيقى التي صدرت من النبع الذي جاءت منه كلمات أنبياء الشرق، فكلها مصاعد للروح، كلها أماكن يغسل فيها محسن قلبه ويمسكه بيده ويتركه يصعد بجناحيه إلى السماء، وكأنه يقول له: ها قد سموت الآن وارتقيت وتحررت من سجن الجسد، فاذهب والتحم مع القلب الكبير.
وقد لام محسن صديقه أندريه لأنه لم يخبره بأمر الذهاب إلى الكنيسة، فقال له: “إنك كنت تعرف أني داخل هذا الحرم المقدس ولا تقول لي حتى أعد نفسي، فهناك السماء، وليس من السهل على النفس الصعود في كل لحظة”. إذا فلا بد من تهيئة النفس قبل تلك الحضرة القدسية.
“فطن الفتى أن هنالك حقًا نوعًا من الهناء قد عرفه يومًا، هو هناء الصفاء! هذا الصفاء الذي لا يوجد إلا في الارتفاع”.
يتحدث الحكيم هنا عن الأيام التي قضاها هو -أو محسن- في مسجد السيدة زينب، متأملًا في المقام ساندًا ظهره على عواميد المسجد، وقد ترك العالم وراءه، وكيف كان شعوره حينها. هذا الشعور الذي غمره أيضًا عندما دخل الكنيسة أثناء تشييع جثمان صديق أندريه، ولفظة الارتفاع هذه نجدها بكثرة في مذاهب المتصوفة، كما نجد لفظتي الزهد والعزلة.
فعن الزهد والعزلة يقول: “إن المعدة لتنام عندما تستيقظ الروح”، ويقول: “لكم يشعر بحب وتقدير لأولئك الذين لا تطيب لهم السكنى إلا داخل أنفسهم، ذلك أن قليلًا من الناس من يملك نفسًا رحبة غنية يستطيع أن يعيش فيها، وأن يستغني بها عن العالم الخارجي”، ونجد أيضًا إحساس محسن الدائم بالانتماء إلى الطبقات البسيطة وارتياحه بينهم, وشعوره بالغربة حين يدخل مطعمًا فاخرًا.
كل هذه توضيحات لرؤية الحكيم الصوفية، أو مسلكه الديني الصوفي، ولكن الحكيم لديه ميلٌ وتحفظ: ميلٌ تجاه الجوهر، وتحفظٌ تجاه المظهر -وهذه ثنائيةٌ أخرى- يظهران في تساؤلاته: هل المظاهر تعبر بالضرورة عن الجواهر؟ أم أنها مرآة لها فقط؟ وإلى أي مدى تعكس المرآة تلك الجواهر بوضوح؟ أم أن الجواهر تنحرف عن الأصل إذا حُكِمت بقوانين المادة؟





0 تعليق