في يوم من الأيام، رأى الفيلسوف الصيني «تشوانج زي» في أحد أحلامه أنه فراشة، أثناء تلك اللحظات لم يُدرك أنه تشوانج زي، بل كان يتحرك داخل الحُلم وهو يحسب نفسه فراشة فعلًا، وبعدما استيقظ سأل نفسه -وسأل العالم كله- سؤالًا مثيرًا: «هل هو فراشة تحلم الآن أنها فيلسوف صيني؟ أم فيلسوف صيني كان يحلم أنه فراشة؟». لقد كان واثقًا تمامًا من كونه فراشة وقتها، وهو الآن واثق من أنه إنسان، فما الفارق في الحالتين؟ ولماذا يجب أن ينتصر للحالة الثانية ويتجاهل الأولى؟ لما لا يكون ما نسميه (العالم) هو مجرد حُلم؟ كيف نثق في وجود العالم؟ وفي وجود الأشياء التي تسافر منه إلى عقولنا: الأشجار..الشوارع..الناس..كل شيء..؟
إن ما تعبر عنه تلك الأحجية ليس مجرد موقف محيّر، أو جدير بالنظر، إنها تكشف بعمق عن واحد من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل في تاريخ الفكر الإنساني؛ مفهوم «الشكوكية الفلسفية»، ومن الضروري هنا أن نمعن النظر في هذا المفهوم، حتى لا نخلط بينه وبين غيره. ما نعنيه هنا بالشكوكية الفلسفية هو مواجهة العقل البشري لمعضلة تبيِّن له استحالة تكوين معرفة حقيقية حول بعض -وأحيانًا كل- المعتقدات الأصيلة في الوعي، فمثلًا: ارتياب الرجل في وفاء صديقه أو في أخلاق ابنه لا يعبر عن ما نسميه شكوكية فلسفية، لأنها معتقدات قابلة -من حيث المبدأ على الأقل- للتحقق المنطقي أو التجريبي.
لمزيد من الوضوح، يمكن أن نعود لما يُسمى في الفلسفة المعاصرة بتجارب الفكر، والتي يبدو أنها تلعب دورًا مشابهًا لما كانت تقوم به الأساطير في الفلسفات الكلاسيكية، ولما تقوم به التجارب المعملية في حقلي العلوم الطبيعية والإنسانية، من حيث كونها تعمل كآلة إيضاح وتحقُّق من النظريات والأفكار، رغم كونها لا تُقَدَّم باعتبارها حقيقة تاريخية كما قُدمت الأساطير، ولا تتعامل مع أدوات معمليّة كما تعاملت التجارب العلمية.
أحد أشهر هذه التجارب هي التجربة التي قدمها «هيلاري بوتنام»، والتي يطلب منّا خلالها أن نتخيل أنّ هناك عالِم بيولوجيا عصبية، تمكّن من أن يفصل مخًا عن جسده، ويضعه في وعاء بحيث توصَّل به مجموعة من الأسلاك، تستطيع هذه الأسلاك أن تمد المخ بنفس الإشارات الحسية التي تمدّنا بها أجهزتنا العصبية في أيّ حالة من الحالات. مثلًا أنت الآن تجلس في بيتك على طاولتك تقرأ، فكِّر في كل الإحساسات والإدراكات التي تصل إليك الآن، الأصوات، الخبرات اللمسيّة، الروائح… إلخ، لنسمِّ الحالة النيوروفسيولوجية التي يكون عليها المخ أثناء استقباله لكل هذه الرسائل الحسيّة (س)، إذا تمكن العالِم من مدِّ المخ داخل الوعاء بما يجعله في الحالة النيوروفسيولوجية (س)، فما سيدركه المخ حينها هو نفس ما تدركه أنت الآن تمامًا. إذا كان الأمر كذلك، فكيف لك أن تتأكد من أنّك لست الآن سوى مخٍ في وعاء متصل بمجموعة هائلة من الأسلاك؟
على عكس الهلاوس البصرية التي يمكن علاجها، أو شكّك في شخص ما والذي يمكن التحقق منه، تبدو هذه الحالة خالية من أيّ إمكانية للتحقق، فأي خبرة ستفترضها كي تنقض بها الحُجة، يمكن أن تضمنها الحُجة نفسها. لا توجد أيّ إمكانية للتمييز المعرفي بين عالم أنت فيه في كون حقيقي، وبين عالم آخر أنت فيه مجرد مخ في وعاء، في الحالتين ستختبر تمامًا نفس الخبرات.
تأخذ هذه الحُجة نفس النمط الفكري الذي يأخذه كلام ديكارت عن الاحتماليّة المنطقيّة لكوننا في حُلم، وعن عجزنا عن التحقق من صحة هذه الاحتمالية، وهي تقريبًا نفس البنية التي تأخذها حجة «تشوانج زي» التي بدأتُ بها المقالة، باستثناء أنّ الأخيرة تأخذ خطوة أبعد، بكونها تتركنا متشككين ليس فقط في وجود العالم الخارجي ولكن أيضًا في كينونة (الأنا) الخاصة بنا، في طبيعتنا البشرية، أي أننا -من المقبول منطقيًا- أن نكون في حلم طويل، يُخيّل لنا فيه أننا كائنات بشرية، وربما نحن غير ذلك! ربما فراشة اتسعت حدودها المعرفية للحظات لتنعم بحُلم يتحرك في عالم بشري متخيل.
إلا أنّ ظلال الشكوكية يمكن أن تمتد لأكثر من ذلك إذا استخدمنا هذه التقنية في مختلف مناحي الفلسفة، والتي تسمى في أدبيات الفلسفة «الشكوكية الديكارتية»، فرغم أنّ ديكارت لم يكن يتخذ الشكوكية مذهبًا وإنما منهجًا ليؤسّس فلسفته، إلا أن هذا المصطلح هو الشائع، وهو يشير إلى تقنية معينة في التفكير الشكوكي يمكن أن نطبقها على أيّ مجال من مجالات الفلسفة، مثل فلسفة الأخلاق، وفلسفة اللغة، وفلسفة العلم، والاستطيقا (علم الجمال) وغيرها من المجالات.
فيمكن مثلًا أن نتشكك في وجود العقول الأخرى، على اعتبار أنّنا لم نطلِّع على أيّ خبرة حسية او انفعالية داخل عقول الأشخاص الآخرين، كل ما نراه ليس إلا سلوكًا ظاهريًا فقط، أو في حقيقة بيانات الذاكرة، كيف يمكنك التأكّد على سبيل المثال من أنك لم تُخلق من خمس دقائق فقط ، وأن كل ذكرياتك هي ربما مجرد أشياء وهمية لم تحدث، فالعالم بأسره نشأ فقط من خمس دقائق، لا يمكنك ببساطة أن تقول أنك متأكد لأنك تذكر حياتك قبل الدقائق الخمس، لأنه إذا كانت الذاكرة يمكن أن تحمل بيانات خاطئة تمامًا، فلا معنى للاستشهاد بها. في كتابه العظيم «تحقيقات فلسفية» يعطينا فيتغنشتاين مثالًا يوضح الأمر أكثر: تخيّل أنّ هناك رجلًا يتشكّك في صحة الأخبار المنشورة في جريدةٍ ما، ولكي يتحقق من صحة هذه الأخبار ذهب لشراء نسخة أخرى من نفس الجريدة، ماذا ستقول في حقّ هذا الشخص؟ لاعقلاني؟ إذًا كيف تريد أن تتحقق من صحة بيانات الذاكرة بالاستشهاد بها؟
يمكن أن نكمل بهذا المنوال، وننقّب في كل حقول الفلسفة، لتُخرج لنا تقنية الشكوكية الديكارتية عقائد أصيلة غير مبرهنة منطقيًا، ولا يمكن التحقق منها بأي أرضية معرفية صلبة، وهنا تكمن المشكلة: كيف يمكن أن نحمل مثل هذه العقائد الأصيلة حول أهم قضايا الميتافيزيقا دون أن نستند على أي مبرهنات تجريبية كانت أو منطقية؟
حاول ديكارت مثلًا أن يخرج من هذه الأزمة في كتابه الشهير «تأملات في الفلسفة الأولى» عن طريق إضافة الله إلى مخطط الموجودات، فقد خصّص التأمل الثالث لتقديم نسخة فريدة من البرهان الكوزمولوجي على وجود الله، أما التأمل الخامس فطوّر فيه حجة «أنسلم» الوجودية التي تسعى لنفس غرض الأولى بآلية مختلفة، وبإثباته كمال الإله وخيريته، ينتهي ديكارت إلى نتيجة مفادها أننا نستطيع أن نثق في خبراتنا الحسية وفي وجود العالم، لأنه من المستحيل في حق الإله أن يخدعنا، بينما حاول فريق آخر من الفلاسفة مثل «دانيال دينيت» أن يشكك في الإمكانية العلمية لكل هذه التجارب، أما «راسل» فقد حاول أن يستخدم «نصل أوكام» (منهجية منطقية تُستخدم لاستبعاد النظريات المعقدة طالما أن هناك نظريات أبسط تستطيع أن تقدم تفسيرًا لنفس الظاهرة) ليثبت أن نظرية وجود عالَم حقيقي أبسط من نظرية المحاكاة أو الوهم أو الحُلم.
لكن الشكوكيّ الذكي قد يطور من أدواته، فمثلًا قد يحاول نقض حجج ديكارت على وجود الله، أو يدّعي أنّ الله حتى لو كان موجودًا فمن الممكن أن يضعنا في عالم وهمي من أجل حكمة لا يعلمها إلا هو، ففي النهاية وجود حكمة متعالية على المعرفة البشرية يعد اعتقادًا أصيلًا عند أغلبية المؤمنين على الأقل، خاصة أنه يُستخدم عادة ضد معظم نسخ معضلة الشر. أشهر نوع من أنواع الحجج هي تلك التي تحاول إظهار تناقضٍ منطقي في مفهوم الإله أو ترجيح احتمالية عدم وجوده، وهذه الحجج عادة ما تُستقبل برد شهير يخص حدود المعرفة البشرية، التي لا يصح لها -طبقًا لرأي كثير من المؤمنين- أن تنكر وجود الله حتى لو تعذر عليها فهم الحكمة من وجود الشر. أما عن رد دينيت، فقد يُقابل رده بالتعويل على الإمكانات المستقبلية للعلم، أو بالاشارة إلى أن صحة هذه المعلومات التجريبية بشكل مطلق تعتمد ابتداءً على يقيننا بصحة خبراتنا الحسية وبوجود العالم الخارجي، وهذا ما نحاول إثباته، وبالتالي يمكن أن يعتبر البعض رد دينيت بمثابة مصادرة على المطلوب. أخيرًا يمكن الجدال ضد راسل، بمحاولة إثبات أن نظرية المحاكاة أو الحُلم تعد أبسط من نظرية واقعية العالم، لأنها تتضمن وجود عقل واحد يتخيل أو يحلم بكل شيء آخر في العالم، فإذا كان عقل واحد فقط يمكنه أن يفسر وجود كل شيء آخر، فالأفضل ألا نفترض وجود أي شيء آخر لو اتبعنا نصل أوكام.
في الحقيقة ورغم خطورة هذه الادعاءات، لا يمكن أن نعتبرها تمثّل الحالة القصوى من الشكوكية، أو ما يُسمى عادة الشكوكية الراديكالية، فالشكوكية الديكارتية لا تنقض قواعد المنطق على سبيل المثال، ولا تشكك في إمكانية المعرفة في المجمل، فقد تتشكك في وجود العالم دون أن تتشكك في وجودك أو في وجود الخبرات الحسية نفسها، فكلّ ما يعنيه وصفك للخبرات الحسية بكونها مزيّفة هو أنّها لا تطابق الواقع، أو أنها لا تشير إلى أي واقع إذا كان لا يوجد أي واقع خارجي، لكن هذا لا يعني أنها غير موجودة. باختصار، لا تطعن هذه التشكيكات في الاستبطان، أي في الوعي الذاتي المباشر بالأنا نفسها، أو بخبرات الوعي المختلفة، بغض النظر عما يقع خارج هذا الوعي من عوالم أو عقول أخرى، وبغض النظر عن ماهية الأنا.
فما هي إذًا أبعد مسافة قطعتها الشكوكية في التاريخ؟ ما هي الفلسفة التي يُمكن أن نصفها بالشكوكية الراديكالية؟
نستطيع أن نقول دون تردد أنها الشكوكية البيرونية، نسبة إلى «بيرون».
أسّس بيرون ما يُعرف بالمدرسة الأكاديمية الشكوكية، ويأتي مصطلح الأكاديمية من أنه كان يسير على نهج أفلاطون صاحب الأكاديمية؛ مدرسة الفلسفة العظيمة التي أثرت في العالم أجمع، والمقصود هنا بسيره على نهجه أنه كان يبني حججه بتقنية الديالكتيك أو الجدل، أي النقاش أو المحاورة التي يستخرج من خلالها ما يدعم فكره من عقل خصمه، كما كان يفعل سقراط أستاذ أفلاطون، وهي الطريقة التي استخدمها أفلاطون في محاوراته ذائعة الصيت.
يدّعي بيرون أننا لا نستطيع أن نعرف أي شيء على الإطلاق، لا عن حقيقة العالم، ولا عن وجودنا نفسه، ولا عن صحة قواعد المنطق، ولا حتى عن صحة هذا الادعاء نفسه!
والحجة التي يقدمها ليُعضد هذا الرأي تنبني على معضلة منطقية ذكية ومثيرة للتأمل: يدّعي بيرون أن أي اعتقاد (س)، إما أنه ينبني على دليل أو لا، إذا كان لا ينبني على دليل، فلا يمكن أن ندعي أننا نعرف أنه صحيح، أما إذا كان ينبني على دليل، فإما أن هذا الدليل يُبنى على نفسه، أو على عدد لا نهائي من الأدلة، أو على عدد متناهٍ من الأدلة، أو على لا شيء. إذا كان الدليل يُبنى على نفسه فهذا عبث لأنه لا يمكن لشيء أن يثبت صحة نفسه، إذا كان الدليل يُبنى على عدد لا نهائي من الأدلة فهذا أيضًا عبث لأن كل دليل سينتظر دليلًا آخر ليثبته الى مالا نهاية وبالتالي لن يُثبت شيء، أما لو كان ينبني على عدد متناهٍ، فهذا يعني أننا سنصل إلى دليل غير مبرهن عليه وبالتالي فالإدعاء (س) غير مبرهن عليه، وأخيرًا إذا كان الدليل لا ينبني على شيء، فمرة أخرى الادعاء (س) غير مبرهن عليه. يذكرنا هذا النمط قليلًا بالسفسطائيين، فالبيرونية تشترك معها في النتيجة: لا يمكن أن ندّعي أن هناك اعتقادًا صحيحًا، لكن السفسطائية تصل إلى هذه النتيجة بطرق مختلفة، مثل الادعاء بأننا يمكن أن نبرهن على أي شيء (عكس البيرونية التي تدعي أننا لا نستطيع أن نبرهن على أي شيء)، وغيرها من الطرق التي لا يسعنا أن نعرضها هنا.
ما رأيناه سابقًا لا يمثل سوى قشرة رقيقة من المشكلات المثارة في فلسفة الإدراك و نظرية المعرفة، لكنه كافٍ نوعًا ما لنأخذ فكرة عابرة عن مفهوم الشكوكية، ويبقى الأهم أن نفهم جدوى هذا النوع من النقاشات.
قد يعتبر البعض كل هذه الأطروحات ليست إلا ألاعيب ترفيهية عقلية، لا قيمة لها، لكن في الحقيقة تمثل هذه التساؤلات جانبًا عميقًا من تحريك الفكر الإنساني إلى التطور.
ولكن لماذا؟
أولًا: تعتمد التطورات الضخمة في المنطق ونظرية المعرفة (المبحث الخاص بماهية المعرفة وكيفية اكتسابها) بشكل كبير على هذا النوع من المعضلات والتساؤلات، فمثلًا قد نتبين من خلال هذا النمط من التفكير أن هناك حقائق نثق فيها تمامًا رغم عدم وجود أي تناقض منطقي في بطلانها، إننا ببساطة لا نعير لكل هذه الشكوك اهتمامًا كبيرًا إذا انصرفنا لحياتنا العادية، إذ لا بأس من حيث المبدأ أن يضع المرء ثقته في الحس المشترك، رغم عدم وجود أي تناقض في التفكير في نقيض هذا الحس، أو عدم وجود دليل منطقي يقيني تام عليه. بهذا قد يعتبر البعض ثقتنا في نظرية الموضوعية الأخلاقية، أو وجود الله، تعتبر من جنس هذا النوع من المعتقدات، الذي لا يحتاج إلى تبرير منطقي كي تقتنع به.
يجادل «ج. مور» أن الأخلاق تنبني بهذا الشكل، أما «ألفين بلانتينجا» فيرى أن اقتناعنا بوجود الله -بدون دليل- لا يختلف عن اقتناعنا بوجود العقول الأخرى.
وإذا أردنا مثالًا منطقيًا محضًا، فيمكن أن ننظر لنشأة مذهب التأسيسية في المنطق، وهو المذهب الذي يدّعي أنه لا حرج في وجود فرضيات غير مبرهن عليها، ردًا على الشكوكية البيرونية، كذلك يمكن أن نعود إلى ديكارت الذي استخدم الشكوكية منهجية للوصول إلى أول يقين يمكن أن يشيّد فوقه كل معماره الفلسفي، فطبقًا لديكارت -ومن قبله أرسطو وأوغسطين والغزالي- لا يمكن أن نشك في كل شيء، لأن هذا يتضمن الشك في الشك نفسه، وهذا تناقض، لأن الشك في الشك لن يحدث إلا من خلال ممارسة الشك نفسه، فكيف أشك في نشاط، وشكي هو عين هذا النشاط؟!
أما سقراط، ضمير أثينا النابض، فقد كان أحد الأسباب التي تحركه هي رغبته في التصدي لشكوكية السفسطائيين، والنسبية التي تنتج عنها، ومن هنا جاءت نظرية «المُثُل» التي تسعى إلى تثبيت الحقيقة في عالم مجرّد ومتسامٍ عن كل التغيّرات.
من هذا، يبدو أنه من الممكن اعتبار الحدس أداة معرفية معتبرة مثل التفكير المنطقي، بل في الحقيقة إنها أداة لا يمكن تجنبها.
فإذا كان الأمر كذلك فما حاجتنا إلى محاولة الاستدلال المنطقي على صحة حدسنا بوجود العالم طالما أن الحدس في حد ذاته دليل قوي؟! أما عن كون الحدس يتعرض لخطأ، فهذا هو نفسه حال التفكير المنطقي.
نقطة أخرى جديرة بالاهتمام بخصوص معضلات بيرون وما يقع على شاكلتها من المعضلات المنطقية، وهي ضرورة تفريقنا بين المعضلة والاستحالة، عجزنا عن حل معضلات العلوم والرياضيات على سبيل المثال لا يسلب منا طموح الوصول إلى حلول المشكلات، فلماذا لا نطبق نفس الأمر على المنطق؟ خاصة أنه الأولى بكونه اللبنة التي تأسست عليها العلوم والرياضيات.
ثانيًا: يمكن استخدام هذه المعضلات برهانًا على نظرية جديدة في الميتافيزيقا، كما فعل كانط -متأثرًا ب«هيوم» وشكوكيته- في تعامله مع العقل باعتباره مَلَكة فاعلة في عملية الإدراك، وهو ما قدّم دفعات عظيمة لعلم النفس، وساهم في تطوير المدارس المعرفية في أوروبا، وخصوصًا ألمانيا، فالعقل أصبح شيئًا إيجابيًا يبني الخبرة بتفاعله مع العالم الخارجي، وليس وعاءً سلبيًا لتلقي الخبرات الحسية، وقد تبلورت هذه الفكرة أكثر فأكثر مع نظرية الكليات اللغوية، ل«نعوم تشومسكي»، والتي تأسّست على فاعلية الميكانيزمات الداخلية للعقل في صياغة التجربة، وهي فكرة كانطية بامتياز بشهادة «تشومسكي» نفسه. مثال آخر يأتي مع التجريبي البريطاني «جورج بيركلي»، الذي ادعى أنه لا يوجد عالم مادي وأن الله قد خلق عقولًا فقط، وأنه يمد عقولنا بكل الخبرات التي نعايشها الآن، فيخيل لنا أن هناك جوهرًا ماديًا خارج عقولنا. جاءت هذه النظرية العجيبة والمثيرة ردًا على مشكلة العقل والجسد من جهة ما، لكنها أساسًا تعدّ نتيجة لكثير من المعضلات المرتبطة بشكوكية الإدراك الحسي.
ثالثًا: تمثّل هذه المعضلات مدادًا لخيال الأعمال الفنية، وأيضًا تمرينًا للعقل على اكتشاف حدوده، ولا أعني هنا بحدوده تناهيه وضعفه بقدر ما أعني الإطار الذي يعمل من خلاله، أي ميكانيزماته وطبيعته الداخلية.
وأخيرًا أنا لا أستخف بدافع الترفيه والألاعيب العقلية، لا بأس إن كانت لعبة الشطرنج لن تجعلك تكسب حربًا حقيقية، طالما كانت ممتعة وممرِّنة للعقل بشكل كاف. وعلى سبيل الترفيه، أريد أن أنهي المقالة بمزحة -أحداثها حقيقية- رواها الفيلسوف الأمريكي «جون سيرل» في محاضرة من محاضرات فلسفة العقل في جامعة بيركلي، والتي كان يسخر فيها مِمن ينكر وجود العقول الأخرى، فذكر أن عالمة منطق أرسلت ل«راسل» أنها مؤمنة بهذا الاعتقاد، وتتعجّب من أنه لا يوجد شخص غيرها يؤمن بهذا الاعتقاد مثلها.





0 تعليق