30 نوفمبر 2022

سقراط أم باتمان؟

منذ عدة أيام، ظهر لي سقراط في الحلم، مرتديًا بذلة باتمان، ودار بيننا حوارٌ شيق حول مبادئ باتمان. لا أتذكر بالتحديد ماذا تعاطيت ذلك اليوم، ولكن كان من الأفكار في هذا الحوار ما هو جدير بالمشاركة.

حُكِم على سقراط بالإعدام اتهامًا له بالإلحاد وإفساد الشباب، وكان أمام سقراط العديد من الطرق التي يستطيع من خلالها وببساطة شديدة أن يتجنب هذا الحكم، واحدة من هذه الطرق، كانت بأن يتذلل سقراط للقضاة كما كان يفعل كثيرٌ من المذنبين وقتها، وكانت البراءة مصيرهم جرّاء ذلك، ولكن سقراط رفض هذا بالطبع باعتباره لا يليق به، وأن الوسيلة الوحيدة اللائقة هي أن يقنعهم بالحقيقة، وهي براءته مما وُجّه إليه من اتهامات. أما الطريقة الثانية كانت أن يظل على قيد الحياة مقابل أن يتوقف عن الفلسفة، وهو ما رفضه قائلًا: «أنا أعزكم أيها الأثينيون وأمجدكم، ولكني أمجد الإله أكثر، وطالما بقى فيّ نفس وكنتُ قادرًا على ذلك؛ فلن أتوقف عن التفلسلف وعن حثكم». وكان من المتاح أيضًا أن يُحكم عليه بالنفي بدلًا من الإعدام، ولكنه أبى أن يطلب ذلك، وثم كان هناك سبيل آخر، فبعد أن حُكِم عليه بالإعدام، جاء إليه صديقه أقريطون في زنزانته وطلب منه الهروب، وكان حارس الزنزانة على استعداد لفتح الأبواب ومساعدته على الهرب، إلا أن سقراط رفض ذلك بالطبع وقضى ساعات يحاور فيها أقريطون عن عدم لياقة ذاك التصرف.

يمكننا أن نتفهم تمامًا احترام شخص مثل سقراط للقوانين بكل هذه الصرامة، فسواء كنت قارئًا للتاريخ أو لم تكن، فلا محالة قد سمعت عن سقراط من قبل، وترتبط سمعة سقراط عند الكثيرين بالفضيلة، فمن غير الغريب إذًا أن نعرف أن سقراط قد فضّل احترام القانون على منفعته الشخصية، بل إن أغلبنا ينظر إلى تصرف سقراط هذا نظرة احترام وتبجيل وتمجيد، ولكن الأمر المثير للتساؤل والتفكير حقًا هو: هل كانت رؤية سقراط هذه في محلها؟ إذ أن الكثير منا، وسقراط نفسه، وأصحابه الحكماء الفضلاء أمثال أفلاطون وأرسطو وأقريطون، كانوا على وعي بأن هذا الحكم كان ظلمًا في حق سقراط، فلم يكن سقراط ملحدًا ولم يفسد أي شاب، وإنما تم اتهامه بذلك من قِبل بعض الشخصيات الذين كانو على خلاف شخصي معه، فلماذا قد يرضى سقراط -وهو المدافع عن العدل- بهذا الظلم! خاصةً أنه كان يرى أن الهدف من القوانين هو تحقيق العدل، وكما نرى في حالتنا هذه، فإن القانون قد فعل العكس تمامًا.

لقد كنت دائمًا أملك نظرة التمجيد نفسها تجاه تصرف سقراط هذا، إلى حين أن بدأت بمتابعة أفلام «باتمان»، وتأثرتُ كثيرًا بهذه الشخصية، واكتشفتُ لاحقًا أن هناك شيئًا من التناقض في أن أحترم موقف سقراط وفي نفس الوقت أحترم شخصية باتمان!

كانت مدينة جوثام غارقة بالجرائم، وكان أحد أسباب تفشّي هذه الجرائم هو فساد الشرطة نفسها، التي من المفترض أنها تمثل القانون، وكان بروس واين واحدًا من هؤلاء الذين تعرّضوا للألم في ظل هذا الفساد، وبدلًا من أن ينتظر العدالة لكي تتحقق بنفسها، وينصلح حال المجتمع؛ فقد قرر أن يكون هو النور في هذا الظلام، ولهذا لم يكن يظهر إلا ليلًا!

كان لدى باتمان القوة التي تؤهله لتحقيق العدالة إلى حدٍ كبير، ولكن لم تكن القوة هي ما يميّزه، إذ كانت هذه تمتلكها الشرطة أيضًا، وإنما تميّز باتمان برغبته الصادقة في إرساء العدالة، وبالرغم من أن القانون ينص على ألا يستخدم أحدهم العنف كوسيلة سوى الشرطة، إلا أن باتمان لم يحترم القانون وصار على ما هو قانع به، وأصبح بذلك المجرم الذي يحقق العدالة!

هنا يكمن التناقض الذي أشرت إليه، فبينما أمجّد كثيرًا موقف سقراط الذي احترم فيه القانون رغم ظلمه، أراني منجذبًا أيضًا لموقف باتمان الذي امتلك الشجاعة لأن يكسر القانون في سبيل العدالة الحقيقية.

يعتمد باتمان بشكل أساسي على مبدأ فلسفي مثير للجدل «الغاية تبرر الوسيلة»، وقد اشتهر هذا المبدأ بالتحديد مع فيلسوف عصر النهضة الإيطالي (نيقولا ميكيافيللي) الذي قال في كتابه (الأمير): «إذا كانت حياة الوطن في خطر؛ يجب على الإنسان ألا يتقيد في عمله بقواعد العدل أو الظلم، أو بقواعد الرحمة أو القسوة، أو بقواعد الشرف أو عدمه، بل يتقيد فقط بما يرى فيه نجاة الوطن والحرص على استقلاله».
كانت رؤية ميكيافيللي تكمن في وجود حالات كثيرة من غير الممكن تجاوزها مع الالتزام الصارم بالمبادئ الأخلاقية، فعلى سبيل المثال، إذا كنت على متن طائرة مات سائقها، وكنت أنت الوحيد من بين جميع الركاب الواثق تمامًا من قدرتك على إنقاذ الموقف، بالرغم من زعم البعض أنهم مؤهلين لقيادة الطائرة، فبالنسبة لميكيافيللي، فإنه من واجبك أن تصل بنفسك إلى مقعد القيادة وتتولى مسؤولية الأمر، مستخدمًا في سبيل ذلك أي وسيلة كانت، حتى لو اقتضى الأمر أن تكذب أو تتعارك أو حتى تقتل فردًا في سبيل إنقاذ باقي الركاب، المهم أن تنقذ الطائرة بأكبر عدد ممكن من الركاب، وهذا هو على وجه التشبيه ما يفعله باتمان.

يبدو هذا المبدأ سليمًا حتى الآن، هل كان سقراط مخطئ إذًا؟ ألم يمتلك الحكمة الكافية التي تجعله يرى مثل هذا المبدأ؟ هل كان باتمان أكثر حكمة من سقراط وأكثر جدارة بالاحترام؟
ولكن دعنا نختبر هذا المبدأ مرة أخرى، وهذه المرة نستخدم قاعدة كانط الذهبية والتي تقول: «افعل الفعل كما لو كان سيصبح قاعدة للناس جميعًا» فإذا كان من المقبول أن نكسر القوانين في حالة أنها عن العدل انحرفت ومع الظلم انجرفت؛ لسار هذا على الناس جميعًا وليس على باتمان فقط، فلنتخيل إذًا لو أن كل أفراد المجتمع يتبعون ما يملي عليهم حِسّهم الأخلاقي ولا يخضعون لقانون واضح؛ ستكون نتيجة ذلك بلا شك فوضوية؛ يبدو إذًا أن وجود القانون ضروري في حد ذاته، حتى وإن انحرف عن غايته في بعض الأحيان، وهذه بالظبط هي رؤية سقراط كما تظهر في محاورته لأقريطون.

مع ذلك، لا أستطيع أن أحكم على أسلوب باتمان بالرفض، لا محالة ستكون النتائج كارثية عند تطبيق قاعدة كانط الذهبية على حياة باتمان، ولكن لن تكون النتائج أقل كارثية على الإطلاق لو لم يمارس باتمان حياته هذه، وبصرف النظر عن أي محاولات للتبرير، فإني أستطيع ببساطة أثناء مشاهدة الفيلم أن أقول، إن هذا هو لا محالة الفعل الصائب! وما كنت لأفعل غير ذلك لو كنت في محله.

وهكذا أظل مترددًا بين سقراط وباتمان، إلى أن جاء إليّ سقراط في الحلم، وسأحاول أن أعرض لما دار بيننا من تبادل للأفكار على شكل حوار، وإن لم يكن هذا ما حدث في الحلم على وجه الدقة.

فسألته: لماذا لم تطبق مبدأ ميكيافيللي هذا في موقفك؟

– حكيم هو هذا الرجل بلا شك، ولكن أظنني لا أستطيع أن أرى حكمته في هذا المبدأ بالتحديد، ومع ذلك، فإني لا أعارض باتمان فيما يفعله (كان هذا بالظبط ما أردت سماعه).

– ولكن باتمان يطبق مبدأ ميكيافيللي، كيف يعقل أن تقبل الموقف وترفض المبدأ؟

– إن نظرة كل من باتمان وميكيافيللي لهذا المبدأ مختلفة، الغاية تبرر الوسيلة، ولكن متى يصلح ذلك ومتى لا يصلح، هنا يكمن الاختلاف بينهم.

– ومتى يصلح يا سقراط، ومتى لا يصلح؟

– يصلح هذا المبدأ فقط عندما تكون الغاية ذات قيمة أعظم من تلك التي نتعداها في الوسيلة، ولهذا فلا أعارض باتمان، فقد كانت غايته تحقيق العدالة، وهو هدف سامي، وكانت وسيلته كسر القانون، وإن كان القانون بحد ذاته ذا قيمة كما توصلت أنت بنفسك، إلا أن قيمة العدالة أعظم، إذ أنها غاية القانون من الأساس، ولهذا فالأولوية لها.

– أنا لا أختلف مع هذا، ولكني لا أفهم كيف يختلف هذا مع رؤية ميكيافيللي؟

– لأنه كما ذكرت، يجب أن تكون الغاية ذا قيمة أكبر من الوسيلة، وفي حالة ميكيافيللي، فإن الغاية لا تزيد عن كونها المحافظة على البقاء.

– وما المشكلة؟

– ما الفائدة من البقاء؟! ها نحن ذا نجينا واستمرينا، ماذا بعد؟ إن السعي نحو القيم هو ما يعطي الاستمرار قيمته، أما البقاء بحد ذاته فهو بلا قيمة، وهكذا يكون ميكيافيللي يحاول تحقيق غاية بلا قيمة، باستخدام وسيلة تكسر كل القيم تقريبًا.

– ماذا عنك إذًا، لماذا لم تفعل مثلما فعل باتمان؟

– لأنه كما أخبرتك، ليس الاستمرار بحد ذاته ذا قيمة، فكان من غير الصائب أن أكسر القانون بما يحمل من قيمة، في سبيل مجرد بقائي.

– منطقي، ولكن لا زال اعتراضي قائمًا يا سقراط، إذ كان من المفترض أن تهرب، ليس حفاظًا على بقائك، وإنما تحقيقًا للعدالة التي تقول أن المذنب فقط هو من يعاقب، وأنت لم تكن مذنبًا، وقد تعرّضت للعقاب مع ذلك، وهكذا تكون يا سقراط، قد ساهمت في تعطيل العدالة!

هنا أزال سقراط القناع… قناع باتمان، ورأيتُ وجهه الذي تملؤه التجاعيد، والحزن في عينيه ظاهرًا.

لا أتذكر إن حدث شيء بعد ذلك أو أن الحلم انتهى هنا.

استيقظت من نومي أذرف الدموع بمشاعر متضاربة، فمن ناحية، كان منظر سقراط ببذلة باتمان مضحكًا إلى حد البكاء، ومن ناحيةٍ أخرى، فقد كنت متأثرًا حقًا بمصير هذا الرجل. يبدو لي يا مُعلّمي ومُعلم الإنسانية… أنك لم تتعلق بالحياة حقًا، ولكنك تعلقت بالفلسفة، ولما اقتضى الأمر أن تختار بينها وبين الحياة، فقد فضّلت أن تموت بالفلسفة… على أن تعيش بدونها.

  • خلال رحلة بحث عاصفة بدأتها مبكرًا، بلغت فيها أحد المراسي الساكنة، وتحولت فيها من طفل ضائع يدخن التبغ ويحمل السلاح في الحادية عشر، ثم مراهق لا يأبه لشيء سوى الأنيمي وألعاب الفيديو، وأخيرًا أحد مثقفي مقاهي وسط البلد، إلى طالب جامعي يدرس الفلسفة ومريد في إحدى مدارسها. لم تنتهِ الرحلة بعد، لكني تلقيتُ فيها من الكنوز ماهو جدير بالتدوين.

    View all posts

1 تعليق

  1. محمود

    سوبر مان وعشرة خارقون لا يحبون هذا.
    🙂
    المهم سقراط مات دون خرق مبادئه فأصبح شهيدًا .. وباتمان خرق مبادئ المجتمع فأمسى بطلًا .. الفكرة حلوة وأسلوبك في الروي لطيف وسلس .. ومثال الطائرة مقنع، وبالفعل سقراط لو هرب أو تحايل على القضاء لم يكن هكذا رجلًا صاحب كلمته .. ومبادئه؛ التي كانت _وفي وقاحتها_ أن يكون صادقًا في كلامه وأفعاله .. بل لعله أن هرب وقال إن هذا ظلم ولم يعجبه الحكم لكان لدينا اثنان ميكافلي بدلًا من واحد فميكافلي كان رجل سياسة يدعو للحرب وسقراط رجل علم يدعو للأخلاق.
    وبالفعل كما تقول سقراط في زي باتمان مضحك وما تقوله عن الباقي والذاهب مؤثر.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا