9 يناير 2023

كون إنساني

استماعًا إلى بعض النصائح وفي محاولة منك لإيجاد بعض الراحة والهدوء النفسي بعيدًا عن إيقاع الحياة السريع، قررتَ الذهاب في إجازة قصيرة بعيدًا عن صخب العاصمة وتوترها.

تجلسُ على الشاطئ مسترخيًا متأملًا مشهد الغروب الذي طالما رأيتَه في الصور، وظننتَ أنه أروع مشهد يمكن أن يراه إنسان، وأن السلام النفسي مرتبط دائمًا بهذا المشهد تحديدًا، بعد مرور بعض الوقت، تبدأ بالشعور بالملل، وتقول لنفسك: نعم إنه مشهد جميل. لكن ليس كما صورة خيالك وأن جزءًا كبيرًا من جماله كان لمجرد بعده عنك فقط.

تمر هذه الأفكار في رأسك سريعًا لكنك تحاولُ طردها لتعود إلى الاسترخاء مجددًا، يرن هاتفك المحمول لتجد مكالمة قادمة للاستفسار عن شيء ما يخص عملك فتقرر التجاهل وعدم الرد، لكن تأثير هذا الاتصال كان أقوى مما توقعت، فها هي أشباح الأفكار التي تركت العاصمة هربًا منها تظهر في رأسك الآن، تتضح شيئًا فشيئًا إلى أن تحولت من أشباح إلى كيانات واضحة المعالم تسيطر على تفكيرك كله، تتنهد في استسلام لاعنًا هذا الاتصال الذي أفسد عليك يومك، تفكر في مشاكلك الآن مستسلمًا للقلق، بعضها سهل الحل لكن البعض الآخر يؤرقك بشدة لدرجة الشعور بأن الحياة يمكن أن تتوقف إذا لم تجد لها حلا.

لكن هل يمكن للحياة فعلًا أن تتوقف؟

دعني أتدخل هنا في محاولة للإجابة على هذا السؤال ولإنقاذ ما تبقى من رحلتك القصيرة، مخبرًا إياك بعض الخواطر والأفكار التي ساعدتني كثيرًا في مواجهة مشاكل الحياة أيضًا.

إن عدد سكان هذا العالم في وقتنا الحالي يقترب من ٨ مليارات إنسان، نعيش على كوكب صغر حجمه بالنسبة لحجم الكون المرصود، كحبة رمل في الصحراء الكبرى، كوكب يبلغ عمره ٤.٥ مليون عام في كون عمره يقترب من ١٤ مليار عام، كون يحتوي على مئات المليارات من النجوم والكواكب والتي تشكل فقط 4 % من الكون المرئي فقط، ورغم هذا العدد المهول من النجوم والكواكب فإن اتساع الكون يجعل اقتراب اثنين منها في المسافة حدثًا نادرًا، تبدو معلومات مكررة وأرقام مألوفة سمعناها كثيرًا وتبعناها بمصمصة شفاه وقول (سبحان الله).

قد يبدو لفظ مليون أو مليار مألوفًا بشدة نظرًا لعلاقتهم المستمرة بالمال والاقتصاد، وتكراره المستمر على أسماعنا في أوقات كثيرة، نسمع باستمرار أن فلانًا ثروته تبلغ مليارًا، أو أن سيارةً ما ثمنها مليون، لكن دعنا هذه المرة نحاول فهم واستيعاب هذه الأرقام.

هل تعلم أنه لكي تقوم بالعد من ١ إلى مليون، بمعدل عد رقم واحد في الثانية، فأنت تحتاج إلى ١١ يوم ونصف! نعم، سوف تحتاج إلى هذه المدة في العد دون انقطاع، ولكي تقوم بالعد إلى مليار سوف تحتاج إلى ٣١.٧ عام أيضًا في العد باستمرار دون انقطاع، أي أنك لو أردت أن تعد إلى ١٤ مليار (وهو عمر الكون) فسوف تحتاج إلى ٤٤٤ عام من العد المستمر، كل رقم تقوم بعده هو سنة كاملة من سنواتنا الأرضية، أضف إلى ذلك استحالة العد بمعدل رقم في الثانية لكل الارقام، خاصة الكبيرة منها ناهيك عن استحالة العد المتواصل بدون نوم أو طعام، لكن دعنا من هذه الملحوظات الآن.

اعتاد العقل البشري تكرار هذه الأرقام دون التفكير فيها، وحين يحاول التفكير فيها فإنه لا يستطيع استيعابها، فالمنطق العقلي للإنسان غير قادر على استيعاب مدى ضخامة هذه الارقام والسنين، وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل هناك منطق كوني أوسع وأشمل لا يهتم إطلاقًا بالمنطق الإنساني؟ أم أن المنطق الإنساني هو جزء من منطق كوني ما، لا نعرف عنه شيئًا؟

لقد سلّم الإنسان بما يشبه الحقيقة المطلقة أن هذه الحياة وهذا الكون يتمحور حوله فقط، حول أحلامه، رغباته، صراعاته، همومه، مبادئه، وأفكاره، يعيش أغلب البشر دون التفكير أن الحياة لها منطقها وقوانينها الخاصة، وأن مولدهم وموتهم ما هما إلا حوادث طبيعية جدًا تحدث يوميًا، ورغم التكرار السطحي لبعض العبارات باختلاف الثقافات واللغات، مثل: (كلنا هنموت – محدش واخد منها حاجة – كله زايل) إلا أنها لا تتعدى كونها شعارات تقال في موقف معين دون التأمل فيها تأملًا حقيقيًا.

في يوم ما شردت أفكاري إلى هذه الخاطرة،  وأنا أجلس في أحد المقاهي، أن جميع هؤلاء الناس الجالسين بجواري، لن يتواجد منهم أحد بعد ١٠٠ عام، سيجلس مكانهم بشر مختلفون تمامًا، بشر بعوالم وقصص وتجارب مختلفة، ثم فكرت أن هذه القاعدة تنطبق أيضًا على كل من في الشارع، بل على جميع من في هذه المدينة، ثم جميع من في العالم، توقفت عند هذه الخاطرة محاولًا استيعابها فعليًا، ما قيمة ١٠٠ عام من أعوام الأرض مقارنة بالأرقام التي تم ذكرها؟ كم ١٠٠ عام مرت على هذه الأرض؟

الإنسان يعيش من ٧٠ إلى ٨٠ عامًا في أحسن الأحوال إلا ما ندر، ٧٠ عامًا فيها يولد الإنسان ويكبر ويتعلم، يحب ويتزوج وينجب، يعمل ويشتري بيتًا وسيارة، يلهث وراء المال، يخاصم الناس ويذهب إلى المحاكم، يحب ويكره، إن عمر هذه المغامرة المسماة بعمر الإنسان على مقياس الزمن الكوني هي أقل من زمن طرفة عين حرفيًا بالنسبة لعمر الكون.

لا أستطيع إلا أن أشعر بمزيج من الذهول والقشعريرة والرهبة بعد تأمل هذه الخواطر وهضمها جيدًا، ولمحاولة استيعاب حجم وجودي، أجد نفسي لا إراديًا أمام مجموعة كبيرة من الأسئلة.

ما هذا الكون؟ من نحن؟ من أين أتينا وإلى أين سنذهب بعد الموت؟ هل رصدنا للكون هو رصد محدود لمحدودية حواسنا الخمسة؟ وهل هو مجرد جزء من حياتنا العقلية كالأفكار والمشاعر؟ ما معنى كلمة حياة؟ هل يوجد أشكال أخرى من الحياة غير كربونية، أشكال أخرى من عناصر أخرى متكيفة مع بيئات مختلفة؟ هل نحن وحيدون في هذا الكون؟ والأهم من كل ذلك، من أين جاء الوعي الذي جعلنا ندرك كل هذه الأسئلة؟

لقد عاش الإنسان على هذه الأرض منذ تطور وعيه في قلق وجودي محاولًا الإجابة على هذه الأسئلة، عاش ناظرًا إلى السماء متسائلًا يبحث عن سر وجوده بين النجوم في السماء والطبيعة على الأرض، وعن إجابات لأسئلة تخص الحياة والموت، شغلته البدايات والنهايات وما بينهما من الغايات، حيّرته الأحلام وأخافته الطبيعة، ورغم صعوبة حياته مقارنة بحياتنا الآن إلا أنه وجد الوقت للتفكير والتأمل، ورغم انعدام الوسائل العلمية المتاحة لنا الآن إلا أنه نسخ بخياله، وخياله فقط الخطوط الأولى التي أصبحت فيما بعد القاعدة الأساسية لجميع الأفكار والفلسفات والحضارات، يسمون هذا الإنسان القديم بالإنسان البدائي، ويسمون إنسان هذا العصر بالحديث أو المتطور، إنسان هذا العصر الذي يعيش منكبًا على عمله، ينام قليلًا ويأكل سريعًا، ويتعاطى الأدوية ليقلل من من حدة التوتر والقلق المحيطين بحياته، مظاهر تحققه أصبحت في المادة والمظهر فقط، ورغم تطور العلم في كل المجالات تطورًا أحدث انقلابًا كبيرًا في تصورنا لطبيعة الكون كله، إلا أن هذا الإنسان الحديث نادرًا ما يتوقف وينظر إلى السماء مندهشًا متسائلًا كأجداده، في حقيقة الأمر أجد صعوبة في تعريف من فيهم هو الإنسان البدائي!

لقد اعتاد الإنسان الحديث وجود الكون من حوله كشئ ثابت موجود كخلفية مكملة لحياته، تعوُّد أدى إلى انفصال تام بينه وبين حقيقة وجوده ومعناها، ولو فكر للحظة في الصورة الكبرى، لربما توقف عن غروره وصراعاته على هذه الأرض، الصراعات التي أدت إلى الحروب والدمار والدماء على مدار تاريخ طويل من الطموح في السيطرة والقوة على هذه الارض المحدودة البائسة، لقد عاش هنا مليارات البشر، مئات الحضارات والثقافات، عشرات الأديان والفلسفات والأيدولوجيات، عاش ومات مليارات البشر الذين ملأوا الحياة ضجيجًا، معتقدين أنهم وحدهم أبطال قصة هذا الكون…

وقد تقودك هذه الخواطر إلى أسئلة أكثر واقعية وأكثر احتكاكًا بحياتك اليومية، وتشعر بعبث هذه الأفكار وانفصالها التام عن حياتك بشكل عملي، وأنت محق في هذا، في النهاية مهما بلغ اتساع الكون وغموض أسراره، ستبقى فواتيرك التي عليك دفعها، وطعامك الذي عليك توفيره؛ أولويات حاضرة وبقوة أكثر من أي شيء آخر، لكن دعنا ننظر للأمر من جانب آخر، إن تأمل الكون ومحاولة الاقتراب من أسراره هو جزء من كونك إنسانًا في الأصل، هناك نشوة الشعور بالاقتراب ولو من بعيد بهذه الأسرار، فنحن جزء عميق وحقيقي من هذا الوجود، إن التأمل الداخلي في الحياة والوجود واستيعاب حقائقهم يؤدي لشعور بالحنين لمجهول ما، وأن الأصل موجود في هذا المجهول هناك، ووجودنا هنا هو المؤقت والعابر وسوف نعود جميعًا إلى هذا الأصل.

إن النظر إلى الأمر من هذا الجانب له أيضًا تأثير إيجابي قوي على حياتنا العملية، فعند الاقتناع بمحدودية وجودنا، لربما تغيرت نظرتنا إلى مشاكلنا وهمومنا والاقتناع بمحدوديتها أيضًا، ففي النهاية هذه ليست محاولة لكي تشعر بالضآلة أو التفاهة أو التفكير في وجودك أنه لا شيء، ولا هي دعوة للتصوف أو ترك الحياة، بل هي محاولة للتهوين على النفس في هذا الزمن السريع الذي لا يرحم، لا تعطي لهمومك غير حجمها وحجمها فقط، كل شيء يمر، كل شيء عابر ومؤقت، لقد عاش مثلك الكثيرون الذين ظنوا أن الحياة ستتوقف عند مشكلة ما، لكن كما قلنا سابقًا، لا يمكن للحياة أن تتوقف.

ومن وجهة نظري أيضًا أن من الجوانب الإيجابية لاقتناع البشر بالمحدودية، هو حدوث حالة من التواضع تؤدي إلى سمو وارتقاء الأخلاق، إدراك أن لا شيء يستحق القتال والكره والحقد لأجله، ففي النهاية لو حكمت العالم وملكته فكل هذا لا يتعدى جزء من الثانية في الصورة الكبرى للوجود، سوف نستطيع أن نتعاطف، أن نكون أقل أنانية، أن نشعر بمعاناة الآخرين، سوف ننظر إلى الطبيعة والكائنات الأخرى بشكل مختلف، فجميعنا شركاء في نفس الرحلة التي يحيطها الغموض، وهي في النهاية رحلة قصيرة فلنحاول جعلها تستحق.

في النهاية حاول أن تدع همومك جانبًا ولو مؤقتًا، وأطلق لخيالك العنان كما فعل أجدادك وأغمض عينيك واسبح في هذا الكون الواسع وكن جزءًا من هذه الملحمة المهيبة.
أنت جزء من هذا الوجود، وجزء من الإجابة يقع بداخلك أنت، فللكون لغة خاصة لكنها تتطلب الصمت الداخلي عند الإنسان لكي يستطيع فهمها، لغة وجدانية لا يمكن وصفها بكلمات.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا