“لقد هبطتُ الأرض، صافي النفس، نقي القلب؛ كما هبطها ذلك الإله الهندي (ماهادوفا) الذي تروي خبره الأساطير الهندية: لقد نزل الأرض كرجل من الرجال، يرتب أعمال البشر بين البشر، فقابل فتاة جميلة، حيّاها وسألها عن أمرها، فقالت أنها راقصة من راقصات المعابد، ورفعت (صفاقاتها) و(صنجاتها) بين أصابعها، ورقصت له ألف رقصة ورقصة… ثم ركعت أمامه وقدمت له أزهارًا. وقادته إلى مسكنها!… وهناك جعلت تُعنى به، جاهلةً حقيقة أمره، وتكشّف له عن قلب نادر نبيل، على الرغم مما يحيط به من أدران، وعاشا في سعادة الأرض، الزمن الذي تسمح به سعادة الأرض! وذات صباح استيقظت الفتاة فوجدت حبيبها إلى جانبها ميتًا، فبكته بكاءً مرًا، وجاء الناس والكهنة وأحرقوه كما يفعل الهنود بموتاهم، فأسرعت الفتاة وألقت بنفسها إلى جانبه في اللهب، فأصعدها معه إلى السماء!
تلك قصة الفتاة الهندية، أما الفتاة الأوروبية اليوم، فإنها تفعل غير ذلك! إنها أعقل من أن تلقي بنفسها في اللهب من أجل الذي تحب… أما من لا تحب، فهي تعرف كيف تجعله هو اللهب، وهو الحطب الذي يلقى في المدفأة؛ كي ينشر الحرارة في مسكنها المغطى بالجليد”.
رمزيات الحكيم:
إن القصة التي سبق ذكرها رمز على ولاء الشرق (الفتاة الهندية) وانتمائه لكلمة السماء (الإله ماهادوفا)، أما الفتاة الأوروبية (رمز الغرب) وهي سوزي حبيبة محسن، فلا تبالي بمثل هذه التضحيات؛ لأنها لا تحب إلا نفسها ولا ترى في الحياة إلا الحياة.
كما أسلفنا الذكر في المقال الثاني عن النزعة الصوفية لتوفيق الحكيم التي تمثلت عند محسن، فلا يغفل عنا الرمز في اسم الرواية (عصفور من الشرق)، وكما كان دائمًا أندريه وأبوه وأمه وجيرمين ينادونه بالعصفور، هذا العصفور الذي يحلق ويسمو ويتعالى، رمز لخيال الفنان ودين الصوفيّ. وحينما كان محسن يرمز إلى الشرق، وأندريه صديقه يرمز إلى الغرب، كان إيفان يرمز -على الرغم من أن البعض يتحفظ على هذا الرمز- إلى الموقف المحايد الوسطي بين الشرق والغرب، الذي ما إن ينظر نظرة إلى الشرق ونظرة إلى الغرب، حتى يتأكد أن الشرق هو الكفة الأرجح في ميزان التعادلية.
التأثر بأفلاطون:
يظهر في الرواية تأثر الحكيم بأفلاطون تأثرًا شديدًا، فنجد محسن في موضع يقرأ في محاورة (الجمهورية)، ونجده في أحد تأملاته يفكر:
“جمهورية لا تعرف الفقر ولا تعرف الغنى لأنها لا تعرف الذهب، وتعرف السلام لأنها لا تعرف الجشع، الكل فيها مثل فرد واحد… الكل فيها يعمل، والكل يأكل، والكل يقرأ وينعم، والكل يلعب ويمرح… أما الذهب فإنهم يصنعون منه مصابيح الطرقات وحوافر الجياد… يا للسماء! أو مستطاع لمثل هذا الحلم الجميل أن يتحقق يومًا على هذه الأرض؟!”.
وعن نظرية المُثل العليا لأفلاطون، يمتد تأثر الحكيم في علاقة حب محسن مع سوزي، أو كما قال محمود أمين العالم في كتابه توفيق الحكيم مفكرًا فنانًا: “اتخذ الحكيم من تجربة محسن مع سوزي نقطة انطلاق لتعميم فلسفي يتماشى مع فلسفة الرواية”؛ فكان محسن يضع هذا الحب في مكانة عالية الشأن غالية الشأو: “إنها أعظم قدرًا عندي وأجل خطرًا من أن أقدم لها شيئًا أو أن أوجه إليها كلامًا”. وقال لجيرمين زوجة أندريه لما عرضت عليه أن يبتاع لحبيبته زجاجة عطر: “إنك تبالغين يا سيدتي! إنها لجديرة أن أضع تحت شباكها قلبي كله!”.
يقول د. عبد الغفار مكاوي في قراءته لقلب أفلاطون: عالم الحس والتجربة هو عالم التغير والفساد والحركة والفناء. كل ما هو جسدي محسوس، وطبيعي مادي ليس له وجود حق. إن له صورة، لكنه ليس صورة (…) فالوجود الحق في المثل أو الصور، في الأفكار أو الأنواع”. كان محسن شغوفًا طوال الوقت بالحديث عن فاتنته ذات الأنف الذي كان يقول عنه أنه المثل الأعلى للأنف الجميل. ومن ناحية أخرى يرى محسن أن حبه لا يمكن أن يُعبَّر عنه أو يتشكل أو يتقولب في أي قالب، وإن حدث هذا فستُمتَهن قداسة حبه ذاك. وفي هذا يقول محمود أمين العالم في نفس الكتاب: “خيانة سوزي لمحسن كسرته، ربما لأنها خانت الحب نفسه، ولم تخن محسن فقط”. ونظن أن هذا صحيح؛ لأن محسن لم يكن يحب سوزي بقدر ما كان يحب حبه لها، فكانت صدمته حميةَ للحب في ذاته.
ولكن كيف للمرء أن يملك شعورًا معنويًا ولا يعبر عنه لأن ذلك التعبير سيهبط بمعنى الشعور السامي ذاك؟ كيف أحب دون أن أهدي وردة لليد؟ وكيف أهوى دون أن أطبع قبلة على الخد؟ وكيف أعشق دون أن أعطي ضَمَّة للقد؟
هل هذه النظرة الحكيمية صحيحة؟ أم نصدق د.عبد الغفار مكاوي عندما يقول:
“الأساس الأكبر لفلسفة أفلاطون هو هذا الانفصال التام، هذه الثنائية الحاسمة، هذه الهوة السحيقة بين عالم الوجود وعالم الصيرورة، والمشاركة هي التي تحاول التقرب بينهما”؟
قولبة المثل العليا:
كان محسن لا يمل من الجلوس على المقهى ينظر لمحبوبته في شباك تذاكر المسرح، ولكن بعد أن خطر له أن يراقبها بعد العمل ليعرف على الأقل أين تقطن؟ وبعد أن خطى أولى خطواته في طريق التعبير عن الحب، أصبح “يقتل النهار في انتظار المساء”، وأصبح يتعذب بالوقت بعد أن كان يستعذبه. ويظهر ازورار محسن بعناق وقبلات الفتى والفتاة الفرنسيين في الشارع علنًا لأنه “غير راضٍ أن تُعرض العواطف هذا العرض في الشوارع والطرقات؛ فتبتذل وهي التي ينبغي لها أن تُحفظ في الصدور كما تُحفظ اللآلئ في الأصداف”.
ولكن محسن قد ناقض نفسه حينما تبادل القبل مع سوزي في السينما بعد ذلك ومارسا معًا الحب، وصُدم لأنه بعد أن كان يحب العيش في الخيال، تاركًا المثل الأعلى للحب في مكانه العالي، واضعًا حبيبته في برجها العاجي -وجد أن قيم الأشياء قد تضاءلت وشعر بفراغ في مادة نفسه. وبعد توطد العلاقة بينه وبين سوزي، أصبح فاقدًا لشغف الحب، وبعد أن كان يحلم بسوزي في منامه قبل علاقته بها، أصبح يحلم بأنها تخونه، فهبط بمعاني الحب السامية إلى السافلين.
ولا نعرف، هل تقتضي الضرورة حين نضفي الشكل والمادة على المعنى أن ننتقص من قدره ونشوهه؟ أم أننا يمكن أن نصل بانعكاس صورة المثل الأعلى إلى الوضع المناسب كما هو المثل في كنهه؟
موهبة الحكيم:
في خاتمة المقالات الثلاث، لا يجب أن نغفل ذكر عبقرية الحكيم في الرواية، وإن كانت لا تُحصى ولا تُحد في مقال، وهو الذي كتب النقاد عنه وفيه عشرات من الكتب، ولكن الحكيم قد وظف أفكاره الفلسفية خير توظيف، ورسم شخصياته على أحسن ما يكون الرسم، وعن جانب قصة الحب بين محسن وسوزي: فقد عرضها دون ادعاءات رومانسية تدعو للاشمئزاز كما نرى في الروايات الرومانسية اليوم. إلى جانب الحوار المحتدم سريع الإيقاع بين محسن وأندريه وجيرمين في منتصف الرواية، ذلك الحوار الذي يكسر الملل والهدوء -إن صح أن يكون في الرواية مللًا- فيعيد حماس القارئ من جديد. كما أن النزعة الفنية والخيالية عند الحكيم قد جمَّلت جمله؛ كأن يقول مثلًا في وصف محسن في بداية الرواية: “على رأسه قبعة سوداء عريضة الإطار، في قمتها فجوة غائرة كطبق الحساء، قد امتلأت بماء المطر”، وإن عددنا مثل هذه التعابير فسنطيل؛ ولكن ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا الكاتب الكبير وإلى قراءة أعماله؛ فالحكيم قد ضيق الفجوة بين أدباء جيله وأدباء الجيل الذي يليه؛ وقليلٌ من يستطيع هذا.





قراءة جيدة للنص. شكراً