5 فبراير 2022

الخروج من كهف أفلاطون

يحكي «أفلاطون» في كتابه الأشهر: الجمهورية، عن قصة إنسان وُلِد لعالَم عجيب لم يعرف سواه، وجد نفسه هو ورفاقه داخل كهفٍ؛ مقيدين ورقابهم ثابتة حيث لا يمكنهم أن يروا شيئًا سوى خيالات الظل المنعكسة على الجدار أمامهم. إنها أمثولة قديمة رواها الفيلسوف منذ أكثر من ألفي عام، وتبنتها العديد من الروايات والأفلام التي تحكي عن بطل اكتشف زيف عالمه وأنه ليس سوى سجين داخله.

إن الكهف هو العالم الذي نعيش به، هو العالم الذي نعرف، ليس فقط عالمنا المادي المحسوس لكن عالمنا الفكري أيضًا؛ هو المساحة التي نتحرك ونجول فيها ونعتبر ما بداخلها حقيقة وما بخارجها لا وجود له.

لكن ماذا لو في يوم من الأيام أثناء تجولنا بداخل عالمنا هذا وصلنا إلى حدوده؟ ماذا لو لمسنا الحائط الذي يفصل عالمنا عن ما يقبع في الخارج؟ ماذا لو تسلل إلينا شعاع ضوء من العالم الآخر وأصابنا الشك للحظة في حقيقة عالمنا؟ كتلك اللحظات التي تبدو الحياة فيها كالحلم وتبدو المظاهر كالأوهام؛ نرى الأشياء كما لو كانت جديدة وظهرت لتوها، مثل ذلك الشعور الذي ينتابنا أحيانًا عندما نرى وجهنا في مرآة فيبدو لنا الوجه المنعكس غريبًا وكأننا نلقاه للمرة الأولى ونسأل: «من هذا؟». تأتي هذه الأفكار فاتحةً المجال لعالم أوسع وأكبر، عالم مختفٍ وراء ذلك الوجه ووراء تلك الظواهر، عالم بكر غير مكتشف؛ إنه العالم الداخلي للإنسان، العالم الباطني للكون.

هنا يكون نداء المغامرة الأول كما سماه «جوزيف كامبل» في وصفه لرحلة البطل؛ نداء الخروج من العالم المعروف إلى العالم المجهول، ومن العالم العادي للعالم الخاص. إنها لحظة انطلاق كل قصة عرفتها الإنسانية؛ اللحظة التي أدرك البوذا فيها أن خارج أسوار قصره عالم شاسع، وأدرك ساكن الكهف أن ما يراه ليس سوى خيال ظل، وهي أيضًا اللحظة التي قد يمر بها كل منا عندما نصطدم بجدران قلعتنا الداخلية، تلك الجدران المشيدة بالمخاوف والمعتقدات والافتراضات التي تحجب عنا الحقيقة. نسمع النداء القادم من خلف الجدار ويشتد صوت النداء، ولا يدري المُنادَى إذا كان هذا ضربًا من الجنون أم دربًا إلى الحكمة.

لكن يبقى السؤال: هل يستجيب البطل للنداء أم تنتهي مغامراته قبل أن تبدأ؟ هل يجرؤ على أن يدخل في تلك العوالم الغامضة وأن يبحث عن الحقيقة فيها؟ أم أن الناس -كما قال «هيراقليطس»- تلتمس المعرفة في عوالمها الصغرى الخاصة، وليس في العالم الأكبر أو العام؟

إن العالم المعروف عالم آسِر، فذلك القصر المسيّج وذلك الكهف القاتم يأسران من بداخلهما، ويبدو للوهلة الأولى أن السياج والظلام هما ما يبقيان البطل بالداخل، لكنهما ليسا سوى ذرائع. إن القيود وإن حدت من حركتنا فهي أيضًا تمنحنا الأمان؛ بالداخل لن يصيبنا مكروه، فنجد بطلنا -كأغلب الناس- يطالب بالحرية رافضًا أن يقف وصي أو حارس على باب سجنه، لكن حالما يفتح الباب يصيبه التردد ولا يحرك ساكنًا. هو لا يحب أن يكون سجينًا لكنه يحب أمانه أكثر من حريته، ما يرغب فيه هو أن يظل الباب مواربًا، أن تظل الإمكانية موجودة فيعيش في عالم من الإمكانيات والاحتمالات التي لا يكسيها الواقع أبدًا فتظل محلقة في فضاء الأحلام. فهل تظل إمكانياته مهدرة وتبقى مغامرته المُقَدَّرة غير مكتوبة في صفحات تاريخه؟

لماذا نحب تلك الكهوف؟ لماذا نتمسك بها؟ ألأننا لا نعرف غيرها أم لأنها جزء منا؟ يقول «فرانسيس بيكون» في الأورجانون الجديد:

«إن لكل فرد كهفًا أو غارًا خاصًا به يعترض ضياءَ الطبيعة ويشوِّهه. قد يحدث هذا بسبب الطبيعة الفريدة والخاصة لكل إنسان، أو بسبب تربيته وصلاته الخاصة، أو قراءاته ونفوذ أولئك الذين يُكِنُّ لهم الاحترام والإعجاب، أو لاختلاف الانطباعات التي تتركها الأشياء في أذهانٍ مختلفة؛ في ذهنٍ قلقٍ متحيز، أو ذهنٍ رصينٍ مطمئنٍ … إلخ.»

إن كانت تلك الكهوف جزءًا منا فهل من مفر منها إذن؟ وهل من الممكن أن تكون هذه كهوفًا من صنعنا؟ هل من الممكن أن نكون نحن من يضع الأسوار حول حقيقتنا لنحميها؟ أو لنحمي أنفسنا من اللا محدود الذي نعجز عن استيعابه؟

إن للخروج من الكهف ثمنًا، ومن ينطلق في هذه الرحلة يترك وراءه ما يعرف وما هو عليه ليكتشف ما لا يعرف وليجد نفسه. إنها رحلة هدفها السكينة لكن لا سكون بها؛ هي رحلة مستمرة حيث يكشف كل سور عن سور، وكل ستار عن ستار، فيغوص الإنسان في بحر المعرفة الذي بلا شاطئ ولا قاع. إنها رحلة محفوفة بالاختبارات يواجه فيها البطل الموت مرات، ينتصر تارة ويخسر أخرى، ومع كل انتصار وكل خسارة يموت القديم منه والبالي حتى يموت تمامًا ليبعث من جديد، يولد هذه المرة للعالم الجديد. الآن لم تعد لجدران العالم القديم إمرة عليه، لم يعد يخشى سجانيه القدامى، لا يخشى ولا يطمع في الأمان، لقد أصبح حرًا بحق.

لكن رحلة هذا البطل لا تكتمل حتى يعود إلى عالمه القديم، ليس حنينًا إليه ولكن ليكون هو المُنادي هذه المرة، ليكون ذلك الصوت من خلف الجدار، آملًا أن يستجيب البعض لندائه وأن يهجروا كهوفهم المنيعة وقصورهم المشيدة وليبدأ كل رحلته الخاصة، رحلته نحو الميلاد الحقيقي.

 

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا