تفكر بينك وبين نفسك وتقول: «إني أعيش في لحظةٍ مضطربةٍ وصعبة».
تشاهد الناسَ من حولِك بينما تأخذهم الدوامة، ويكاد كل جانبٍ من جوانب حياتك يتأثر بذلك.
تجلس في الصف الأمامي، أمام مسرح التاريخ، مُشاهدًا العرض الحالي من خلال تلك النافذة الصغيرة، والتي تعرف باسم «الشاشة»، تتساءل ما الذي تفعله هنا! ثم تستمر في المشاهدة عندما تقتنع أنه ليس بمقدورك أن تفعل شيئًا حيال هذا الأمر.
تنظر إلى هذا العالم المُعَولَم الذي يدعونه «منفتحًا» و«متصلًا» وتتساءل عن مدى «الانفتاح» و«الاتصال» الذي كان موجودًا في المقام الأول.
تدرك، ممتعضًا، أن المِحَن هي ما يقرِّبك أكثر من الآخرين؛ أنه كلما تحدثتَ عن السلام، لا تصل لاتفاقٍ مع أي أحد، لكن حين يكون الأمر حول الصراع، الكوارث، والمشقات، يكون هناك قدرٌ مدهشٌ من الاتفاق. تصدمك الحقيقة: في الألم، هناك وحدةٌ وتناغم؛ في الحسِّية، سواءً كانت حقيقية أو مشتهاة، فإن ما يحكم هو لذةُ كلِّ شخصٍ على حدٍ سواء.
تظل تشاهد وجوه الناس وتمشي في شوارع مدينتك، لكن ليس بنفس الطريقة بعد الآن، الآن أنت أكثر وعيًا… الآن أنت أكثر أُلفةً… الآن تبدأ في الاتصال والتواصل دون كلماتٍ أو أسلاكٍ أو شبكات، تشعر أنك أخف وأقل انعزالًا، وكأن كل وسطاء العلاقات الإنسانية بدأوا في التلاشي. وحدتك تفسح المجال لعزلتك.
*️ *️ *️ *️ *️ *️ *️ *️
تشعر بالقلق، لا تستطيع أن تحدد إلى متى ستستمر الأزمة أو كيف سيكون شكل العالم بعدها؛ لا تدري إن كنتَ ستستطيع أن تستمر في حياتك كما كانت أو إن كنت ستضطر للتخلي عن بعض عاداتك؛ إن كان الأمر سيؤول إلى الأفضل أم للأسوأ.
تتوقف! أفضل؟ أسوأ؟ لا تستطيع أن تجد أي مرجعية لتلك النعوت، سرعان ما تدرك أنهما مختلفان عن الحلو والبغيض… تسأل نفسك إن كان من الممكن أن يكون الأفضل بغيضًا أو الأسوأ حلوًا.
تتذكر ذلك الإحساس الغريب أثناء أزماتٍ أخرى، حيث استمتعتَ بإثارة المجازفة وبهمز المخاطر. وعلى النقيض، تتذكر الإحساس بالملل والاكتئاب، حين كان كل شيءٍ روتينيًا وشائعًا. تستشعر أن هناك علاقة غامضة بين الأزمة والعنفوان؛ بين ما هو صعب وما هو صالح، ترى أنه من الجنون أن ترغب في الوقوف ساكنًا وألا تتحمل أية خسارة.
تصل إلى احترام لعبة الحياة والموت، لم تعد تأبه بعد الآن كيف تنتهي تلك اللعبة، لكنك لا تستطيع أن تشرح أيضًا لماذا تستمر في السعي وراء لحظة الكمال الذهبية تلك التي تسمى المجد؛ لمحة المثل الأعلى في غَسَق المتضادات. ليس بوسعك سوى أن تتساءل عن ما إذا كان هناك «أفضلٌ» أكبر وراء كل «أفضلٍ» آخر، «أفضلٌ» تستطيع تحت درعه أن تخسر كل شيءٍ دون ندمٍ وأن تفوز بأي شيءٍ دون اغترار.
*️ *️ *️ *️ *️ *️ *️ *️
تسأل نفسك عن ما تعنيه لك، تلك الأزمة. حتى الآن، وفي وسطها، لا ترى سوى نقطة انقلاب؛ مفترقٌ في طريقٍ غير معلوم، كنتَ تمضي فيما ظننتَه اتجاهًا، ثم فجأة، أصبح هناك اتجاهٌ آخر، اتجاهٌ غريب.
تشعر أن الأمور لم تمض حسب الخطة، لكنك تتذكر أن خطتك الأصلية لم تكن واضحةً أو متماسكةً هي الأخرى، الموقف بأسره يترك في فمك مذاق الفوضى وتصبح قلقًا، حين تتذكر أنه ما من خطةٍ ستأتي بها تستطيع حقًا أن تتمسك بها طويلًا.
تتساءل كيف ينتابك شعور المشي في حين أنه من الواضح أن ما من طريقٍ يرحب بأقدامك المتحسِّسَة. تظن أنه ربما لست أنت الذي تتحرك، بل أن العالم بأسره هو الذي يتحرك، يدور في رقصةٍ مروعة، توهمك بحركتك.
تكتشف أن أشياء قليلة للغاية هي ما تعتمد عليك فعلًا، وأن هذه الأشياء ليست سوى أفعالك أنت، لم تعد تثق في المخططات وأصبحت تحاول أن لا تركز على ما لا يعتمد عليك، أصبح رد فعلك تجاه كل الخطط المرسومة ابتسامة استخفاف، أنت فخورٌ بعض الشيء بدرجة الحكمة تلك، سريعًا ما ترفض هذا الفخر باعتباره زهو وخيلاء وسُخف، تذْكُرُ أنك لا شيء.
*️ *️ *️ *️ *️ *️ *️ *️
تشعر بالتعب، هو مجهودٌ شاق أن تتحرَّى: كل عضلةٍ ذهنيةٍ تشعر بالوخز، ذلك الألم الاعتيادي الذي يصاحب التفكير الحقّ.
تقرأ التاريخ وتبدأ في مقارنة بعض أجزائه بالدورة الحالية… توقظ بعضُ صفحاتهِ فيك فزاعةً من الترقب الوجل، تصل النقاط ببعضها البعض: ثمرة الأزمات لا تكون إيجابيةً دائمًا، تقرأ عن انهيار الحضارات، تفهم أن الأزمات دائمًا ما تكشف عن خطوط الصدع ونقاط الانكسار في أي نظامٍ حي: نقاط الضعف، التناقضات، الصراعات الخفية…
تدب فيك الحياة بأفعال أولئك الذين تمكنوا من الإبحار عبر العاصفة ووصلوا بسفنهم إلى المرسى. وعلى النقيض، يحيرك كلُّ الكرِّ والفرِّ الذي تراه من حولك: كلُّ الماء الذي اخترق جسد السفينة وتجمّع في عنابرها.
تتأمل في جذور المشكلة: لماذا نجح البعض حيث فشل آخرون كثيرون؟
تكف عن التفكير في الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية لتفسير الأزمة وسوء إدارتها؛ تترك هذا الأمر لأولئك الذين يستمتعون بالنهم في معلف النظرية.
تميز أنه فيما وراء كل الأعذار وإلقاء اللوم، يتلخص الأمر في أديم الأخلاق: تشرح لنفسك أن جذرَ كلِّ مشكلةٍ في أي أزمةٍ هو فقرٌ في التصرفات المناسبة وغيابٌ للفضائل الرائعة.
ينتابك شعورٌ بالاطمئنان لهذا الاكتشاف، ولكن في نفس الوقت ينتابك شعورٌ عميقٌ بالهمّ حيث أنك لا تفهم كيف تنشأ هذه الأخلاق المتسامية.
*️ *️ *️ *️ *️ *️ *️ *️
تتذكر وقتًا كانت فيه الأمورُ أكثر سهولة، أكثر نعومة، أكثر نظافة، أكثر سعادة. تتأمل حنينك إلى الماضي وهو يتملك منك، تتفكر في كيف تركت حاضر الأزمة يدفنك في ماضي الأوقات المسالمة. تدفعه عنك، لكنه لا يكلُّ أن يعود، بقوةٍ مضاعفة؛ كموجة مدٍ متوحشة.
يضايقك الناس الذين يصرخون من أعالي رئاتهم كي تهرُبَ للأمام، أن تفرَّ غرقًا، أن تغلق الباب على نفسك، أن تترك نفسك تنجرف مع التيار، لكنك ترفض. لن تيأس ولن تستسلم. تستمر في التجديف عكس التيار.
تبحث عن مفتاحٍ للبقاء في المكان الراهن واللحظة الراهنة، لكنك لا تستطيع أن تجده، تظل واقفًا أمام ما تظن أنه عقبة موصدة، تنتظر كثيرًا حتى بدأت تشكك في وجودها نفسه. تفكر قائلًا: «ما أحمقني! أبحث عن مفتاحٍ لمزلاجٍ لا وجود له!».
تمضي في المجهول… تشعر بالباب الورقي وتسمع صوته وهو يتمزق تحت وزن إرادتك، ها أنت ذا على الجانب الآخر، تستنتج أنك كنت أحمقًا بالفعل… ها أنت الآن تطفو فوق الماضي، والحاضر، والمستقبل، وتراهم مستمرين في لعبة المرايا والظلال خاصتهم. تستنشق هواءً جديدًا، هواءً أبديًا.
تقف مذهولًا، وكأن الموت هو الذي أعادك للحياة.
*️ *️ *️ *️ *️ *️ *️ *️
تسمع الآلاف والآلاف من الأصوات الحادة، تحاول أن تصم أذنيك ولكن الأصوات لا تتوقف. أنت مستاء وتبحث عن الأبله عديم المسؤولية الذي أعطى مذياعًا لكلِّ شخص دون تقييمٍ مسبق، لا تستطيع أن تجده، تعقل الأمر بينك وبين نفسك: ليست غلطة أحد… في الحقيقة، تدرك أن لا شخص مسؤول، عندما يكون الكل مسؤول.
هناك الكثير من الهَرَج والمَرَج؛ تكاد لا تسمع نفسك تفكر! تتساءل منذ متى بدأ كل هذا… يتراءى لك أننا ربما كنا نعيش في أزمة مستمرة لعقود، إن لم تكن لقرون، كسدادٍ للدَّينِ الذي اقترضه انعدام الكفاءة وزاده الإهمال بشكلٍ تصاعدي.
تنظر بنسبية إلى الأزمة الحالية… مجرد حازوقة؛ صوتٌ آخرٌ عالٍ في محيطٍ من الجلبة والنشاز… تستعد للهزة القادمة، أنت أكثر هدوءًا، لكنك لازلت تحلم بالصمت، يستهويك البرج العاجي.
تبدأ في رؤية قرنك على أنه أرضٌ قاحلة شاسعة وعنيفة، تبحث عن أرضٍ أعلى تقف عليها، تجد صخرة مرتفعةً وراسخة، تتسلقها… الجو أكثر هدوءًا هناك. تنظر للأسفل، في البداية يكون اﻷمر مسليًا، لكن سرعان ما يحزنك مشهد كل أولئك الناس الذين يركضون في اتجاهاتٍ عشوائية، يتخبطون ويصطدمون ببعضهم البعض.
تشعر بالخجل، تقرر أن تشاركهم ركنك الصامت. لا تدري كيف تدعوهم: إن صِحتَ بينما يصيح الجميع، فلن يسمعك أحد. إن سكتت، فمن سيلاحظك؟ تمضي في شأنك وفجأة يأتون إليك، تدرك أن للصمت أيضًا صوت.
صوتٌ لا يخطئه السمع.





0 تعليق