تخيل نهرًا من المياه يسري عبر مدينة أو حتى في الطبيعة، قد تراه واضحًا في حيويته الجارفة في بعض الأحيان، وفي أحيانٍ أخرى قد يخفيه ساترٌ، فيتوارى عن النظر تحت جسر أو معبر أو عندما يمر عبر كهف. هكذا وجودنا في هذا العالم؛ نسمي اللحظات التي يظهر فيها النهر بالحياة، وتلك التي يختفي فيها عن العيان بالموت، بينما في الحقيقة كلتا الحالتين للنهر -سواء الحالة المرئية أو غير المرئية- وجود.
وأياً كانت رؤية أيّ منا لمفهوم الحياة، فهناك واقع ملموس يتمثل في العبور من أحد جانبي الساتر إلى الجانب الآخر، أو ما نسميه بالولادة والموت. في ساعة ولادتنا كما في ساعة مماتنا، نكون وحيدين، مهما كثر عدد المحيطين بنا في تلك اللحظات فنحن في تلك الأوقات حقاً وحدنا.
قد نظل وحيدين عبر حياتنا، ليس لأننا لا نستطيع أن نتشارك أوقاتنا مع الآخرين، ولكن لأنه -بشكل أعمق- لا يمكن لأي إنسان أن يلج إلى روحنا، والتي هي بطبيعة حالها وحيدة.
لا يستطيع أحد أن يزعم أنه اكتشف سر الحياة أو سر الموت، ولو كان الموت مباغتًا؛ يأتينا على غفلة من أمرنا أو يداهمنا دون تحضير مسبق، فالحياة نفسها، بل والسبب الذي من أجله جئنا إلى هذا العالم، من أصعب المشاكل التي تواجه الفكر الإنساني بكل تأكيد، وربما لا نجد لها حلًا طالما حيينا.
قد تكون أرواحنا في لحظة انشقت عن شيء ما أكبر منها بكثير وكان يحتويها، انفصلت عنه باحثة عن خبرات جديدة، ترشدها حاجة فطرية إلى المعرفة، كالتي تملكها النفوس البريئة، وها هي قد وصلت إلى الأرض وحيدة، في منتهى الوحدة الموحشة، منتزعَة من رحمها السماوي. منذ تلك اللحظة، فهي تهيم على وجهها في الأرض، في بحث دؤوب عن المفتاح الذي سيسمح لها أخيرًا أن تعود إلى منشئها، إلى تلك اللحظة التي لم تكن فيها وحيدة، ﻷنها لم تكن أيضًا منقسمة. هذا المفتاح هو نوع من المعرفة، بل هو الحكمة.
إن الوحدة هي إحدى الحلفاء الأوفياء للوهم؛ فكلما أحسسنا بالوحدة كلما توغلنا أكثر في شباك الوهم حتى نمحو ذلك الإحساس بالكرب والتقلق الداخلي، وهكذا تبدأ مسرحية درامية جديدة، دراما الحياة المشتركة. هناك أرواح وحيدة تتوق لأن تعيش إلى جوار أرواح أخرى وحيدة، ولكن دون أن تفهم بعضها البعض بأي شكلٍ من الأشكال، يكون قد خُتِمَ عليها جميعًا بالوحدة.
إن الحياة المشتركة تنشئ أشكالًا متنوعة، بداية بالحب البسيط الذي يجمع شخصين وحتى الأحاسيس السامية الأكثر تعقيدًا والتي تميز المجتمعات والإنسانية بعينها، فتتكون الأُسَر والمنظمات والمدن والدول والمؤسسات الدينية والأحزاب السياسية. كل تلك الأشكال ما هي إلا خيوط من نسج الوهم والتي يتشابك ويتداخل فيها الإنسان معتقدًا بذلك أنه قد قهر الوحدة وتخلص منها أخيرًا، ولكنه كلما توغل فيها أكثر، كلما أيقن وحدته.
يقول أفلاطون أن الإنسان مكون «من هذا ومن ذاك» ويؤكد أنه ما من معرفة مؤكدة أكثر من تلك. أما الـ«هذا» فهو الفرد غير المنقسم، المتجانس في داخله: أي الروح الوحيدة، وأما الـ«ذاك» فهو القناع الشخصي الذي يأتي إلى العالم ويدخل في علاقة مع الأوجه المتعددة ليهرب من وحدته.
فحالما ارتدينا القناع، يمكننا أن نلعب أدوارًا متعددة وكأننا لسنا وحيدين؛ تولد الصداقة، ويولد الحب، والإحساس بالأخوة، وبالأبوة، والحنان تجاه كل البشر، وحتى تجاه الحيوانات والنباتات. في مستويات أكثر لطفاً، يتحول الحب باتجاه لانهائية النجوم، ويمكن حينها للإنسان حتى أن يستشعر إلهًا وأن يحبه بسبب الكمال الذي تجسد به عالمه.
ولكن ما أكثرها خيبات الأمل! فترى صداقات تتهشم، وعلاقات تذوي مع الزمن، وأبناءً يخونون أهلهم، وآباءً يهجرون أبناءهم، وترى أيضًا من لا يعيرون أدنى انتباه لهموم الآخرين ولا يعبأون لأحد، ثم يأتي العلم المادي ليطفئ لمعان النجوم الرومانسي وبريقها الساحر، وتُشن الديانات الحروب من أجل نفس الإله. ماذا نحن بفاعلين؟
حينئذ يلقي الإنسان -كسير القلب- بقناعه الخارجي أرضًا، وينعزل على ذاته في يأس وإحباط، ظانًا أنه لن يتمكن أبدًا من الهروب من قبضة الوحدة.
في نفس اللحظة تظهر المفاجأة الكبرى، فيجد في داخل ذاته هو، في كيانه الداخلي، الصديق ورفيق العمر حاضرًا ومساويًا له على الدوام، في سعادته أو في معاناته، ينظر إلينا ونحن نعيش دون أن يحزن، ويشدنا إلى أعلى دون أن ينتظر في مقابل هذا أي مكافأة.
وتستمر المعجزة؛ فعندما نكتشف هذا الصديق والأب والأخ الحقيقي، يكسو كل ما حولنا المعنى من جديد. فالقراءة، والاستماع إلى الموسيقا، والاستمتاع بسحر الطبيعة، لن تكون بعد الآن سلوكيات شخص وحيد محبوس بداخل ذاته، وإنما سلوكيات إنسان تصاحبه وترافقه ذاته الحقة.
والآن، الآن يمكننا الدخول في علاقات مع الآخرين، لأن بداخل كل منهم هناك إنسان داخلي آخر، رفيق يشارك نفس هموم الصديق الذي اكتشفناه لتونا. والآن، نعم الآن فقط، أصبح هناك إمكانية للتفاهم والتعاطف، فمن لم يبدأ رحلته الاكتشافية الداخلية بعد، سيكون من الصعب عليه جدًا محاولة فهم حتى أصغر الصغائر عن ما هو خارج عنه. فالداخلي أولًا، وبعد ذلك الخارجي.
ولكن هذا ليس من شأنه أن يزيل الوحدة، فهي الحالة الخاصة بالروح، ولكنه سيمكن تلك الوحدات أن تتحد بفعالية وأن تلعب سويًا مع خيوط الوهم على مدار الحياة. التشارك في المصائب نوع من الاتحاد. ربما تبحث الأرواح عن الاتحاد فيما بينها في مواجهة المصيبة المشتركة، ألا وهي فقدان المنشأ الأول، أن تتحد في اشتياقها المتحرق إلى العودة إلى النقطة التي لم يكن فيها للانقسام وجود.
إن الوحدة (بمعنى الانعزال) هي نتاج الانقسام، فعندما يتحد الكل، أين ستكون الوحدة إذن؟ الوحدة هي الانفصال وعدم الاتحاد والانعزال. كلما تفرقنا، كلما زادت وحدتنا، لأننا نخلق بذلك أجزاء جديدة، والتي ستكون بدورها وحيدة ومنعزلة عن ما سواها.
إنها إحدى ألعاب الوهم: التقسيم والتقسيم ثم التقسيم إلا ما لا نهاية، يحاول الوهم بذلك أن يضاعف الأشكال ويشجعنا أن نقوم بالمثل، بل ويوهمنا أن الكمية وزيادة العدد هو المسكن والدواء لعزلتنا. إن الكمية لا تحرر من العزلة ولكنها قد تفسد الجودة وتمنعها، حيث أنه من جوهر واحد ظهرت كيانات متعددة. علينا أن نبحث، ليس كثيرًا وإنما بعناية، في الأعماق كما في العلا.
عندما ندرك ألعاب الوهم سيمكننا أن ننظر فيما ورائه وأن نتعرف على الأجزاء المفقودة من روحنا، الأجزاء التي فقدتها أثناء هبوطها إلى الأرض، والتي عليها أن تجدها وأن تستعيدها حتى تتحد من جديد، ولا تحس بالوحدة بعدها أبدًا.
– هل أنت وحيد؟
– نعم…
– هل تود أن تكون معي؟
– حسنًا…
وهكذا مضى الاثنان، يدًا بيد، يوحدهما القناع الجسدي، بينما تبرز روحهما من أعينهما، باحثة بداخل هذا الكيان عن توأمها الذي فقدته في لحظة الانقسام الأول.
«لا يستطيع أحدٌ أن يُشيّد لك ذلك الجسر الذي عليك أنت -ولا أحد غيرك- أن تعبر من فوقه نهر الحياة.»
– نيتشه





مساء الخير يا نهى
المقال رائع جدا وبالمناسبة انا فكرت في الموضوع ده من فترة بس كنت بتكلم عن الوحدة كشيء إيجابي من ناحية انها بترجع الإنسان لنفسه بدون أقنعة زائفة وبتخليه يوصل للغاية اللى هو موجود عشانها
فممكن لو جت فرصة أكمله وانشره