إذا كان ثمة شئٍ في الحياةِ له قيمة حقيقيةٌ، وجزْلٌ، في زماننا يستحق الالتفات إليه والالتفاف حوله، فإنّها بلا شك تلك الأحيان التي يسمو فيها الإنسانُ فوق منفعتِهِ الفردية، تلك اللحظات التي يُخرِج الإنسانُ نفسَهُ من المعادلةِ، لتعلو قيمةُ الإيثارِ، وتخبو الغرائزُ والدوافعُ والانفعالات، ولا أتحدثُ هنا فقط عن التضحيةِ في سبيلِ القيمِ العُليا والشؤون الجليلة، كالوطنِ والدينِ والعرضِ والأرضِ، ولكن أقصد ببساطةٍ جمال تلك اللحظات النفيسة في خضمِّ يوم طويل نلهث فيه، ونقطُر عرقًا، فترى عامل نظافة يحنو على جروٍ صغير، أو ترى شخصًا تلفَت أعصابُه في زحامِ النهارِ وفي طريقِ أن يفقدَها فيلطِّف أحدُهم الأجواءَ ويبدد التوتر بمزحةٍ وخفة روح تنفرج بها الأسارير، أو تجد من تفتح له قلبك بعد كدِّ الساعات الطوال، أو ترى صديقًا ينصتُ إليكَ بكلِ جوارحه وكأنه لا يسمعُ غيرَك، بل يصغي إلى صمتك، وربما تجدُ من لم تقابله منذ شهورٍ أو ربما سنين وتتحدثان وكأنكما أمسيتما كما أصبحتما بلا فراق.
في حياتنا وعصرنا المُضْني وتحت وطأة الزمن، وفي لُجّةِ الحوادث المتلاطمة والسريعة، كم جميل لو حافظ الأصدقاء على صداقتهم! وكم كريم لو حافظ الجيران على ودهم وتراحمهم! وكم عظيم لو حافظنا على رباطة جأشنا، ابتسامتنا، لو لم ندع الزمن يسرق منا أنفسنا، لو فقط تمسكنا بمبدأ، لو لم تنحني جباهنا سوى بالموت. كم أصبح مثيرًا للعجب والاندهاش أن نسمع أن أبًا فضّل لابنته صاحب الخلقِ على صاحبِ المال، أو أن شخصًا وجد حقيبة مليئة بالمال ولم تداعبها أنامله فأرجعها لصاحبها بعد كدٍ طويل من التقصي عنه، أو نسمع مثلًا أن حُكمًا عادلًا صدر في حق فقير عَثَر به حظه أمام شخص ذي نفوذ واسع، فأنصفه العدل على الأرض، وأنصف معه نفوسًا طالها الحنق والغيظ من بطش الظلم والجور.
كلنا نود ذلك أن نسمع هذا، كلنا نريد ذلك، كلنا نبحث عن مجتمع وأشخاص كهؤلاء، ولكن ليس كلنا كذلك، لسنا جميعًا منارات للآخرين، فأجمِل بأن نجد من وهب نفسه لقول الحق بلا مراء، وبلا خجل، وبلا انتظار لتصفيق، ودون دفاع عن النفس إذا اتهمه المقرّبون قبل الغرباء، أن نكون نحن كذلك؛ أن نكون نحن من نقول الحق بلا مراء، وبلا خجل، أن نكون نحن من نتمنى أن نراه في عالمنا القاسي، أن نكون نحن البطل الذي ننتظره ليغيّر العالم، أن نكون نحن البطل الذي نتمنى أن نراه في لحظات اليأس والظلم، أن نُقدِم على ما نظن أنّه الخير بلا تردد، أن نكون الأبطال الخارقين الذين نشاهدهم ونحبهم لأنهم لا يهتمون سوى بالعدل والحق، والبطل الخارق في زماننا هو فقط من يحاول دومًا تطبيق الحق والخير والعدل والجمال من منظوره، البطل من يستولد الحق من أضلع المستحيل كما قال الشاعر أمل دنقل.
فما أجمل أن نصغي إلى صديقٍ أو أخٍ صغير بدون مقاطعة حتى وإن لم يكن لدينا ما نقوله، وعندما تنطق ألسنتنا لا تنطقُ إلا بكلِ ما هو حقيقي، وتمتنع عن الزيفِ، أن تكونَ وسط كلِ عتمةِ العالمِ وتحت جُنح الليل تفعل شيئًا كريمًا لا يراه أحد، ربما امتدحك الكون، ومُنحت قلبًا صافيًا.
أن نراجعَ أفكارَنا، وأن نتراجعَ عن ما هو غيرُ مناسبٍ مِنها لنَا، وأن نعلنَ بشجاعةٍ أمامَ الآخرين أننا كنّا مخطِئِين، لهوَ فعلٌ لا ينبع إلا من بطلٍ خارق، أن تتواضعَ وتضعَ نفسَك في مكانتِك وأن تتحلى بروح اللطافة والكياسة، لهي بطولة، وأن تراقب أفعالك وأن ترصد من حولك بعين نافذة، أليست لحظاتٍ نادرة؟ أليست لحظاتٍ بطولية في عالمنا؟
ألّا تحسبَ الحسابات فيما يتعلق بالحق، والعدل، أعني ألّا تجعل في حسبانك سوى الحق والعدل، وألّا تضعهما في كفة الميزان، أليس هذا شديد الندرة، حتى أنك ربما لم تجده يومًا؟
هذه اللحظات النادرة هي الحياة، هي أقيمُ من كل ما نفعله ونلهث وراءه، أو ربما كل ما نكابده هو ليجعلنا قادرين على العيشِ لنفعل أو لنكرر فعلًا نبيلًا، أو لنرى في ساحة شوارعنا -التي تحول عُشّاقُها إلى سفاحين يقتلون من يحبون باسم الحب- حبًا يسمو على حب الجسد، حبًا تسمو فيه الأرواح وتتداعب، وتعود للأجساد فتنتشي بلمسة يد، أو قبلة صادقة.
ما الذي نلهث وراءه إن لم تكن لحظاتٍ نستعيد فيها القيم والمبادئ، علامَ يجري الناس في الشوارع إذًا؟ جرِّب أن تمشي ببطء أو تتمهَّل في شارعٍ متوسط الزحام في أي وقت من أيام العمل؛ الناس يهرولون، يتدافعون، متوترون، من أجل ماذا؟ من أجل ماذا يتسابق كلّ الرجال للركوب في السيارة قبل امرأة أو عجوز؟ بأي ثمنٍ باعوا مروءتهم ونخوتهم! سيقولون: «سنستردها عندما نصل حد الكفاف»، ولكن ليس من حدٍ للكفاف، الكفاف بالداخل، والغنى بالداخل والفقر بالداخل، هل الفقير الذي لم يَرحم، سيكون رحيمًا عندما يغتني؟ العكس هو الصحيح، سيدعس الفقراء، لن يمنح إلا لنفسه، لأنّه فقير النفس. بأيّ مقابل نخون أنفسنا، قبل أن نخون أزواجنا وزوجاتنا؟ بأي مقابل يتنصّل الأبناء من الآباء، وبأيّ حقٍ يتنصل الآباء من أبنائهم، وكيف يضرب الأخوة ظهورَ بعضهم، ويدنّسون حرماتهم؟ وكيف يكبُر الأطفال في هذا الزمن؟ أبناؤنا، لا يشمّون إلا العفن، ولا يأكلون إلا النتن، ولا يسمعون إلا البذيء من الكلم، ولا يرون غير العنف والألم، ولا يقولون إلا اللمم، ولا يميزون المعاني أو القيم، ولم يذوقوا لحظة حب، ولم يروا مثالًا أعلى. ما أجمل تلك اللحظة عندما تكون أنت لهم قدوة! أن تكون قدوة لابن أخيك، أن ترعى ولدًا فقيرًا، أو -لو كنت فقيرًا- أن تصلب طول ولد مرفه، أن تجعله يخبَر الحياة ويخشوشن فيها، أن تقف وتتحدث معهم لدقائق في يومك، وتفهم كيف يفكرون وماذا سيصبحون، وأن تكون مثالًا لهم، ما أحلى أن تحنو على طفل لا يكفّ أبواه عن ضربه، ربما تمسيدة حنان، تقيّده في إنسانيته، ولا تطلق وحشًا أو مجرمًا يغتال الوطن.
هل تشعر عندما تؤدي واجبًا نحو أخٍ لك أو صديقٍ أو جارٍ، نحو شارعك أو بلدك، هل تشعر أنّك كما كنت؟ هل لو ساعدت امرأة عجوزًا في الشارع في حمل حقيبتها وسط لهاثك وتأخرك عن العمل، هل أنت قبلها كما أنت بعدها؟
لا، ونعم، حيث أنّك لن تصبح بجناحين بعد أن تقوم بعمل خيّر، ولكن إن أديّت القيم وتفكّرت فيما فعلت، ارتفعت فوق نفسك، وسموت بروحك وعقلك، وضربت أول مسمار في صَلب جسدك، وانتويت الخروج من محدوديتك، لبراح الروح، واكتسبت من الصبر وقوّة العزم ولين الجانب، ما يرفعك إلى مقام الأولياء، فلا تستصغرن من المعروف شيئًا، وأبذل في اللحظات الصغيرة ما تبذل في اللحظات العظيمة، من اهتمامٍ، وانتباهٍ، وجهد، فتلك بوابتُك لبذلِ التضحياتِ النفيسةِ، وإلا خانتك شجاعتُك وزلّت قدمُك حينما تحين اللحظات العظيمة. فاظفر بشرف العيش، أو أشْرُف بموتٍ مظفر.





0 تعليق