تواجه الدولة -باعتبارها الموكل الأساسي من الشعب بالحفاظ على المرافق العامة وصيانتها وتطويرها لتتماشى مع مستجدات العصر والتقدم التكنولوجي وزيادة السكان ونمو الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والصناعية- معضلة حقيقية بين تأدية المرفق لوظيفته على أكمل وجه من ناحية، وبين الحفاظ على جمال وهوية المرفق من ناحية أخرى، ويظهر التساؤل بشكلٍ جليٍ في عصرنا الحديث وعند الهندسيين منا بشكل خاص عند الحديث عن إنشاء أو تطوير وترميم بناء أو شبكة طرق أو مرفق عام أو إنشاء مشاريع جديدة أو بناء مجمعات سكنيّة أو مدن جديدة أو منتجعات سياحية، هل الأولوية للوظيفة أم للجمال والهوية؟ وهل يمكن التوفيق بينهما، خصوصًا إذا وضعنا في الاعتبار تكلفة وعائد الربح أي الجانب الإقتصادي؟
والوظيفة المقصود بها هو أداء المرفق أو المشروع الغرض منه على أكمل وجه، مثال على ذلك إنشاء محطة قطارات تستهدف تقديم الخدمة لمليون مواطن يوميًا، أو إنشاء مجمع سكني لاستيعاب أكبر قدر من الأسر المشردة، هل الاهتمام بالتفاصيل الجمالية للمبنى من واجهات، ومساحات زراعية، وجودة المزروعات، وارتفاع سقف الوحدة، وخصوصية الوحدة، وعدم تقابل النوافذ لإتاحة الخصوصية، ومساحة البلكونات وعددها، ومراعاة اتجاه الهواء، واستخدام الطوب الأبيض مثلًا لتوفير جو معتدل داخل الوحدة طوال فصول السنة، هل كل ذلك ضروري وذو أولوية؟ مع العلم بما يضيفه ذلك من تكلفة إضافية قد لا تجد لها عائدًا خصوصًا عند التحدّث عن طبقات متواضعة، وقد يؤدي ذلك بالمشروع للفشل مع زيادة قيمة التكاليف عن قيمة الربح بشكل لا يسمح حتى بالتساوي بين التكلفة والربح، أم تكون الأولوية هنا للوظيفة بما يشمل ذلك تضييق المساحات وتخفيض الأسقف لاستيعاب عدد أكثر من الأدوار، وتقليل تكلفة الواجهات بما يشمل ذلك اعتماد خامات متواضعة؟!
ولكن يبدو أن الأمر لم يعد يقتصر عند اعتبار الأمور الجمالية لا تناسب سوى الطبقات التي تتحمل تكلفتها، هاك الكمبوندات مثالًا، بل أصبح معيار الجمال يكاد يطابق الشائع عند جميع الطبقات اللهم إلّا اختلاف جودة الخامات والعلامة التجاريّة المُصنِّعة لها، بل أصبحت هناك علاقة طردية بين الطبقات العليا وزيادة الوظيفة العملية مثل إضافة المزيد من الإكسسوارات ووسائل الرفاهية في المنزل أو المبنى للحصول على المزيد من الراحة، ولم يعد الجمال في الحسبان اللهم إلّا قطعة في منزل، أو زخرفة على كوبري مشاة لا تتفق إطلاقًا والطابع العام لما حولها، وهنا لا أدّعي احتكار معيار الجمال، ولكن أتحدث عن الطابع العام، وخصوصًا أني أفترض إن القائمين على هذه المشاريع، لم يشغلهم هذا التساؤل حول الجمال.
حسنًا إذًا، إذا كان الأمر كذلك فلابد أن السؤال الصحيح هو لماذا لم يعد الجانب الجمالي يشغل حيزًا منا وفينا؟
ولا بد قبل الإجابة أن نضع السياق الذي نتحدث فيه، فالسياق ربما يبين عن مغزى، والسياق هنا هو المكان.
والمكان هنا هو مصر بكل ما تحمله من عمق حضاري وثقافي وتنوع معرفي يحوي مذاهب وديانات وفلسفات، ومهد لحضارة عريقة قدم التاريخ وربما أقدم من التاريخ المعلوم.
وحفلت مصر التي ربما تعدّ متحفًا مفتوحًا -أو على الأقل بعض مدنها- بمشاهد وآثار لكل شعوب أهل الأرض من ثقافات وديانات مختلفة، مع مزيج من الفلسفة والفنون والمعمار التي ملأتنا إعجابًا وتيهًا وفخرًا، وكانت مركز العالم في فترات مختلفة قبل التاريخ وبعده وحتى في العصور الوسطى، لقد كانت مهدًا للجمال والفن، وربما ما زالت بما بقي من آثارها وشوارعها وما تخرج لنا أرضها من أسرار، ولهذا فإن سؤالي يحمل شرعية لطرحه في هذا السياق: لماذا لم يعد الجانب الجمالي يشغل حيزًا منّا وفينا؟ فمدننا تعجّ بالكثير من التراث الجمالي والفني والمعماري الخالد الذي يتحدى الزمن.
ولا بد أننا نتبنى حاليًا اتجاهًا لا هو وظيفي ولا هو جمالي ولأننا لا نسأل حتى هذا السؤال بوعي، ولذلك فجُلُّ ما نتمناه الحفاظ على الجمال وليس صنعه، فالوضع الحالي لا يخفى على أحد، يكفي أن تقف فوق قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة وتلقي بنظرك نحو الغرب لترى التناقض التي تحويه مدينة القاهرة.
في العقود الخمسة الماضية شهد المجتمع المصري تحولًا عنيفًا في بنيته التحتية المستقرة منذ آلاف السنين، وهذا التحوّل يبدو إنه تحول يطال العمق وهو أمر شاذ علي المصريين، فلطالما تميزت الهوية المصرية بالاستمرارية حتى خلال الغزو والاحتلال، وما كان التغيّر في الحكام والمحتلين سوى تغيرًا على السطح لم ينفذ إلى العمق، كما ذكر الأستاذ جمال الغيطاني في كتاب: نزول النقطة.
لكن هذه المرة طال التغيّر جميع مناحي الحياة في الثقافة والفنون والآداب والمعمار والأخلاق، وربما طال روح المصري ذاته، متمنيًا أن أكون مخطئًا، ومستعينًا ببعض ما حُكي عن هذا التحول ومستهدفًا المعمار بمدلوله الأشمل، سأحاول قدر الإمكان نقل الصورة لكم بكلمات واقتباسات، لا نملك سواها فحتى العين ربما تخطئ الجمال، والأمر كذلك فربما الكلمات أكبر أثرًا.
أذكر في مرة كنتُ عابرًا من أمام المتحف المصري الجديد في ميدان الرماية عندما أخبرت مهندسًا معي في السيارة إنّ الشركة الهولندية المصممة وكأسلوب معماري يتحدى المعتاد ويناسب عظمة الأهرامات، لم تجعل زاوية قائمة واحدة في المتحف، ضحك الرجل وأخبرني إنه عمل في المجال الهندسي طوال حياته ولم يجد زاوية قائمة واحدة بالفعل في جميع البيوت التي دخلها، وكانت دلالة عدم إتقاننا للمعتاد…
هاك التناقض في كل شيء، مبانٍ على الرقعة الزراعية، تناطح المباني لتتحدى خلود الأهرامات، تحوُّل الأحياء العريقة إلى أحياء عشوائية تدمى العين لرؤيتها، مصانع على النيل ترميه بمخلفاتها، كافيه على الطراز الأمريكي بجوار مسجد سيدنا الحسين، كتابات حب على أقدم مبنى، انعدام طريق ممهد بدون بلاعة صرف بارزة أو هابطة، مدارس تشبه السجون، جوامع وكنائس تتنافس في الحجم وليس الجمال، الشارع مستباح من المقاهي والباعة الجائلين، والرصيف أصبح ملكًا للمحلات يغيرون بلاطه وفق أهوائهم ويحفرون فيه بلاعات صرف إن شاؤوا
ويصف اللّباد في مقالة له بعنوان (شرّ الطريق): «لا نذكر في أي سنة سوداء، رشق جانب الشارع بمواسير حديدية سخيفة، متراوحة الطول، وثبتت عليها حيطان شاهقة، عريضة ووقحة وفظة، من لافتات الإعلانات العملاقة، ظلت تتناثر حتى غطت جانب الشارع ولم تعد هناك سماء ولا سحب ولا شمس بالنهار ولا نجوم ولا قمر بالليل. للإنسان مخروط محدود للنظر حين يرسله، والمار في شارع رمسيس سواء كان في سيارة صغيرة أو عامة أو على دراجة أو ماشيًا -خاصة المتجه إلى ميدان التحرير- لا يمكن لمخروط بصره أن يتجاوز ارتفاع حائط الإعلانات. ويقف ذلك السد القبيح حائلًا بين نظر الإنسان والسماء. يقف كشيء فظٍّ وملح وقاهر لا يمكن لأعيننا الإفلات منه».
وفي مقالة أخرى يتحدث عن حي المطرية في مصر: «عندما تنزل (ميدان النعام)… ستجد -إذا كنت تعرف المكان من قبل مثلما أعرفه- أنك قد نزلت إلى كارثة حقيقية. لقد تحول محل الميدان إلى شئ آخر يزدحم بالسيارات والشاحنات والناس المذعورين ويضج بالفظاظة والقبح (…) وضم البقال محل بيع المسامير الصغير إلى محله في فترة التوسع. ذلك التوسع الذي مكنه من شراء البيت اليوناني الصغير المطل على الميدان قباله، والذي كان مبنيًا من ثلاثة طوابق وبالطوب الوردي اللون، وبعد أن اشترى ذلك البيت الوردي «ألبسه» عمارة جديدة بنيت على حديقته المحيطة، وجعلت شققه القديمة ذات الشرفات الواسعة تصبح شققًا داخلية لا منافذ لها. وقد بيعت الشقق الجديدة للأطباء والمحامين الجدد، وجعل كل واحد من هؤلاء لاسمه يافطة مضيئة بلاستيكية الحجم الذي أعجبه، ونشروها جميعاً بلا نظام أو تنسيق على الواجهتين المطلّتين على الميدان».
ويستكمل بعد ما اقتطعناه من مشاهدات حزينة: «ليس ما يحدث تقصيرًا بل تدميرًا لما كان قائمًا وجميلًا: تدمير يشترك في المسئولية عنه الحكومة والناس. حكومة دمرت القائم الجميل، وتساهلت ورفعت يدها وتخلت عن دورها وعن الأحكام والدقة، وكفّت عن أن تكون قدوة للأفراد في التصرف، وصرفت النظر عن التخطيط للمستقبل، وللحاضر، بل وحتى عن التنسيق بين نواتج التغيرات الاقتصادية الاجتماعية الحادة في السنوات الأخيرة».
وجمال حمدان في كتابه (القاهرة) جمال حمدان، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1996)، ص١٧ يتحدث: «ولكن لعلّ أخطر من هذا النمو – الشيطاني نوعًا mashroom – ملمح ملح مزمن قد يحمل شبهة النمو السرطاني ذاته. والإشارة هنا هي يقينًا إلى توسع الرقعة المبنية على الأرض الزراعية الثمينة في عالم جغرافي متناهٍ يعاني من مجاعة أرضية. فكثير من أبناء القاهرة يذكرون ولا شك في ما مدى عمرهم آلاف الأفدنة الزراعية في شبرا والجيزة (بمعناها الواسع) وكيف كانت طرق المواصلات والترام تمضي لأميال وسط مزارع ومشاتل الفواكه والزهور والخضروات الكثيفة، ظلت تتضاءل وتنكمش بالتدريج وظل بعضها يقاوم كجزر صامدة وسط بحر المباني. ولكن هذا كله تحول اليوم إلى مبان كثيرة ونفيت الزراعة إلى آفاق بالغة التطوح والبعد. وإذا كان هذا لا يصدق على لسان النمو في اتجاه مصر الجديدة فهو للأسف صادق على شعبته الثانية في اتجاه عين شمس حيث لا يحاذي امتداد العمران حافة المزروع وإنما يترامى عليه، لا يجاوره بل يجاوزه. إن المدينة تأكل سكانها كما يقال، ولكنها هنا تأكل أرضها أيضًا، فهي من قوارض الأرض الزراعية، وبشراهة ذلك».
وإذا كان الذي كتبه جمال حمدان ومحيي الدين اللباد قد تجاوز العقدين وأكثر، فالوضع الآن قد تضاعفت كارثيته خصوصًا بعد عام 2011 وفي فترة الغياب الأمني والبناء العشوائي والجور على الأراضي الزراعية، لنعاصر تناميًا عمرانيًا عشوائيًا لم يحدث بحدته تلك في تاريخ مصر.
لتلخص القاهرة أبنية وأبراج تختلف في الطول والعرض والطراز المعماري إن كان هذا طرازًا، ملتصقة ببعضها، تعبيرًا عن التآزر والتضامن في القبح، واجهاتها طوب أحمر مع برامق جبس بيضاء، افتكاسات شعبية تعمدت شق التناسق والتناسج العمراني والوحدة الشكلية للأبنية، يبرز بينها أو بجوارها -طال عزك- ملمح حضاري تركه لنا الأجداد أو الأعادي، لتتخيل أن تقف خلف مشربية من مشربيات القاهرة في بيت أثري لتشاهد أمامك شرفة «متقفلة ألوميتال» تحجب الضوضاء والنسيم في برج طويل يحجب السماء، لتعبّر تلك الصورة عن هويتنا الضائعة بين وهّابيّة صحراوية، وأفكار غربية عصرية مهيمنة، وذلك النزع الحضاري الأخير المتبقى لنا.
فإذا كانت قد تعاقبت علينا حقبٌ في بلدنا الحضاري، بعد مصر القديمة، مثل البطالمة والرومان والبيزنطيين والإسلام بدوله المتعاقبة من راشدين وأمويين وعباسيين وطولونيين وإخشيديين وفاطميين وأيوبيين ومماليك بدولتيها، ثم الأتراك والإفرنج والإنجليز والدولة العلية، فكل تلك الحقب قد تركت معلمًا معماريًا، فأصبح التاريخ يمشي في شوارعنا عله يجد ضالته، فماذا حدث لكي تضحي بلدنا لا ترى الجمال والطبيعة إطلاقًا قيمة، ربما ما دفعني أصلًا لكتابة هذه المقالة تعاملنا مع الأشجار بكل استهانة وكأننا حقًا لانرى فيها أي قيمة، تقطيع للأشجار من أجل توسعة طريق، إزالة الجنائن الواسعة في الأحياء السكنية، لتوسعة المكان أو لبناء عقار، أو لرشق جراج بين عمارتين، أو تسويرها لأنّ شابًا وفتاة يقبلان بعضهما فيها، فأصبحت وكرًا لا نريد أن نراه، ويندر أن تجد شجرة بعد التطويرات العملاقة تحتمي تحتها من حر القيظ، ماذا جرى لنا لنعادي الطبيعة ونحن أول من أبرم عقدًا معاها، أيّ لعنة أصابتنا أو تعويذة، فنبذنا الجمال والفن واللطافة وراحة البال والفكاهة، وتستّرنا على القبح والتزمّت والجلافة.
ربما نحتاج إلى إلقاء نظرة على الإنسان الحالي في ظلّ الأوضاع الإقتصادية والتكنولوجية وتأثيرها وتأثرها بشكل مباشر على البنية الإجتماعية و تغيّر الذوق العام والأخلاق وليس بكثير من التفصيل.
تتعامل المنظومة الإقتصادية الحالية في العالم مع الإنسان باعتباره آلة تنتج، وآلة تستهلك، وهذه النظرة للإنسان ربما تستوجب توفير القدر الكافي والمناسب من الاحتياج الأساسي لهذه الآلة للعمل تحت أقسى الظروف لتوفير منتج أو خدمة لزيادة الأرباح، ولا ننسى إن الرأسمالية تعمل بمبدأ أساسي هو تقليل التكلفة إلى أقصى حد ممكن من أجل زيادة الربح إلى أقصى قدر ممكن، لذلك ربما ليس بخفيٍ عنا آلية التعامل مع الإنسان في عصور ما بعد الثورة الصناعية، وربما أدلّل على ذلك من خلال العلاقة الطردية بين زيادة فقر الفقراء وتوحش غنى الأغنياء.
ومعنى ذلك إن الجمال والفنون تصبح غير ذات قيمة اللهم إلا إذا كانت تحقق ربحًا، يدير عجلة الإنتاج ويزيد من تدفق الأرباح، والطبيعة نفسها غير ذات جدوى إلا في حدود الربح، البيئة ومؤتمرات المناخ، هي في الأساس لعبة سياسية، ومصالح.
ولكن هذه المنظومة الإقتصادية لم تنتقل لنا في مصر إلا في عصر الانفتاح (بدأ خلال السبعينات في عصر السادات)، الذي وصفه الأستاذ أحمد بهاء الدين بأنه كان «سداح مداح»، وينتقل مع هذا الانفتاح الاقتصادي انفتاح اجتماعي وثقافي وعمراني وهجرة المصريين لأول مرة في تاريخهم للعمل بالخارج، ومنافسة المنتج المستورد للمنتج المحلي ليتعثر التصنيع المحلي، وفقدان الأيدي العاملة المتخصصة، وانتهاء عصر التخصص، ويبدأ عصر «الجنيه غلب الكارنيه» ليصبح عصر التاجر «بتاع كله»، ونجد بعد هذا كله العنصر الأساسي في نسيجنا وهو استمرارية هوية الشخصية المصرية في حالة خطر لم نعرفها حتى في عصور الغزو الأجنبي، لأن الذي يفتت هذا النسيج هو غزو فكري وثقافي واقتصادي، غزانا ولم يغزُ أرضنا.
وأظنّ إن هذا أحد أسباب التحول الذي حدث لنا خلال العقود الخمسة الماضية وأُدلل عليها بمثل ما قاله حمدان في كتابه القاهرة، وأزيد إنّ أحياء المرج وعزبة النخل والقناطر والبساتين هي أسماء على مسميات حيث كانت حقًا مروجًا وعزبًا وبساتين وحدائق، بل إن الجيزة كلها بشكلها الحالي لم تكن حتى فكرة قبل خمسين عامًا.
ولكن ما الذي يجعل الانفتاح الاقتصادي على النظام الرأسمالي يدمر البنية الإجتماعية والثقافية وبالتالي العمرانية ويغير الهوية كما ادعيتُ سلفًا؟
في ظل ثقافة مادية لا يمثل النظام الرأسمالي إلا الذراع الإقتصادية منها، ترى كل شيء على أنه مادة، سطحية، اختزال، أداتية، تشييء، الأشجار مجرد خشب، والحيوانات لحوم مختلفة، حتى التديّن يصبح تجارة مع الإله، والإله يصبح إنسانًا، والإنسان يصبح شيئًا، والمرأة تصبح سلعة، والأكل يصبح مجرد فعل فسيولوجي، والملبس يصبح توجهًا ودعاية، والمعنى يصبح مختزلًا في المال والسلطة والشهرة، والمُثُل تصبح شعارات، وقُدى المجتمع وأبطاله هم رجال أعمال، والتربية والتعليم يصبحان من أجل العمل والوظيفة، والزواج يصبح شركة، والحرية تستحيل استعبادًا.
وتعامل الإنسان الحالي والنمط الدنيوي الذي يعيش فيه مع المسكن أيضًا باعتباره مكنة للسكنى، لا مجال هنا للحديث عن سقف عالٍ أو شرفة مدورة واسعة، أو واجهة جمالية، لا تقلق حينها، لن يستطيع العامل بعد يوم دوامه من الوقوف لبرهة في شارع عماد الدين، وإلقاء نظرة لأعلى المبنى، ولن يملك الوقت لفعل ذلك في عالمٍ متسارع.
في رأيي إن هذه الأسباب والتي ذكرتها باختصار واختزال شديدين، هي الأسباب التي جعلتنا نهجر الجمال في جميع مجالات الحياة، وإن كنت قد اقتصدتُ في كلامي عن العمران والجور على الطبيعة، ليس إلا لأنهما أكثر وضوحًا وقابلية للقياس وليسا محل خلاف من الكثيرين، لك مثلًا أن تدخل مسجدًا أثريًا في شارع المعز، وأن تدخل مسجدًا بُني منذ وقت ليس ببعيد لتشاهد عمق الفجوة بين الفلسفة التي بني بها هذا المبنى وذاك المسجد، لك أن تشاهد مقاهي القاهرة التي كانت تمتلئ بالفنانين والأدباء والفلاسفة والمثقفين ورجال الفكر والسياسيين والشعراء ومنطلقًا لثورات هزت تاريخ مصر مثل ثورة عرابي، وبين مقاهي اليوم فاقدة الهوية.
ولكني لا أزعم أبدًا إن الأثر السلبي على العمران هو الأكثر تأثيرًا وإن كان الأكثر وضوحًا، فقد تأثّر الأدب والشعر والثقافة والفن والفكر والوعي والهوية والمسرح والنشر تأثّرًا ربما هو أكثر سلبيّة وأكبر أثرًا، وإن كان ليس بقدر الوضوح العمراني من حيث إن هذه الأخيرة تشاهدها العين كل لحظة.
وربما فصل هذه المجالات عن بعضها ليس بالأمر الصائب، لأنّ العمران مُعبِّر عن فلسفة وثقافة سائدتين في عصرٍ ما -انظر اختلاف المعمار الإسلامي خلال دولِه المتعاقبة، الطولونية والفاطمية والمملوكية حالة- لأنّ الواقع مترابط، والجزيئات فيه متشابكة، كل منها ينعكس في الآخر، فما يجري في العمران، ينعكس على الثقافة والأدب والفنون وبقية المجالات.
ويبقى لنا في النهاية أن نسأل سؤالًا وجيهًا ويفرض نفسه بقوة في خلفية هذا المقال، وإن كنت خلال مقالتي قد افترضت إجابته ضمنيًا أو انطلقت من افتراض على سؤالنا الأساسي، وهو: هل يستطيع الإنسان الاستغناء عن الجمال؟ أو هل الجمال ضرورة؟
يتبع





الجمال هو الحياة والله أمرنا بعمارة الأرض وليس تشويهها