14 نوفمبر 2022

البروتوكول أم الواجب: إنقاذ معنى الأخلاق

السيناريو الآتي: اتنين مرضى داخلين قسم الطوارئ. الأول مريض سرطان كبير في السن وحالته متأخرة وعنده نقص حاد في الأكسجين. وبعديه مريض أصغر في السن عنده أزمة قلبية وبرضو نقص حاد في الأكسجين. أنت طبيب الاستقبال ومعاك جهاز تنفس صناعي واحد. ممكن حد يقول «بسيطة» الأولوية للي حالته متأخرة أكثر: مريض السرطان، خاصة إنه دخل الأول. بس خلينا نشوف النتايج المحتملة: ممكن نختار إنقاذ مريض الأزمة القلبية وبكده ننقذه، ونفقد مريض السرطان. وممكن نختار إنقاذ مريض السرطان، ونفقد الاتنين في النهاية. المشكلة إن مفيش أي ضامن على نتايج اختيارك، لكنك حتميًا لازم هتختار! ده مثال على المعضلات الأخلاقية اللي بتواجه الطاقم الطبي طول الوقت، واللي بتزيد جدًا في أوقات الأزمات زي اللي بنواجهها دلوقتي بسبب جائحة كوفيد-١٩ لو فكرنا في الموضوع من وجهة نظر «النفعية» [Utilitarianism] ودي النظرة اللي هتقولك «اختار الفعل اللي هيعود بأكبر قدر من المنفعة على أكبر عدد من الناس» هنلاقي إن ١ يعيش و١ يموت أحسن ما ٢ يموتوا. بس من ناحية تانية «الأخلاق الإلزامية» [Deontological ethics] هتقول إن «الفعل أخلاقي أو غير أخلاقي في حد ذاته وبغض النظر عن النتايج»، وده معناه إن عدم توفير الرعاية المطلوبة للمريض اللي وصل الأول يعتبر جريمة حتى لو النتيجة في الآخر خسارة الاتنين. موقف متكرر ومتزايد في حياة كل طبيب وأنا واحدة منهم. بنقابل مئات الحالات يوميًا وللأسف، مش دايمًا بنعرف ننقذ كل مريض! ولإن فيه حياة ناس على المحك، هتتأثر بقراراتنا واختياراتنا، فيه احتياج إن الواحد يسأل نفسه: هل أنا بتصرف صح ولا لأ؟ وأي سؤال في مجال التصرف هو حتمًا سؤال في مجال الأخلاق. مجال الفلسفة الأخلاقية الأكاديمي على مدار الـ١٠٠ سنة اللي فاتوا حصل فيه تضخم هائل، نظريات متعددة، وكل واحد يطلع بنظرية، ييجي واحد يقول عكسها ويهدّ كل اللي اتبنى. والنتيجة؟ النتيجة إن مجال الأخلاق زي باقي المجالات «الأكاديمية» اتهرى، وقُتِل بحثًا، ومع ذلك الشكوى من غياب الأخلاق في مجتمعاتنا بتزيد كل يوم أكتر من اللي قبله… فيه حاجة غلط! يمكن تكون المشكلة إننا نقول على مجال الأخلاق مجال أكاديمي أصلًا. فعلًا: إزاي نبحث في مجال الأخلاق، اللي هو مجال التصرفات، عن طريق نظريات عادةً بتكون منفصلة عن التطبيق؟ (وكل طلبة الجامعة عارفين كويس أنا أقصد إيه، لأنهم هم كمان بيشتكوا من انفصال النظريات اللي بيدرسوها في فقاعة الجامعة عن أرض الواقع العملي اللي مطلوب منهم يعيشوا عليها). حتى السؤال ده نفسه لما بيتطرح في مجال فلسفة الأخلاق، بيتم التعامل معاه بنفس الطريقة النظرية، فبنلاقي الفلاسفة المعاصرين بيتكلموا عن ٣ مجالات في الفلسفة الأخلاقية:

  • أخلاق معيارية أو Normative Ethics
  • أخلاق تطبيقية أو Applied Ethics
  • أخلاق فوقية أو Meta-Ethics

نبدأ بالأخلاق المعيارية، اللي بتشوف إن الأخلاق عبارة عن مجموعة من الأعراف والقوانين. بس لو الأخلاق هي فعلًا ببساطة قائمة الصح والغلط اللي هننفذها عمياني، إيه معنى إننا نقول: إن ده تصرف أخلاقي. ده مجرد اتباع آلي للبروتوكول ومش بيضمن حتى إن الشخص يكون فاهم ليه ده «الصح» أصلًا. غير إن السؤال هيرجع تاني يطرح نفسه: هل في بروتوكول بيضمن إن الواحد دايمًا يتصرف صح؟ والأهم من كده، فين هنحط المواقف اللي بنقول عليها «التصرف بروح القانون» مش بالقانون؟ البروتوكول أو مجموعة التعليمات اللي بتتحط قدامنا عمرها ما هتكون كاملة وكافية ووافية للرد على كل مواقف الحياة، وبالذات في مجال زي الطب اللي مليان معضلات وفيه عوامل كتيرة بنقيّم على أساسها. على سبيل المثال: لو حد امتنع عن تقديم الرعاية الطبية في جهة خاصة لمريض غير مقتدر ماديًا محدش هيقدر يحاسبه قانونيًا! في حين إننا قادرين نشوف ثغرة في الوضع ده، غير إنه موقف غير إنساني ومؤسف جدًا. والحقيقة إن الاختباء وراء الأعراف والقوانين هو نوع من إخلاء المسؤولية. محدش هيقدر يحاسب حد ماشي «زي ما البروتوكول بيقول» رغم إنه ممكن يكون بيتصرف بطريقة غير أخلاقية! هنيجي للأخلاق التطبيقية هنلاقي فيها تفريعات زي: النفعية، والإلزامية، والفضائلية. النفعيين هيقولوا نِبَدّي التصرف اللي هيؤدي لأكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من الأفراد. والإلزاميين هيقولوا إن الاتفاق لازم يكون على مستوى الفعل أخلاقي في نفسه، بغض النظر عن نتايجه إيه على أرض الواقع. والفضائليين هيقولولهم مينفعش نتصرف بغض النظر عن النتايج. وفي الآخر هيقولك كل واحد على حسب وجهة نظره! والنتيجة مازالت مؤسفة: بالرغم من إن المجال ده يبان إنه بيتناول مشاكل الحياة الواقعية، لكنه بيعمل ده بشكل عقيم ومن غير أي قيمة حقيقية مضافة، وبيحدف على الأخلاق المعيارية: هتمشي عمياني ورا أنهي مجموعة من القواعد؟ وفوق كده كمان بيخلي اتخاذ القرار أمر شبه مستحيل: هتختار أنهي مذهب فكري؟ وعلى أساس إيه؟ ولو هما عكس بعض هل ده معناه إن أي تصرف أيًا كان هيكون تصرف أخلاقي؟ مش ده معناه إن الأخلاق أي حاجة وكل حاجة؟ فبالتالي هي ولا حاجة؟ والخلاصة إن المجال ده لا هو أخلاقي ولا هو تطبيقي، لكنه مجرد لعب بالأفكار. وأخيرًا نوصل للأخلاق الفوقية: وده تعبير آخر بيستخدم النهارده لوصف الفلسفة الأخلاقية. المجال ده بيتناول معنى الأخلاق. وبيدوّر في الأسئلة اللي في خلفية الموضوع زي: يعني إيه خير أو شر؟ يعني إيه صح وغلط؟ هل الحكم الأخلاقي واحد ولا على حسب؟… إلخ والأسئلة دي مهمة جداً لأي فيلسوف عنده تساؤلات وبيدور على الحقيقة. المشكلة هي الفصل اللي حصل بين المجال الفكري والمجال التطبيقي، واللي اتسبب في وجود مجال بالاسم ده واللي معناه حرفيًا «ما وراء الأخلاق» أو «في ما دون الأخلاق». بس إيه معنى إني أفكر أو أفهم من غير ما يكون ده ليه انعكاس مباشر على تصرفاتي؟ الفصل ده مكانش دايمًا موجود، بالنسبة لحضارات كتير، ومنها الحضارة المصرية القديمة: الفكر والتصرف كانوا وجهين لعملة واحدة، وده بيظهر مثلًا في إحدى الكلمات الهيروغليفية: «إر» -واللي رمزها عين مفتوحة» ومعناها «يرى» أو «يعرف» وفي نفس الوقت معناها «يفعل». فصل المجال الفكري عن التطبيق الفعلي للأخلاق نتج عنه خلل أو عدم توازن بين الفكر والفعل: توالد وتزايد في النظريات والمصطلحات، وضمور في مجال التصرف؛ ولإن المجال ده أصبح نظري تمامًا ومنفصل عن التطبيق منقدرش نسميه مجال أخلاقي. ليه كل النظريات دي؟ المجهود واضح، لكن التضخم مش عامل مساعد، بس هو ظاهرة أو نمط بيمسّ مجالات كتير ويمكن يكون مخبي جواه جذور بعض الاحتياجات النفسية. يمكن سببه إن المفكرين بيحاولوا يوصلوا لشيء مستحيل: المعادلة السحرية اللي هتوصلنا للخير المطلق وهو مش موجود في عالمنا ده. أو يمكن يكون بسبب إننا بنعاني من هوس التأكد: محتاجين يكون في مسند أو مرجعية تشيل من على كتافنا عبء القرار، وده مش متاح. كل واحد هيفضل مسؤول عن قراره. لكن ده لا يعني بالضرورة إننا «هنخبَّط» وخلاص، لو دَورنا هنلاقي إن فيه مبادئ جذرية ممكن تساعدنا، زي السؤال عن «محرك الفعل» أو «دافع الاختيار». وهنقسم الدوافع كلها لنوعين: دوافع شخصية، ودوافع غير شخصية (يعني بيدفعها الصالح العام ومش بالضرورة بتعود عليا أنا شخصيًا بأي منفعة). بالتالي، أي حد بيقدم خدمة عامة أو عنده مسؤولية مجتمعية، التصرف الأخلاقي بالنسبة له هو اللي بيحقق دوره في المجتمع من غير ما يضع كشرط أي عائد شخصي. ده مش معناه إن الواحد عمره ما هيحاول يدور على مصلحته، لكن هل ينفع إن مصلحتي الشخصية تيجي دايمًا في المقام الأول؟ وإيه الحال لو مصلحتي الشخصية بتتعارض مع الصالح العام؟ مينفعش حد بيدور على منفعته الشخصية قبل أي حاجة يكون قاضي أو طبيب مثلًا، لإن كده مصلحته هتيجي قبل العدل، سواء العدل النفسي (صحة المجتمع) أو العدل الجسدي (صحة الإنسان)! ده كان جوهر الأخلاق كلاسيكيًا، ومرتبط جدًا بقدرة الشخص المسؤول ده إنه يكون «شايف» الصالح العام. ممكن حد يقول: «بس ده كده سايب هامش كبير للقرار الشخصي وده فيه مجازفة كبيرة». حقيقي، وللأسف فيه النهارده توجه في كل المجالات -والطب مش استثناء- وميل قوي لإزالة العنصر البشري من المعادلة. وده من ناحية شيء مش واقعي: لإن مفيش أي بروتوكول أو منهجية هتلغي وجود الإنسان وقراره الحر، ومن ناحية تانية: بيفترض إن الإنسان غير قادر على النزاهة، وإنه دايمًا هيبدي مصلحته الشخصية فوق الصالح العام. لو الافتراض السابق ده حقيقي إذن كده كده مفيش مفر، ومهما كان النظام مُحكَم، الانسان القابِل للفساد، هيلاقي فيه ثغرة يعرف يمَشِّي بيها مصلحته، مفيش أي «سيستم» اتعمل في التاريخ منيع أمام استغلال الثغرات. ومع الوقت بتترسخ في الأذهان فكرة «مفيش حد صالح…» اللي في وجهة نظري المتواضعة، فكرة هدّامة ومخزية، وبتنفي قدرة الإنسان -سواء كان طبيب مسؤول عن حياة ناس أو أي حد تاني عنده مسؤولية في مجتمعه- على تنمية الحس الأخلاقي أو البوصلة الأخلاقية جواه. الحس ده في حقيقة الأمر غالبًا بيكون أكثر صدقًا وأكثر قدرة على التمييز الأخلاقي من مليون نظرية أو سيستم أو بروتوكول. وكأطباء احنا عارفين ده كويس: مش محتاجين نتوه في مهاترات الفلسفة المعاصرة والنظريات المعقدة عشان نعرف نميّز. وبنكسر القواعد والبروتوكولات لو الواجب بيحتم علينا ده.. حتى لو ده جه على حسابنا الشخصي..  حتى لو وقف قدامنا ألف معارض. عشان بالنسبة لنا اللي هييجي في المقام الأول هو حياة الإنسان واللي لا يمكن تكون قضية قواعد باردة بنختبئ وراها لخدمة مصالحنا الشخصية. بالنسبالي أنا على الأقل.. هي دي الفلسفة الأخلاقية.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا