إن الحياة لمسرحية عجيبة؛ لم يقرأ نصها أي من ممثليها، يشعر كل من فيها بدايةً أن دوره بها هو دور رئيسي وأن وجوده فارقٌ في الأحداث، لكن مع استمرار العرض يرتضي الكثير بدور ثانوي متحولين شيئًا فشيئًا إلى مشاهدين يتفرجون على أحداثها، فاقدين كل الاهتمام في المشاركة في تلك المسرحية التي تبدو لهم سخيفة أحيانًا وتراجيدية إلى حد مؤلم أحيانًا أخرى.
يحاول كل من يعتلي خشبتها أن يفهم ما الذي أتى به إلى هنا وأن يعرف الدور الذي كُتب له، يبحث عن دوره في كل مكان وكل صنعة وكل أسلوب حياة وكل صُحبة، وقد يصل بحثَه حد النجوم وإلى الهالات المضيئة ذات الألوان لعله يفهم ذلك السر الذي هو الذات… ضآلة الإنسان.
على مسرح الحياة، هناك أشياء تبدو قد فُرضت علينا وقد لا يروقنا بعضها، نظن أننا في مكان خاطئ أو في زمان خاطئ فنضع أقنعةً لنعيش بها في هذا العالم الغريب علينا، أقنعة نرى العالم من خلالها ويرانا الناس فيها، تلك الأقنعة أو «البرسونا» هي ما نسميه شخصياتنا.
تجسد «البرسونا» قدرةً هائلة عند الإنسان على الاحتماء وراء التعبيرات والانفعالات والأفكار، قد تكون هي عبقرية التأقلم مع الحياة وقد تكون هي نفسها المدخل للزيف وفقدان الذات. «البرسونا» هي النافذة التي توصلنا بالآخرين، وهي أيضًا الدرع الذي يحمينا منهم.
في خضم كل ذلك قد تضيع «الذات»، فيجد المرء نفسه متسائلًا: «هل أنا ذلك أم ذاك؟» وقد يصل السؤال حد الشك في وجود «أنا»، فهل هناك «أنا» أصلية وأصيلة؟ هل هناك من هو وراء القناع أم أن هذا القناع المتغير دومًا هو أنا؟ هل نحن ممثلون نلعب أدوارًا بإرادةٍ منا أم أننا عرائس تلعب بها الأقدار؟ هل نسطر نص حياتنا أم يكشف هو عن نفسه لنا؟
قد تدفعنا كل تلك الأسئلة إلى الانسحاب من الحياة وألا نعيشها بجدية، فما الجدوى؟ فالحياة في آخر الأمر مجرد عرض فانٍ معروف النهاية. إنها كذلك لكنها ليست مجرد ذلك؛ اللوحة ليست مجرد طلاء والموسيقا ليست مجرد موجات صوت وهذه التمثيلية ليست مجرد كذبة. من يرى الأمور هكذا أخطأ وإن صدَق. إذا كانت الحياة مسرحية فهي تكون بذلك نافذة لما وراءها؛ هي فرصة للكائن الساكن بداخلنا أن يكشف عن نفسه فيُرى ويُسمع.
إذا رأى الإنسان الحياة مسرحية وهو ممثل فيها، سيكون قادرًا على خلع أردية شخصيته وألا يتماهى معها فينخدع ويظنها نفسه، سيبحث دومًا عن ذلك القناع الذهبي الذي يعكس ما بداخله. إن الشخصية وإن كانت قناعًا فهي في الوقت ذاته الجسر إلى مَن وراء القناع.
وإذا تذكر الإنسان أن الحياة مسرحية واحدة نتشاركها جميعًا مهما طالت وتشعبت، رأى ألا انفصال بين دوره وأدوار الآخرين فلا ينفرد بـ«عرض رجل واحد» بل يقوم بواجبه نحو الآخر، وهو يعلم في قرارة نفسه أنّنا لا نختلف كثيرًا عن بعضنا البعض خارج هذا المسرح.
في نهاية الأمر نجد من ضاقت به هذه الخشبة فينتظر أن يسدل الستار لتنتهي اللعبة، ونجد من ينغمس في دوره تمامًا وهو يعلم كل العلم أن دوره قد ينتهي في أي لحظة، مؤديًا دوره بكل ما أوتي لأن هذه المسرحية ليست أي مسرحية، إنها عمل إلهي بديع يسمح لكل من فيه أن يكون بطلًا بغض النظر عن حجم الدور أو بريقه، فيكون السؤال الأهم في حرم هذا المسرح هو: «هل تجرؤ على دور البطولة؟»
ما دمنا سنفنى، فلنكن أبطالًا ونُفني أنفسنا في لعب دور جيد حتى يسدل الستار، حينها قد نتبدد في العدم أو قد نعود للعالم الحق، الوجه الآخر للحياة، فننظر لتلك المسرحية ونبتسم لأننا عرفنا كيف نحيا.





0 تعليق