5 فبراير 2022

مفاتيح أسطورية لأبواب نفسية

الإنسان بطبعه بيحب القصص؛ آثار رسم الإنسان على جدران الكهوف بتعود لملايين السنين مش بس الآلاف، والأوراق وجدران المعابد وذاكرة الجدود، كلها شالت جواها قصص بعد قصص، ولحد يومنا ده بنلاقي إن مفيش حاجة بتستحوذ على خيال الإنسان أكتر من قصة حلوة، لكن على مدار التاريخ بنلاقي إن فيه ميل أكتر وأكتر إن القصص تكون بتوصف بدقة أكتر «العالم الواقعي» على عكس القصص «الخرافية» للإنسان البدائي. حتى احنا في مراحلنا العمرية المختلفة بنلاقي إن واحنا صغيرين معندناش أي مانع إننا نسمع قصص خيالية تمامًا، لكن كل ما بنكبر بنبقى عايزين قصص «واقعية» نقدر نصدقها أكتر، وبالتدريج بدأنا نبعد عن القصص الأسطورية.

في استخدامنا الدارج «الأسطورة» بيبقى معناها قصة غير معقولة وخرافية، بس ساعات من الناحية التانية بيبقى معناها إنها بتوصف واقعة خارجة عن المعتاد ووصلت لدرجة الخلود (مثلًا إن قصة المنسي أسطورة).
لكن لو نزلنا الشارع وسألنا حد من الشباب: «هل فيه أسطورة معينة أنت مرتبط بيها وبتلهمك؟» غالبًا رد الفعل هيبقى بالنفي، وده على الأرجح ﻷننا مش بنتعرض لمفهوم الأسطورة والميثولوجيا (الميثولوجيا هي مجموع الأساطير لثقافة ما) بصورة كافية وصحية. بس ده هيطرح سؤال: إيه هي الأساطير أصلًا وجاية منين؟ إيه القيمة اللي الإنسان ممكن يلاقيها فيها؟

قبل ما نقدر نجاوب على السؤال ده مهم نفهم إن عقلية الإنسان المعاصر بيحكمها قدر شديد من المادية والاحتياج إلى يقين علمي، وده بيدفعه إنه يدور على إن كل شيء يكون واقعي ومفسَّر ومعروف أصله وفصله وإننا نقدر نحكمه، ونتيجة لده حصل انقطاع مع إرث ثقافي عملاق ممثَّل في مجموع الأساطير والقصص التراثية القديمة، بعد ما حُكِم عليها إنها مجرد قصص خرافية سخيفة، وهلاوس الإنسان غير العقلاني اللي موصلش لمستوى استنارتنا

الميثولوجيا المصرية القديمة مثلًا دائمًا ما بيُقلَّل من شأنها باعتبارها قصص شاذة وغريبة بيتزاوج فيها الآلهة مع محارمهم، و ساعة الخلاف بيقطعوا أجساد بعض وبيمثلوا بالجثث. وصف زي ده كفيل إنه ينفر أي حد من الميثولوجيا ومن مصر القديمة، لكن تاني ده بيرجع إلى عقليتنا وطريقة استقرائنا للقصة، فالإنسان المعاصر بيقرأ الأسطورة كأحداث ووقائع تاريخية ليها ترتيب منطقي ومتسلسل، لكن في الواقع هي مش كده خالص.

كارل يونج (عالم النفس السويسري الشهير) كان بيشبه الأساطير بالأحلام؛ زي ما أحلام الإنسان بتخلق عالم خيالي وغير منطقي ومش شرط إنه يكون بيتبع قوانين عالم اليقظة، فالأشخاص والشخصيات مش شرط تكون ثابتة وقوانين الفيزياء مش دايما بتحترم وممكن كائنات غريبة تظهر، إلخ…. الأساطير ساعات كتير بتتبع نفس الأنماط، لكن الأهم من ده إن الأساطير -زي الأحلام- هي بيئة مشبَّعة بالرموز.

في حالة الأحلام، كتير من الأحداث أو حتى الشخصيات بيبقى ليها معنى خاص بالنسبة للشخص ومهياش مجرد تخاريف عشوائية، وده كان مجال اهتمام شديد بالنسبة ليونج، فهو كان شايف مبدئيًا إن الباحث في مجال علم النفس لازم يبقى مهتم بالأحلام كمدخل لفهم الشخص اللي قدامه، مش من منطلق الخرافة أو التنبؤ زي ما هو شائع، لكن ﻷن الأنماط و الرموز اللي في الحلم ما هي إلا انعكاسات لما في داخل الإنسان. مثلاً إن لو الواحد حلم بإنه أسنانه بتقع، فده مش معناه إن حد من أهله هيموت أو غيره من الأنماط الشائعة في الأحلام اللي الناس بتديها معنى تنبؤي ثابت، لكن طريقة يونج هي محاولة لفهم الرمزية اللي نفسية الشخص بتحاول تُسقطها على الحلم مع أخذ ظروف وإطار الشخص نفسه في الاعتبار.
سقوط الأسنان مثلًا بينم عن شعور لاواعي للشخص بفقدان القدرة على الاحتكاك ومجابهة الواقع زي الأسد اللي فقد أسنانه، من جانب آخر مثلًا إن الواحد يشوف ثعبان في الحلم مش شرط يكون فال وحش زي مالناس بتظن، لأن ده بيعتمد على شكل الثعبان، وشعور الشخص تجاهه، وهل كان دوره إنه بيقدم حل لمشكلة أم كان عائق مستتر داخل أحداث الحلم، إلخ…. المهم إذًا بالنسبة للحلم هو مش قراءته السطحية ولكن قراءة اللي ماوراء الأحداث والشخصيات، أي القراءة الرمزية مع الأخذ في الاعتبار ظروف الشخص نفسه.

لكن مع الوقت وخلال دراسته للأحلام والأساطير القديمة في نفس الوقت، لاحظ يونج حاجة مهمة: تكرار قصص بعينها وأنماط ورموز ما بين أساطير ثقافات مختلفة، ثقافات جغرافيًا وتاريخيًا مالهمش علاقة ببعض، بل واستمرار ظهور الأنماط والرموز دي في أحلام الإنسان المعاصر مع اختلاف ثقافته ونشأته، وللتأكد كمان يونج سافر لقبائل أفريقية بعيدة عن الثقافة الغربية لدراسة أساطيرهم وأحلامهم، ولاحظ تكرار نفس الأنماط في الأساطير وفي الأحلام.

مثلًا قصة الطوفان ونهاية عالم ما ونجاة البعض من الناس لبداية عالم جديد هي قصة متكررة، مش بس في الديانات الإبراهيمية ولكن تقريبًا عند معظم شعوب العالم، بغض النظر عن احتكاكهم أو تزامنهم مع هذه الديانات. نمط البطل المخلّص اللي بيصارع وحش غريب -سواء تنين عملاق أو ثعبان عملاق أو غيرهما- لتخليص شعبه، أو حبيبته، أو لاكتشاف كنز ما، هو أيضًا نمط مكرر.

ده هيطرح علينا سؤال مهم: هل الإنسان بيتولد نفسيًا (صفحة بيضاء – Tabula Rasa)؛ خالي من أي أفكار أو أنماط مسبقة وبيتم تشكيله نفسيًا بالكامل عن طريق محيطه وتنشئته والظروف؟ ولا بيتولد بإرث، بهيكل نفسي مسبق ومشترك على مر العصور وبغض النظر عن اختلاف الشعوب والثقافات الديانات؟ هل فيه مصدر مشترك فيما وراء كل إنسان، بنستمد منه هذه الأنماط والرموز؟ أو بمعنى آخر هل فيه روح مشتركة لكل البني آدمين بتعبر عن نفسها في صورة قصص أسطورية ورمزية؟

يونج بيسمي العالم ده (اللاوعي الجمعي – collective unconscious)، اللي بيشير إلى إن البشر مش منفصلين نفسيًا زي ما احنا متخيلين، لكنهم بيتشاركوا في وجود وكيان واحد بطريقة ما حتى لو مش بشكل واعي. مش بس كده لكن العالم ده بتسكنه (النماذج العليا – Archetypes)، وهي الأفكار النموذجية والأصلية لكل الأشكال المختلفة في عالمنا، فمثلًا فيه النموذج الأعلى للبطل، للأب، للأم، للمعلم.

الأساطير هي القصص الرمزية اللي بتحكي تفاعل النماذج دي وعلاقة الإنسان بيها، فإذن قصة البطل اللي بيواجه التنين مش بتحكي واقعة تاريخية بيواجه فيها شخص ما كائن كان متواجد فعليًا، لكنها بتحكي قصة صراع بيدور جوا الإنسان لمواجهة أكتر شيء مرعب ممكن يتخيله، لإنقاذ القيمة اللي كان حاجبها الوحش، ودي الأفكار اللي طورها الكاتب جوزيف كامبيل بعد يونج.

إذن الأسطورة مش بتحكي أحداث من التاريخ، ولكن وقائع نفسية بتساعد الإنسان إنه يفهم نفسه ويفهم محيطه، وبتلهمه إنه يلاقي معنى للحياة وإنه يتصالح مع جوانبها المختلفة زي الصراع والموت والفقد، ويحتك بقيم زي الشجاعة والشرف والصداقة والحب. أساطير الأبطال الإغريق القديمة وميثولوجيا مصر القديمة مش واقعية فعلًا من منطلق تاريخي، لكنها واقعية جدًا من منطلق نفسي وإنساني، ويمكن عشان كده مازلنا بنتكلم عنها حتى يومنا هذا، مع إن جه من بعدها ملايين القصص على مدار آلاف السنين، لكنها بتفضل معانا إنها رمز، وبتحمل في طياتها قصة أعمق، ودي اللي الإنسان طبيعي إنه يتصل بها ويستلهم منها.

دا بينطبق برضو على أساطير العصر الحديث، زي (سيد الخواتم – Lord of the Rings) أو (حرب النجوم – Star Wars) أو حتى (هاري بوتر – Harry Potter)، اللي هم نفسهم مستوحيين من أساطير قديمة، ويمكن يكون مدى نجاحهم وتأثيرهم في الناس مرتبط بكونهم بيعكسوا «النماذج العليا». قصة «فرودو» أو «هاري» أو «لوك» هي قصة كل واحد بيُقدِم على إنه يواجه قوى الفوضى والظلام حواليه وبداخله، وهي مصدر إلهام وطريق للتواصل مع قيم أسمى ومختلفة عن اللي بتقدمه حياتنا اليومية، اللي فقدت الاحتكاك بالأسطوري والرمزي وبقت مليئة بـ«الواقعية». يمكن مش صدفة إن الشعور بفقدان المعنى وفكرة إن الإنسان كائن عشوائي وملهوش قيمة بدأوا يظهروا أكتر وأكتر، قد يكون ده له علاقة بتجاهلنا لمصدر مهم للإلهام والتجدد زي الميثولوجيا.
ليه ميكنش حياتنا محتاجة أقل من «اللي حاصل» وأكتر من «اللي ممكن يحصل»؟ يمكن حياتنا فعلًا محتاجة واقعية أقل شوية و أسطورة أكتر؛ احنا بندين بدا لأنفسنا ولإنسانيتنا اللي حافظت على إرث مهول من المفاتيح لآلاف السنين، علينا إننا نستخدمهم.

1 تعليق

  1. توفيق مكرم

    مقالة ثرية فكريا و انسانيا و نتمني المزيد من الموضوعات الشيقة حول حياة الانسان وصراعاته
    وحول الاساطير ايضا

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا