5 فبراير 2022

الألف وجه للإحساس بالذنب

  • «دونيا العزيزة

إن كنتُ مذنبًا فاغفري لي

-رغم أن الغفران مستحيل إذا كنت مذنبًا-

وداعاً!

كفانا جدلًا

لقد آن الأوان، لقد تأخرت

لا تتبعيني.. أرجوك

هناك زيارةٌ أخرى يجب أن أقوم بها…».

 

دوستويفسكي

 الجريمة والعقاب

نيران الإحساس بالذنب المتوحشة والضخمة هي «موتيف» مشهور جدًا في الدراما الإنسانية الطويلة والعريضة. في رواية «دوستويفسكي» الجريمة والعقاب، بطل القصة «روديون» بينتهي بيه الأمر فريسة للإحساس بالذنب. روائيين كتير تانيين كتبوا عن الإحساس بالذنب، وأفلام ومسلسلات كتير أظهرت تعقيداته، بس المعالجة غالبًا بتكون سطحية ونادرًا ما بترتقي لعبقرية «دوستويفسكي».

على كل حال، وبحكم كون ده مقال فلسفي، هنحط كل المحاولات الإعلامية والأدبية والثقافية والفنية دي على جنب ونركز على اللي فعلًا بيعنيه الإحساس بالذنب، ونشوف إيه موقفه من اهتمامات فلسفية أخرى. مرة تانية هنرفع المراية قصاد وشنا ونتفرج -بلا شغف أو ميل- على إحساسنا بالذنب، ونحاول نفهم طبيعته.

المهمة مش سهلة، وساعات كتير بتتضمن جروح نفسية عميقة، وهنا أنا مش بتكلم عن مجرد نظريات في علم النفس أو علم الاجتماع، أنا بتكلم عن مواقف حقيقية، ناس حقيقيين وحيوات حقيقية، عالمنا في حركته الظاهرية على الخط الوهمي اللي بنسميه «الزمن» بيجرجر معاه آلامنا، كل الأمور اللي ندمنا عليها، وكمية كبيرة من ضغط سابق وحالي.

الفلسفة في السياق الصعب ده عادةً بتُعتبر عبء إضافي، نشاط بيتحِكِم عليه واحدة واحدة إنه مش من الضروريات في أوقات الأزمة المستمرة، كوني فيلسوف عملي، وعضو نشط في مدرسة فلسفة اللي هي «بيت الحياة» فأنا أكيد مش بشارك -ولا عمري شاركت- في الرؤية دي على الإطلاق، لكن ده مش معناه إني أتجاهل وضع كتير من الناس، ولا الواقع اللي بنعيشه، أنا بس أتمنى إن الناس تقدر في يوم تشوف الفلسفة زي ما هي فعلًا: نشاط أساسي بين أنشطة تانية بتحل محل الجروح الإنسانية وبتمكننا إننا نفهمها.

الإحساس بالذنب والأخلاق

السؤال الأول: هل الإحساس بالذنب بينتمي لعالم الأخلاق؟ ممكن، بس بحكم العادة، زي ما فيه حاجات كتير بتعَلّق مع بعضها عشان «هي دي طبيعة الأمور»، بس بعيدًا عن جمود «الحقائق المقبولة بشكل عام» هل ربط الإحساس بالذنب مع الأخلاق فعلًا من الحس المشترك؟ بالنسبة للرواقيين مثلًا فالموضوع مش بالبساطة دي خالص، الحقيقة إنهم بيعتبروا الاتنين منفصلين عن بعض، لأن الأخلاق مرتبطة بسلوكنا المباشر، اللي هو في إيدينا، في حين إن الإحساس بالذنب -على النقيض- خارج تحكُمنا. بمعنى تاني: الواحد ممكن يقرر إنه يتصرف، بس ميقدرش يقرر إنه يحس بالذنب. وده بالتالي بيفتح المجال لحد إنه يتصرف بشكل أخلاقي من غير أي احتياج مسبق للإحساس بالذنب.

لما بدَرِّس وجهة النظر الرواقية دي، كتير بتقابلني احتجاجات من بعض طلابي اللي بيردوا عليا إنه «من غير الإحساس بالذنب الأخلاق هتبطل تكون». فيه كذا مشكلة في رد الفعل الذهني التلقائي ده: أولًا، فيه حيود عن المعنى، لإن محدش قال إننا لازم نكبت الإحساس بالذنب؛ كل اللي تم اقتراحه لحد دلوقتي هو إننا ببساطة نفكر في علاقته بالأخلاق. يبدو إن بالنسبة لناس كتير، مجرد وضع الإحساس بالذنب تحت ميكروسكوب التفكير النقدي شيء في حد ذاته مزعج، وده احتمال يكون بسبب إنهم بيركِّبوا الإحساس بالذنب والأخلاق على بعض بشكل اعتباطي، وبما إن الأخلاق ليها مكانة كبيرة عندهم، مش بيقدروا يتقبلوا إنها تزَوَّغ وتبعد عن الإحساس بالذنب.

وعلشان كده، أول حاجة أحب إننا نجربها هي نوع من الألعاب الذهنية، إننا نتخيل للحظة إننا نقدر نميز بوضوح بين الإحساس بالذنب وبين الأخلاق، وبعد ما نخلص «الجولة الفكرية» دي نكون عارفين إن الواحد ممكن دايمًا يرجع لشبكة «الأمان» بإنه يشوفهم «متداخلين»، لو مقتنع فعلاً إن هو ده الصح.

الإحساس بالذنب والدائرية

أكتر سمة عجيبة للإحساس بالذنب هي قدرته على خلق الدائرية والحفاظ عليها. ده مش بس معناه إنه بيسبب دائرية في الأفكار، لأ ده كمان ظاهرة بتحافظ على استمراريتها بنفسها، لأن الإحساس بالذنب بيكون سبب وجود نفسه، زي ما هنشوف في الحوار ده:

– أنت ليه حاسس بالذنب؟

– علشان غلطت ومش عارف لو هقدر أصلّح غلطي

– إيه لازمة إنك تحس بالذنب لو مقدرتش تصلح غلطتك؟

– إني أفضل فاكر عشان مكررهاش تاني.

– طب وإيه لازمة الإحساس بالذنب لو تقدر تصلحها؟

– بيفكرني إني لسه لازم أصلح غلطتي.

– وهل الطريقة الوحيدة إنك تصلّح أخطاءك أو إنك متكررهاش هي إنك تحس بالذنب؟

– لأ.. فيه طرق تانية أفتكر بيها.

– أمَّال ليه الإحساس بالذنب بالذات هو الطريقة اللي بتنفع معاك أكتر في إنك تفتكر؟

– عشان هو تذكِرة قوية.

– يعني هي مسألة اختيار بين كذا نوع تذكرة بمستويات قوة مختلفة؟ هل أنت اخترت إنك تفتكر من خلال الإحساس بالذنب؟

– لأ.. أنا مش فاكر إني اخترت كده.

– إذاً هو بشكلٍ ما فرض نفسه عليك؟

– أيوه.

– إذن إيه لازمة الإحساس بالذنب مادمت مخترتش الإحساس ده؟

– مش عارف، متهيألي إني بس بلاقي نفسي بحس بكده.

في الحوار ده -اللي هو نسخة مختصرة من تبادل حصل فعلًا- الدائرية واضحة: الإحساس بالذنب نقطة البداية وفي نفس الوقت النتيجة النهائية؛ بيكتسب حياة خاصة بيه، زيه زي الكائن الحي، وفي أحسن الأحوال بيختفي بالتدريج.

الدائرية مش بتقف هنا: فيه كمان حلقة مفرغة من الإحساس بالذنب في صورة تراجع لانهائي عشان مفيش حاجة ممكن تتقال للي حاسس بالذنب من غير ما تخاطر بإنك تزود إحساسه بالذنب؛ لأنه مش بس حاسس بالذنب، لأ ده كمان عنده استعداد غريب إنه يحس بالذنب بسبب إحساسه بالذنب. ده بيورينا نمط آخر: «أبو ذنب» شخصية نموذجية مش قادرة تتفادى حالتها الخاصة دي، تمام زي حدوتة العقرب اللي ركب على ظهر الأسد عشان يعدي النهر بس مقدرش يمسك نفسه وقَرَصُه فتسبب في موتهم هم الاتنين: العقرب مش قادر يهرب من طبيعته (المذنبة) حتى لو ده فيه هلاكه.

المراقبة والمعاقبة

ده بيجيبنا للعنصر الأساسي التاني للإحساس بالذنب: عقاب الذات. الغرض الرئيسي من عمل «ميشال فوكو» الرائد «المراقبة والمعاقبة» كان وصف نشأة السجون الحديثة ومدى الأذى اللي بتسببه، لكن المفاهيم اللي اشتغل عليها في الكتاب ده هتنفعنا في دراستنا للإحساس بالذنب؛ وبالتالي هنتكلم عن مراقبة الذات وعقاب الذات: ألم الإحساس بالذنب مش دايمًا بيكون سببه أشخاص خارجيين هم اللي بيحسسوا الواحد بالذنب، لكن في معظم الوقت إحنا اللي بنحسس نفسنا بيه وبنجبر نفسنا عليه.

الشخص اللي بيحس بالذنب هو بشكلٍ ما «المازوخي المثالي»، مش بس عشان المعاناة اللي بيسببها الإحساس بالذنب بتملا فراغ، إنما كمان لإنه مبَرَّر بحتمية أخلاقية: الألم مُرحَّب بيه كوسيلة لتسديد دين أخلاقي، علشان الشخص يعوض خطأ أخلاقي هو شايف -لسبب أو بدون سبب وجيه- إنه ارتكبه. لكن هنا بقى المشكلة: بما إن الإحساس بالذنب عمره ما هيقدر يردّ الدين، عمر ما حاجة هتكفي، ولا فيه أي قدر من المعاناة هيَفي بغرض التعويض، الخطأ هيفضل دايمًا موجود. الخطأ تجاوز الزمن خلاص، وبقى ملهوش بداية ولا نهاية (وهنا هنلاحظ تاني نمط الدائرية اللي كنا بنتكلم عنه من شوية).

ييجي بقى دور «مراقبة الذات»: فيه حكم مستمر وغير قابل للزعزعة أو الاستئناف بـ«بنفاذ» الإحساس بالذنب. اللي حاسس بالذنب بيكون الجاني، والمُدَّعِي، والسجَّان والجلّاد في نفس الوقت، بس مفيش أي «قاضي داخلي» حقيقي، أو لو موجود فهو قاضي فاشل، منتهى الاستقلال الأخلاقي هو إن الواحد يكون قاضي نفسه، لكن على العكس كل شيء في حياة اللي على طول بيحس بالذنب بتبيّن درجة عالية جدًا من الاعتمادية: اعتماد على البيئة الاجتماعية، على آراء الناس التانية، على الظروف، على الأسرة، وغيرهم، وبالتالي هو غالبًا بيفقد حس الإنصاف تجاه نفسه، ومبيقدرش يوفر لنفسه لا محاكمة عادلة ولا حكم عادل. المصدر الفعلي لحكمه الأخلاقي على نفسه إما بيكون من الناس يا إما روح شبحية وطغيانية جواه، بتفوق إدراكه.

علشان كده كتير من الناس اللي بيحسوا بالذنب بيحسوا انهم نوعًا ما «ملعونين» وعلشان كده برضو، وبما إن أطراف النقيض بتجذب بعضها، عدم قدرة الشخص على التعامل مع «اللعنة» دي بتخليه في الآخر يتحول ١٨٠ درجة من «المازوخي المثالي» اللي دايمًا بيلوم نفسه إلى «المُتَعي المثالي» اللي عمره ما بيلوم نفسه -وساعات بيلوم غيره على فشله-. في الحالتين دور الضمير شبه معدوم، بس هنرجع للنقطة دي كمان شوية.

انهيار النظام القضائي الداخلي

أولًا لازم نفتكر إن «كون الشخص مذنب» و«الإحساس بالذنب» مش بالضرورة بيلتقوا. الإحساس بالذنب مش بيدي للذنب أكتر من قشرة خارجية من الحقيقة ومش معناه إن الشخص فعلًا مذنب. الناس اللي على طول حاسة بالذنب عادةً بيبان إن عندهم خلط عميق بين عالم العقل وعالم العواطف، أو علشان نكون أدق، عندهم صعوبة قوية إنهم يميزوا بين الذنب كحقيقة خاضعة للعقل، ممكن نستوعبه، ونحلله، ونستنتجه، ونتعامل معاه، وبين الإحساس بالذنب كمجرد شعور شخصي وذاتي.

ده السبب الجذري لانهيار «النظام القضائي الداخلي» اللي عواقبة بتكون وخيمة، عشان مفيش إمكانية للناس اللي بيحصل عندهم كده إنهم يوصلوا لحكم واضح ومنصف على نفسهم ومن نفسهم؛ «محكمتهم الداخلية» مبقتش قايمة خلاص على روح العدل، بقت محبوسة في «ثغرة قانونية»: يا إما «القوانين الأخلاقية» اللي بنحكم بيها على نفسنا مش واضحة وملهاش داعي، أو «القاضي الداخلي» نفسه مختلط عليه ما هو قانوني وما هو خارج عن القانون، في الحالتين: الشخص اللي حاسس بالذنب مش مستوعب الفرق بين المشروع والمحظور، وبيُدين نفسه بطرق غالبًا ما بتكون غير عقلانية تمامًا وغير منصفة.

أكتر ظاهرة بارزة في انعدام القدرة على الوصول لـ«حكم ذاتي» عادل هي طول مدة العقوبة. المعروف إن العقوبة بتتماشى في المدة والطبيعة مع الخطأ اللي الشخص ارتكبه، لكن ده نادرًا ما بيحصل هنا: العقوبة كتير بتكون قاسية جدًا، والأخطر إنها ملهاش مدة محددة. لما الشخص اللي حاسس بالذنب بيحكم على نفسه، مش بيفكر مثلًا في «الظروف المخففة للعقاب»: فالسياق بيفقد أهميته، مش بيتاخد في عين الاعتبار، وفي النهاية العقوبة بتبقى أشبه بالإدانة الأبدية.

احترام الذات والترّبية

كل ده بالإضافة لدائرية الإحساس بالذنب مش معناهم إنه مش بينتهي. بدرجات متفاوتة، بنوصل لنقطة بيغطي فيها الألم على كل شيء، ولا مفر خلاص من إن الواحد يلاقي مخرج. حلقة الإحساس بالذنب اللانهائية -في صورتها الأكثر شيوعًا- بتؤدي لمشاكل خطيرة في تقديرنا لنفسنا واحترامنا لذاتنا: لوم النفس المستمر من غير أي مرجعية منطقية أو عقلانية بيخلي الشخص يفضل يقلل ويقلل من قيمته الذاتية، لحد ما الوضع يبقى غير محتَمَل وغير مستدام. نفسيته بتكون زي حتة الصلصال المضغوط عليها بقوة جبارة، بتتهرس تمامًا وتنسحق وتبدأ تنزّ من أي شرخ تلاقيه.

احتمال تكون مشكلة احترام الذات هي السبب ورا إننا بنلاقي عند الناس اللي باستمرار حاسة بالذنب هوس بشكلها، واحتياج غير طبيعي لجذب انتباه الآخرين والحصول على موافقتهم. وعشان هم نفسهم مش قادرين يدوا نفسهم القيمة اللي يستحقوها، بيدوروا على التقدير الإيجابي ده من مصادر خارجية، تقريبا بدون أي معيار تاني غير مجرد الموافقة، عاملين زي الملكة في قصة «سنووايت» بأسئلتهم، اللي مش منتظرين عليها رد، من نوعية: «يا مرايتي يا مرايتي، مين أحلى واحدة في مملكتي؟». النهارده ده بيظهر عن طريق «شبكات التواصل الاجتماعي» واللي بيكون تواجدهم عليها قوي جدًا بالرغم من ذكائهم، وبغض النظر عن سطحية وتفاهة المحتوى اللي بيشاركوه. زي ما وضحنا قبل كده «المازوخي المثالي» عادةً بينتهي بيه الأمر إنه يكون «مُتعي مثالي» اللي سلوكه الإرضائي للجماهير هو المخدر اللي بيتعاطاه كل يوم، اللي بينيّم ضميره تحت ادعاء التحرر. وبالتالي، اللي ممكن يبدو إنه محاولة للتحرر من قيود الإحساس بالذنب وتأكيد على تفرد الشخص، ما هو في الحقيقة إلا هروب مستمر من الواقع.

الحقيقة إن ده نمط قديم بنلاقيه في كتير من الميول الشبه فلسفية من الغنوصيين القدامى لحد بعض الوجوديين المعاصرين، اللي كلهم موقفهم من الإحساس بالذنب مبهم: العالم مؤلم جدًا لدرجة إنهم بيرفضوا إمكانية إنه يكون بيحمل أي معنى، وبيوصلوا لدرجة كره الحياة نفسها. على النقيض، أي إيمان بإن الحياة ليها معنى أو إنها شيء يستحق الإعزاز بيكون مشكوك فيه بدرجة كبيرة، يقوم ده يشحن الإحساس بالذنب، اللي يرجع يشحن الألم، اللي بيشحن الرغبة في ترك العالم ده… إلخ. ساعتها كل أنواع الهروب بتبقى اختيارات مطروحة، من أول الانتحار في الحالات الأكثر تطرفًا لحد المنفى، والهجرة والـ«خلوات» لو الشخص قادر يتحمل تكلفتها؛ لكن برضو فيه أشكال أخرى من الهروب متقَنة أكتر، زي النسيان والتبرير، والمشترك بينهم كلهم إنهم بيتطلبوا القليل جدًا من الضمير ورغبة قوية في إيجاد الخلاص الشخصي بأي تمن. في الحقيقة، البحث المستميت ده عن احترام الذات، والهوس بالهروب من واقع الحياة الصعب، عادةً بيلازمهم أنانية متزايدة، وإحساس متناقص بالتعاطف مع الآخر. نقدر نقول عليها سياسة «أول واحد يهرب أول واحد ينجو» اللي فيها بيتم التخلص من فضائل أساسية زي التعاون المشترك، والكرامة، والكلمة المُلزِمَة، وبتترمي على جنب.

 الإحساس بالذنب والضمير

هنا النقطة المحورية اللي بتجمع كل ده: الإحساس بالذنب مش هو هو إن الواحد يكون عنده ضمير. الشخص ممكن يبقى ضميره صاحي وشغال من غير ما يحس بالذنب، زي بالظبط ما الواحد ممكن يحس بالذنب من غير ما يكون عنده ضمير أصلًا، ده بيوضح ليه الرواقيين كانوا بيقدروا الضمير لكن عمرهم ما اعتبروا الإحساس بالذنب أمر أخلاقي: الضمير بالنسبالهم كان نقطة البداية الفعلية للموقف الأخلاقي السليم، لأنه، على عكس الإحساس بالذنب، بيدعو الشخص إنه يتصرف باتساق مع اللي كانوا بيسموه «اللوغوس» أو بمعنى آخر، المبدأ العقلاني اللي بيحكم الكون. من المنطلق ده، هو يشبه جداً مفهوم «معات» اللي هي العدل الكوني في مصر القديمة، أو «دارما» زي ما بيتم تدريسها في مدارس الفلسفة الشرقية، وهو فعلًا صدى «القانون الداخلي» في المثال القضائي اللي استخدمناه في البداية، أو «البوصلة الداخلية» لو عايزين نستخدم صورة أبسط.

جذور الضمير مغروسة في اللحظة وبيمد فروعه ناحية المستقبل، وسايبك تقرر لنفسك. في حين إن الإحساس بالذنب محبوس جوه تكرار الماضي بشكل مهووس وقهري ومروّع. الضمير هادف، ومهتم ومسؤول، إنما الإحساس بالذنب قصير النظر، وسلبي وغير ناضج، الضمير في حد ذاته بسيط، ورزين، بس الإحساس بالذنب دايمًا مخادع ومعذِّب. الضمير بيفكرك علشان يرجعك دوغري على الطريق، لكن الإحساس بالذنب، بحجة إنه بيفكرك، بيمسمر رجليك مكان ما أنت واقف.. الضمير مش محتاج إحساس بالذنب وحدوده أبعد من الأخطاء اللحظية، لأنه باستمرار بيتخطاها.. مركّز نظره على ما يقع فيما وراء الأفعال والمشاعر.. الأفق السرمدي للأخلاق اللازمنية والعدل الأخلاقي.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا