احتياج إنساني أصيل
«هناك مشكلة فلسفية هامة وحيدة، هي الانتحار. فالحكم بأن الحياة تستحق أن تُعاش، يسمو إلى منزلة الإجابة على السؤال الأساسي في الفلسفة». ألبير كامو
لا يغيب عن أحد اليوم كيف أن البشر في العصر الحاضر يغلب عليهم شعور عارم بانعدام المعنى من الحياة، وهو ليس بشعور حديث على الإنسان، ولكنه تضخم عند الإنسان المعاصر حتى أضحى أكثر الاحتياجات إلحاحًا لعوامل سوف نذكرها لاحقًا. يظهر لنا هذا الشعور في التزايد المستمر لحالات الانتحار التي نشهدها يوميًا، وليس الانتحار هو العلامة المميزة الوحيدة، فعدد الأشخاص ذوي الميول الانتحارية يبلغ أضعاف عدد المنتحرين الفعليين، ويظهر أيضًا بوضوح عند هؤلاء الذين يقولون بشكل مباشر أنه ما من شيء جدير بالسعي أو الاستمرار.
وما يجعلني أظن أن هذا الميل إلى الانتحار مرتبط في أغلب الحالات بغياب المعنى عن حياة الفرد وليس فقط بسبب تعثرهم أمام صعوبات الحياة أو مواجهتهم ظروفًا قاسية أدت بهم إلى هكذا حال، أننا نرى كثيرًا من هؤلاء الأشخاص ينعم بحياة مزدهرة، أو على الأقل مقبولة في كثيرٍ من جوانبها، في حين أن هناك الكثيرين ممن يعانون من الفقر المدقع أو أمراض الإعاقة ولم يفكروا يومًا في الانتحار؛ ولنفكر أيضًا في أتباع الفلسفات الزاهدة، كالبوذية مثلًا، أو التصوف بمختلف صوره، فهؤلاء يُغرِقون أنفسهم في أحلك الظروف باختيارهم، ومع ذلك تجدهم أكثر سعادةً وانسجامًا مع الحياة من أي شخص آخر، ويعود ذلك إلى اعتقادهم بأن معاناتهم لها مغزى مقدس هو الخلاص أو «النيرفانا» أو الاتحاد مع المطلق.
هنا تحضرني عبارات نيتشه حينما قال أن بوسع المرء تحمل أي ظروف مهما بلغت من الصعوبة مادام يملك هدفًا في حياته يسعى إليه، والعكس أيضًا صحيح، فالإنسان لا يمكنه تحمل حياته مهما بلغت من ازدهار إذا لم يملك شيئًا يسعى لتحقيقه، وهي العبارات التي كثيرًا ما يكررها العالم والطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل والتي أسس عليها مدرسته النفسية المعروفة بإسم «مدرسة العلاج بالمعنى».
وقد أُجري استطلاع للرأي العام منذ عدة سنوات في فرنسا، وأظهرت النتائج أن ٨٩٪ من الأشخاص المستفتين قد أقرّوا بأن الإنسان يحتاج شيئًا ما كي يعيش من أجله، وقد كرر فيكتور فرانكل هذا الاستفتاء بعيادته بفيينا على المرضى وكذلك على العاملين بالعيادة، وتوصل إلى نفس النتائج على وجه التقريب، حيث كان الفارق ٢٪ فقط.
وبعيدًا عن أي استقراء للواقع، فمن الممكن تصوّر وتفهّم هذه المشكلة بمجرد التأمل فيها برهة، فإننا نجد أنه من المنطقي ألّا يقوم المرء بفعل شيء ما إلا إذا امتلك دافعًا ليحرِّكه تجاه هذا الشيء، وعلينا أن نفهم إذًا في هذا السياق أن السؤال عما قد يدفع المرء للانتحار هو سؤال غير صائب، بل بالأحرى يجب أن يكون السؤال عما قد يدفع المرء للاستمرار، وعندما لا يملك المرء إجابةً، أي عندما لا يمتلك دافعًا لهذا السلوك، سيكون من المنطقي أن يفكر في التوقف عنه، أي الانتحار، خاصةً عندما تكون الحياة مليئة بالمعاناة، وهو أمر لا يختلف عليه اثنان، فمن المنطقي إذًا أن يفكر المرء في الانتحار، بل إن الأمر المثير للتساؤل حقًا هو لم قد لا يفكر المرء في الانتحار؟
وهو سؤال جوهري ضروري لأي إنسان، فعلينا جميعًا أن نطرح هذا التساؤل على أنفسنا، لما لا نفكر في الانتحار؟ إذ أن إجابتنا على هذا السؤال تشكل أهم ما نملكه على الإطلاق: المعنى من محيانا، وقد يعترض البعض قائلين إنهم لا يملكون إجابة لهذا السؤال، ومع ذلك فهم لم يفكروا يومًا في الانتحار، وأرد هنا بأن هؤلاء لا محالة يملكون إجابة وإن كانوا غير واعيين بها، سواء كان ذلك لأنها تشكّلت لديهم بشكل غير واعٍ أثناء نموهم واحتكاكهم بالمجتمع ومن ثم لم يراجعوها على الإطلاق، أو لأي سبب آخر كان، وأهمية هذا السؤال لهؤلاء إذًا هي إدراكهم الهدف الذي يسعون إليه بلا وعي، ومن ثم يكون بإمكانهم تقييم هذا الهدف. وأود بذلك أن أشير بتركيز على كون التساؤل عن معنى الحياة أمرًا إنسانيًّا طبيعيًّا منطقيًّا، فهي مرحلة متوقع مرور الإنسان بها في وقت من الأوقات، وعلينا التعامل معها على هذا الأساس.
«وإني لأنكر بقوة أن بحث الإنسان عن معنى لوجوده أو حتى تشككه في هذا المعنى إنما يشتق في أي حالة من أي مرض، فالإحباط الوجودي ليس في حد ذاته ظاهرة مرضية ولا هو عرض ذو أصل مرضي». فيكتور فرانكل
«والواقع أن أغلب المرضى الذين يستشيرون الطبيب النفسي يواجهونه بمشكلات إنسانية أكثر مما يواجهونه بأعراض عصابية». فيكتور فرانكل
ربما تكون الخطوة الأولى في محاولتنا لإيجاد حل لهذه المسألة بأن نلاحظ أولًا أنها لا تتعلق بالحياة ذات الظروف المثالية، سواء كنا نتحدث عن وضع اجتماعي أو اقتصادي أو حتى إنجازات شخصية، فكما ذكرنا، هناك الكثير من الحالات التي تمتلك هذه الظروف بالفعل ولا زالت تعاني من نفس المشكلة الجوهرية، فالواقع يخبرنا أنه حالما يصل المرء إلى الظروف التي يطمح إليها، والتي يظن أنه بها سيصل أخيرًا إلى الاكتفاء الدائم، فإنه لا يلبث أن يملّ فيطمح إلى وضع أفضل، وهكذا إلى أن يلتفت أخيرًا إلى أن هذه الطموحات تعجز عن ملء فراغه، ويقع فيما يسمى «بالأزمة الوجودية»، وهي الحالة التي يتعرّض فيها الشخص للصدمة أمام افتقار حياته لأي معنى قد يملأ هذا الفراغ.
«أتمنى أن يصبح جميع الناس أغنياء ومشاهير ويحصلوا على كل ما يتمنوه، حتى يتأكدوا بعدها أن هذا ليس هو الحل، وكل هذا لا علاقة له بالسعادة الحقيقية». جيم كاري
نستنتج إذًا أنه مادامت مسألة غياب المعنى غير مرهونة بالظروف الخارجية، فهي بالأحرى مرتبطة بنا نحن كأفراد؛ بنظرتنا لهذه الظروف، فالسبيل الوحيد لاختبار أي معنى للحياة ليس في محاولة التغيير من الظروف الخارجية، وإنما من خلال تغيير نظرتنا نحن لهذه الظروف، ولا شك أن نظرة الإنسان اليوم للحياة -والمبنية على الاتجاهات الفكرية الحديثة- هي العامل الأكبر في معاناته من هذه المشكلة على نحو خاص أكثر من أي عصر سابق.
يكمن أحد عناصر هذه النظرة الحديثة، فيما ذكره فرانكل في كتابه الشهير «الإنسان يبحث عن معنى» باعتباره واحدًا من أسباب احتدام هذه المشكلة لدى الإنسان اليوم، وهو إنكار الناس أصلًا لهذا الاحتياج الأصيل الضروري لمعنى من الحياة، حيث تختزل الاتجاهات الحديثة الإنسان في البعد الغرائزي (الحيواني) ويصبح كل الغرض من وجود الإنسان لا شيء أكثر من وجوده، أي لا شيء إضافي.
ولكن من الواضح والجلي كما تحدثنا حتى الآن أن الإنسان لا يقدر على مجرد الاستمرار بلا غاية، فبالرغم من أنه لا يمكننا إنكار امتلاك الإنسان لهذا البعد الغرائزي، إلا أنه بالإضافة إلى ذلك يمتلك عنصرًا خاصًا به كإنسان يميّزه عن باقي الكائنات، وهو العنصر العقلي الذي لا يكتفي دائمًا بمجرد الفعل المدفوع بالغرائز، وإنما يسعى إلى منطَقة هذه الأفعال، فإذا كانت غريزة البقاء تدفعنا للاستمرار فإن العقل يتدخل بشكل مزعج متسائلًا: «لم الاستمرار؟»، فهو يطلب إذًا سببًا وجيهًا لهذا الفعل.
وقد يعترض البعض بالقول بأنه حتى البحث عن الأسباب الوجيهة أثناء تفاعلنا مع العالم لا يعدو كونه مجرد آلية تطورية تساعدنا على البقاء بشكل أفضل، ومن غير الضروري مناقشة هذا الاعتراض الآن، فكل ما أرمي إليه من هذه النقطة هو أن البحث عن أسباب وجيهة لأفعالنا هي خاصية موجودة في الإنسان بالفعل، بصرف النظر الآن عن مصدر أو ماهية هذه الخاصية، وأنه من الواضح أن هذه الخاصية بدلًا من أن تساعدنا على البقاء أدت بنا -على العكس من ذلك- إلى قتل أنفسنا، حيث لا يسعنا أن نجد سببًا وجيهًا للاستمرار على قيد الحياة.
وبهذه الطريقة يمكننا أن نتفق مع فرانكل حينما يقول أن هناك بعدًا آخر في الإنسان غير البعد الغرائزي، يطلق عليه فرانكل «البعد المعنوي» والذي يعبر عن احتياج الإنسان الأصيل لمعنى وهدف يعيش من أجله.
تكمن أهمية هذه النقطة في أن هذا الإنكار لاحتياجات الإنسان الأخرى غير الحيوانية، هو الذي يجعله -أثناء انغماسه في الحياة العملية والاجتماعية- يعاني من خواءٍ داخلي مجهول المصدر، حيث لا يخطر على باله وجود احتياج آخر في حاجة إلى إشباع، وهو ما يفسر حالات الاكتئاب الغامضة بالنسبة لأصحابها، والحالات التي نمر بها عادة و نعبر عنها بقولنا: «أشعر بالحزن و لكن لا أعلم السبب، فكل شيء يبدو بخير»، وعادة ما يكون مقصدنا من كلمة «كل شيء» هنا لا يزيد عن الإشارة إلى الظروف الخارجية (الاجتماعية أو الاقتصادية أو الصحية… إلخ) والتي أوضحنا فيما سبق أنها لا تملأ هذه الفجوة المعنوية.
في ظل هذه النظرة الحديثة، لا أجد وصفًا للحياة أفضل مما قدمه شوبنهاور (وهو فيلسوف ألماني) عندما قال: «إن الحياة كالبندول الذي يتأرجح بين الألم والملل»، فيشرح لنا شوبنهاور أن الإنسان يعاني دائمًا من نقص الاحتياجات والرغبات، ومن ثم يسعى متلهفًا إلى إشباع هذا النقص ظنًا منه بأنه سيصبح بخير حالما يتم له ذلك، ولكن وكما يقول بوثيوس (وهو فيلسوف روماني): «إن المكيدة الأكبر في الحياة هي أن لذة الإشباع تأتي دائمًا أقل بكثير مما وعدنا به الجوع»، فلا تلبث أن تنتهي هذه اللذة قصيرة المدى حتى نغرق في الملل، حيث لا شيء جدير بالفعل أو السعي، وهو القطب الثاني من البندول.
يعدّ الملل أصعب مظاهر حالة الفراغ الوجودي على الإطلاق؛ الملل هو الحالة التي نختبر فيها انعدام المغزى من الحياة بأوضح صورة له، فعندما يمر علينا الوقت دون أن نفعل شيئًا يتملكنا شعور بأن وجودنا لا قيمة له، فالمرء إذا اختفى من الوجود فجأة في هذه الحالة سيستمر كل شيءٍ بلا أي تأثير، فإذا لم يكن من ثم فارق بين الوجود وعدم الوجود فلا جدوى ترجى إذًا من البقاء في الوجود! والحقيقة أن الانغماس المتزايد في الحياة العملية والاجتماعية وتحصيل الملذات، ليس إلا محاولة تعيسة لإلهاء النفس عن حقيقة بؤسها هذا.
«فكن على يقين بأن هذا الصنف من الناس إنما يسعى بلا جدوى من خلال أفعاله أن يجتنب الضجر الذي ينخره في داخله». شوبنهاور
قد يكون من المحبط أني قد اقتصرت في كلامي حتى الآن في هذا الجزء الأول على تشخيص المشكلة ولم أتطرق بعد إلى أيّة مقترحات للحل، وإن كنت قد أخذت خطوة بالفعل تجاه ذلك، تتمثل في توضيح أن معنى الحياة غير موجود في الأماكن التي نبحث فيها عادةً. بالإضافة إلى ذلك، فإن توصيف المشكلة يعد خطوة مبدئية ضرورية في إيجاد حل، ولمن لديه اهتمام بالعلاج النفسي، فسيكون على علم بأن نقل المشكلة من نطاق اللاوعي إلى نطاق الوعي هو أحد وسائل العلاج النفسي، وإن كان يعي البعض بالفعل وجود هذه المشكلة في نفسه فربما لا يعي أنها السبب الرئيسي وراء كثيرٍ من أوجه معاناته الأخرى، وهي نقطة غاية في الأهمية، فمعظم المشكلات النفسية التي نشكو منها عادة، تكون أعراضًا لهذه المشكلة الجوهرية.
كما أني قصدت أن أوضح كيف أن هذه المعاناة التي تظهر عادة في حالات الاكتئاب والميول الانتحارية، ليست بالمشكلة الشاذة أو الغريبة، وإنما هي متأصلة في طبيعة الإنسان النفسية، فمن المهم التوقّف عن النظر إلى بحث الإنسان عن معنى ومعاناته من هذا البحث على أنه مشكلة استثنائية خاصة بأي فرد فينا، وإنما هي مشكلة إنسانية طبيعية عامة، وهذا لسببين: أولًا لأن هذه النظرة الفردية تؤدي بصاحبها إلى الظن بأن المشكلة فيه هو، مما يزيد كثيرًا من صعوبة الأمر ومعاناته، وثانيًا لكي نحاول -في بحثنا عن حل لها- إيجاد حل يتسم بنوع من الموضوعية، لا حل شخصيّ. وأيضًا قصدت توضيح دور الرؤى الفكرية الحديثة في هذه المشكلة، وفي الأجزاء القادمة من المقال سأحاول إلقاء الضوء على بعض المفاهيم التي باتت شائعة اليوم بغرض مراجعتها وتحليلها، ومن ثم النظر فيما إذا كان هناك مقترحات بديلة.
ولا يمكنني بالطبع أن أضمن للقارئ إجابة حاسمة عن معنى الحياة، حيث سيكون من غير الواقعي أن يتوقع المرء إجابة نهائية عن سؤال بهذا الحجم في بعض الصفحات أو حتى في كتاب، وإنما أهدف من هذه الصفحات أن أقدم بعض المفاتيح التي من الضروري امتلاكها إذا كنا نأمل أن نحصل على تصور واضح عما قد يكون المعنى من محيانا.





0 تعليق