تصوير: أحمد عادل
إني، وكشخص محب للحكمة، وكما أعتبر نفسي فيلسوفًا، أعبر عن عميق إحباطي وعدم رضائيَ التامَّيْن عن المجال والعالم الأكاديمي عمومًا والفلسفي خصوصًا، وهو الذي يعنيني هنا. لا يمكن لي أن أُحَوِّل نظري عن التشوه الحاصل لصورة الفيلسوف اليوم، حتى أني أكاد ألا أطلق على المفكرين منذ القرن الـ 18 لفظ «فلاسفة» وربما أكتفي بأن أطلق عليهم لفظ «مفكرين».
بدايةً، إن الفيلسوف الحديث هو مُنَظر بالدرجة الأولى، هو شخص ذو كبرياء لا يمكن كسره، وإن أفكاره تمثل له مكانة ينبغي لها التقديس، وينبغي الكتابة عنها و«تأريخها». وتجد عنده دومًا حالة ملحة لأن: «يعيد تأسيس الفلسفة» أو «إعادة تأسيس الفكر» أو تغيير أي نظام فكري قائم وقلبه على رأسه، ثم بعد إن كانت أفكاره لا تجد صدى -على الأقل في فترة ما قبل الدكتوراه الجامعية- لغرابتها وشذوذها، فإنه يعتمد شذوذ أفكاره معيارًا لغباء الآخرين وبداية جهاده هو في سبيل «حرية الفكر». ثم إنه، و لعدم قبوله اجتماعيًا، يعتكف في غرفته فترة طويلة، حيث تكون طريقة تواصله الوحيدة مع البشر هي الكتابة، ثم يخرج علينا بعد سنوات بعمل واحد ضخم (ذي ستمائة أو تسعمائة صفحة)، أو عدة أعمال «محورية» في تفكيره، تشرح -إن استطعت في حياتك القصيرة أن تقرأها- «النقاط المحورية في فكره»، وتعتبر خلاصة اعتكافه طيلة ذلك الوقت. ومن هنا يأتي تقليد شديد السخف في الأكاديمية الفلسفية هو اعتبار فكر المفكر «مجالًا»، أي أنه لا فكر إلا فيم فكّر فيه المفكرون، وما لك إلا أن تزيد عليهم، أو -خصوصًا وإن كنت مفكرًا واعدًا- أن تقول بخطأ كُل ما كُتب، وأننا بحاجة ماسة، شديدة رهيبة، لأن نعيد كتابة ما كتب مرة أخرى.
ومن المثير للأسى، أن غالبًا ما تكون كتابات فيلسوف منهم هي خلاصة شيء مختلف وصل إليه؛ كمعرفة جديدة مثلًا، سر جديد من أسرار الكون، بل إنه يخرج بمجلدات ضخمة محشوة بطلاسم من ابتداعه تعبر فقط عن عدم قدرته على رؤية شيء حقيقي في العالم ويزعم بعدها أنها «تفسر واقعنا شديد التعقيد».
إن فلسفتك لا تكون فلسفة إلا إذا كانت معبرة عن «واقعنا المعقد»، وإنك لا تكون فيلسوفًا إلا إذا كانت لديك عدة شهادات، وليس أي شهادة، يجب أن تكون شهادة من ذوات الاسم الطنان، وعليك أن تكون حاصلًا على ما لا يقل عن بضع شهادات للدراسات العليا من جامعتين مختلفتين (لا سيما إن كانتا أوروبيتين؛ لأن أوروبا هي التي تعتمد الفلاسفة في التاريخ والعالم، ولم يكن هناك، ولن يكون فلاسفة جديرين بالاسم خارج أوروبا)؛ فإن شهادة دكتوراه من جامعة «عريقة» في ألمانيا أو فرنسا أو إنجلترا ليست بالطبع كنفس الشهادة من الهند أو الصين أو إفريقيا. إن اسم كل شهادة لديك هو الذي يجعلك فيلسوفًا أعلى شأنًا، أو أقل شأنًا، أي أنه ما سيحدد ما إذا سيرد الناس بهزة رأس مع رفع الحاجبين للدلالة على شدة الاعجاب، أو أن كل ما ستحصل عليه هو ابتسامة صغير متبوعة بـ: «جيد، بالتوفيق».
إنها أحد أسخف الأفكار وأكثرها مثارة للسخرية في هذا المجال الأكاديمي، نابعة من النظرة السائدة في ذلك المجتمع وهي أن قيمة الإنسان لا تنبع منه كإنسان، وإنما من الألقاب التي يتلبسها، ويحصل عليها، ومن هذا ينبع معتقد أن ما ستقوله، مهما كان، لا يحمل قيمة لأنك لا تحمل اللقب الذي يسمح لك أن تفعل ذلك؛ فلا يمكن لك أن تتكلم في كذا أو كيت لأنك لم تقرأ (فلانًا)، ولا تحسب نفسك فيلسوفًا إن لم تقرأ (فلانًا)، أو أن تقرأ (كذا وكيت)، ومما يعنيه هذا هو أن الفكر له «أصحاب» (متواجدون في أوروبا)، وأن ما سوى ذلك هم مفكرون من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة، وهنا يمكن أن نفهم كيف للبعض أن يتحدث عن «بلاد الفكر»، وبلاد ما هو عكس ذلك.
وهكذا فالنتيجة الطبيعية لتلك النظرة السائدة في المجتمع الأكاديمي أن نرى من دخلوا جامعات يُنظَر لهم كمفكرين، وأما الباقي فهم أصحاب الحظ القليل من الفكر والعلم… إلخ، وهم يعتمدون عليهم لتحصيل العلم والأفكار. وللسبب هذا فإنه لا يستحق السمع من لم يكن «متخصصًا» أي: عامة الناس. وحتى إن قال بعضهم ببعض القيمة فيما يقوله الإنسان العادي، فإنها دومًا شيء ينظر له بشيء من العطف والشفقة. حتى في استعارة الاسم: «الإنسان العادي» (ordinary man)، كما في إحدى التيارات الفكرية الصاعدة، أو الهابطة أو غير الصاعدة وغير الهابطة، إذ أنهم يكرهون فكرة الاتجاهات لسبب لا يعلمه إلا الله، هذه الأيام، تجد أن «الإنسان العادي» الخاص بهم توقف عن أن يكون «عاديًا» وصار «نظرية».
ولسبب ما، يميل مفكرو الحقبة المعاصرة إلى «التنظير»، مُعتَبَرًا الطريقة الوحيدة للتفلسف، والنظرية هي «نظام» فكري مغلق، ذات مهمة وصفية، خصوصا في حالة التفلسف، ويفترض بها أن تقول شيئًا عن العالم، والنظرية الفلسفية، وفي محاولتها البائسة لأن تكون «علمية»، تميل لأن تكون «نظامية» على غرار العلم؛ ولهذا فيتم خلق المصطلحات «التقنية» بغرض أن تصل لنتيجة بطريقة «ممنهجة»، والكل يجمع في زمننا هذا أن الشيء الوحيد الذي تصل إليه الفلسفة بطريقة ممنهجة هو اللاشيء، واللايقين.
ولذا فتكون النتيجة أن الفلسفة (الحالية) هي مجرد «تعاون الفكر مع العلم» من حيث الوصف، والتفسير…إلخ. إنها تقريبًا نفس فكرة تأويل كل ما يحدث طبقًا لإطار فكري معين (الدين/العلم).
من السمات التي تغلب أيضًا على النظريات الفلسفية المعاصرة، سمتان : الجدة بغرض الجدة كهدف، والتعقيد كنتيجة. إن الفلسفات المعاصرة تعتبر الجدة غاية وهدفًا، ولذا فيتفاخر مثلًا، متبنو نظرية اللا-فلسفة Non-Philosophy بأن أفكارهم لم يسبق أن كان لها مثيل في تاريخ الفكر -الغربي- كله. وهذه هي القيمة التي تكسبهم ثقة حديدية بأفكارهم؛ إنها وسام اعتماد أصالة فكرهم.
وبعد انكباب أولئك الفلاسفة الأكاديميون واعتكافهم في دياهيب الجامعات، ومكاتبها، وغرف نومهم الخاصة، للقراءة والتأمل، والتأمل، ثم القراءة مرة أخرى؛ فعندما يحين وقت الكتابة -إذ أن عليه أن يحين، ولا يعد فيلسوفًا من لم يكتب كتابًا، أو دستورًا يمثل «مذهبه»- تجد أن السمة الغالبة على كتاباتهم هي التعقيد الشديد، وبالتبعية عدم القابلية للتبسيط لعدة عوامل.
التعقيد في الفكر المعاصر، يُرى كقيمة هو الآخر، إنه غاية، أو هدف. وفي تقديري أنه كثيرًا ما يُساء اعتباره، ويتم خلطه بمفهوم «العمق»، والعمق والتعقيد ليسا مترادفين، إذ أن ما هو معقد هو الذي يحتوي على تفاصيل شديدة التركيب، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون عميقًا؛ أي أن يكشف الستار عن شيء ما، أو أن ينفذ إلى ما وراء الظاهر؛ وبالتالي، من العمق أن نقدر على أن نرى ما هو وراء المعقد. إذ أن التعقيد قد يكون ستارًا يختفي وراءه شيء، أو لا شيء تمامًا!
فالنظام المُعَقد لا يشترط في تعقيده أن يخبرنا عن شيء، أو أن يكشف لنا شيء ما، بل إننا من الممكن عن طريق فك تعقيده أن نجده فارغًا بشكل كامل من المعنى، وهذا ما يدأب الفلاسفة التحليليون -فيما أرى- على فعله. إنهم، وبمجرد أن يضعوا أيديهم على شيء ما، يتحلل تمامًا إلى شيء عديم المعنى، وهكذا يظهر كيف أنه يمكن لموضوع ألا يحمل أي أهمية إلا في تفاصيله، فإذا أخرجته من جحره وجدته خاويًا. إن هذه الفكرة لها تطبيقان على مستويين جديرين بالذكر، المستوى الأول: هو مستوى شخص الفيلسوف «المتخصص» (إنا نلحظ هنا أيضًا فكرة احتكار الفكر حيث هناك «المتخصص في الفكر» و «غير المتخصص في الفكر») إن الفيلسوف المتخصص قد تجده فيلسوفًا في فرع واحد من فروع الفلسفة، وتجده قادرًا على أن يحدثك لساعات متصلة عن مجاله فقط ؛ إنه يعرف كل نظرية في هذا المجال، ولكن ليس له رأي شخصي في أي منها، كما أنه يبدي لك غباءً غير معهود إذا سألته في أي مسألة أخرى خارج مجاله (إن هذه الفكرة عن التخصص هي نتاج فكرة: أنه ما دام الواقع شديد «التعقيد» فإنه يجب لكل فرد منا أن يمسك طرفًا منه وأن يغوص فيه، وهو بالتالي لا يُعنَى بأي جزء آخر من هذا الواقع).
والمستوى الثاني: هو مستوى أفكاره «النظرية» التي «يخترعها/يكتشفها» الفيلسوف ليعطِ تأويلًا جديدًا للعالم لتفسر واقعًا معقدًا، كما تم ذكره، فتكون هي بدورها شديدة التعقيد. إن من سمات تلك النظرية هي أنها لا تقبل التبسيط، ولا يجدر أن يتم تبسيطها، ودومًا ما تجد مهمة تبسيط إحدى تلك الأفكار هي مهمة شديدة الصعوبة على حامل أو متبني تلك النظرية، وليست المشكلة طبعًا أنه يتوه في الشبكة التي صنعها لنفسه بحيث أنه لم يعد يفهم ما يقوله هو نفسه، إذ أن فهم الشيء يستتبع القدرة على شرحه، بل إن المشكلة هي بك، صديقي «غير المتخصص»، أن اهتمامك لا ينصب على طلسمة هذا «الواقع»، بل إن كل هذا لا يعني شيئًا لسائقي الميكروباصات مثلًا، إنهم من غير الممكن أن يروا قيمة فيما قد يقترحه عليهم ذلك الرجل ذو الرأس المحنطة بالبذلة ورزمة الورق والكتب التي يتنقل بهما.
وسائق الميكروباص، هو مثال من أمثلة الشخص العادي، إذ هو في قلب ذلك الواقع الذي يكتفي الفيلسوف الأكاديمي الحديث بالنظر إليه من بعيد دون أن يحاول أبدًا عيشه. ولكن لغة رجل الشارع، أو الإنسان العادي، هي لغة «غير علمية»، ولذا فهي لا تهم الفيلسوف الحديث لسخافتها «وعدم دقتها ووضوحها»، بافتراض دقة ووضوح لغته.
نرى هنا أنه، وكما يتم خلط التعقيد بالعمق، فإنه يتم خلط البساطة بالسطحية والسذاجة. إن السطحية هي نقيض العمق، فإذا كان العمق هو أن نرى ما خلف الشكل الظاهر، ما وراء الوضع القائم، «الواقع المعقد»، فإن السطحية هي ربما ألا ترى سوى الشبكة المعقدة التي أمامك.
إذن فإن البسيط هو كبيت الشِعر ذو التأثير المباشر، فتجده لا يخاطب عقلك فقط، بل وجدانك، وعاطفتك، ونفسك كلها، وكل هذا في سطر واحد. ولهذا نرى أن خبرات الشعوب، وأخبارهم، وتجاربهم ومعارفهم كان يتم التعبير عنها قديمًا في شكل قصة، أسطورة، أنشودة… إلخ.
وخلاصة القول، أننا جميعًا نحتاج إلى أن نحاول أن نرى المشترك بين الظواهر التي نتعرض لها، أن نرى أنماطًا فيها، وأن نتساءل ما الذي يمنع أن يوجد أشكال أخرى من هذا النمط الموجود حاليًا، وهل هذا النمط هو الأفضل؟ وهكذا فإننا نتساءل عما إذا كانت الفلسفة كما هي الآن هي أفضل شكل للفلسفة؟ ونتساءل عن السبب الذي جعل الفلسفة تأخذ هذا الشكل بالتحديد؟ وهل يمكننا أن نفكر في أنماط أخرى من التفلسف غير الموجودة اليوم؟
إن ما قيل في هذا المقال يصح أن يطبق على أغلب المجالات الأكاديمية اليوم؛ السمة المشتركة بينهم هو خصوصية ما يعرفون -في حين أن المعرفة هي للإجابة على عطش الإنسان لها- وتعقيده، وفقدان العمق، ليس هذا وحسب، بل إنهم أيضًا يزعمون أنه لا يصح لأحد غيرهم أن يتكلم في مواضيعهم التي يضعونها على قمة المعارف البشرية. المعضلة تتمثل في أن هناك اليوم من يحتكرون الفكر لهم، ويدّعون أنه لا يصح فكرًا ما لم يفكروا فيه هم أنفسهم، ولهم نقول أن يرجعوا فينظروا للناس في الشارع، ولينظروا للناس من حولهم، لأقربائهم المنشغلون والكادحون في عملهم لأجل لقمة العيش، إنهم إن لم يفكروا بغرض أن يشيروا للناس لطريق الحقيقة، فلأي غرض آخر يفكرون؟





بالتوفيق