يعتبر الإقرار بالنسبية أحد أكثر المواقف شيوعًا اليوم، وإن كان من الملحوظ انزعاج الكثيرين مؤخرًا من هذا الموقف، ومن هنا فقد تم وضعه في قاعة المحاكمة مرة أخرى، فيتم الحكم عليه من جهة مدى صدقه من ناحية، ومن جهة ما له من مزايا وما عليه من جرائم أخلاقية من ناحية أخرى. ولكن ما السبب وراء شيوع النسبية في عصرنا هذا بالتحديد؟ هل هو موقف خاص بهذا العصر فعلًا أم أن له تاريخ سابق؟ ما الأسس التي يقوم عليها موقف لا يعترف بأي أسس؟ هل نعتبر المُعارضين لمثل هذا الموقف، الذين ينادون بحقائق مطلقة معينة، أشخاصًا متعصبين؟ أو نعتبرهم مجموعة من الحمقى الذي ليس بوسعهم أن يروا قيمة الحقائق التي يؤمن بها أناس آخرون؟ هل يعد الإقرار الصارم بحقيقة ما جريمة أخلاقية؟ أم تعد الحقيقة شىء مقدس علينا السعي إليه والدفاع عنه بروحنا؟
الأسباب السياسية
ليست النسبية موقفًا فكريًا جديدًا كما يظن البعض من الذين يتهمون الأفكار القديمة بالبدائية، ومن ثم بالصلابة والدوغمائية. ومثير للاهتمام أن نعرف أن الظروف السياسية والثقافية التي نشأت النسبية في ظلّها قديمًا (حوالي القرن الخامس قبل الميلاد) كانت هي تقريبًا نفس الظروف بالضبط التي أدت إلى ظهورها في محيط القرن الثامن عشر بعد الميلاد. فقد تدهور الوضع الاقتصادي في أثينا في القرن السابع قبل الميلاد ونتج عنه زيادة ضخمة في الفجوة الاقتصادية بين الطبقة الأرستقراطية وعامة الشعب، وقد عانى هؤلاء الأمرّين تحت عبء ما عليهم من ديون للأغنياء، لدرجة حوّلتهم إلى رقيق لدى هؤلاء الأغنياء، حتى أن الكثير منهم اضطر إلى بيع أبناءه كي يسدد ما عليه من ديون، واضطر البعض الآخر إلى مغادرة أثينا نجاة من هذا الوضع القاسي. بلغ النزاع أوجّه إلى أن نشبت الحروب الأهلية في كل من أثينا وإسبرطة، وانتهى الأمر بوصول صولون إلى كرسي الحكم نتيجة لما يملك من ثقة من قبل الأغنياء والفقراء على السواء، وقد اشتهر بالفعل بتواضعه وشغفه بالمعرفة وحبه لوطنه، وكانت أهم تشريعاته أن أقام النظام الديموقراطي في أثينا.
جاءت الديمقراطية والحكم الشعبي إذن كرد فعل للطغيان الذي عانى منه الشعب من قبل طبقة الأغنياء، «غير أن الوقائع المتطرفة لا يتم تغييرها بوقائع أكثر اعتدالًا، بل بأخرى متطرفة ولكن في الجهة المقابلة.» فبعد التقييد المطلق الذي كان جاريًا في أثينا قبل ذلك، جاءت هذه الثورة والديموقراطية تدعو إلى حرية مطلقة بنفس المدى، وبعد أن كان المجهود الإنساني متمحورًا حول الجماعة ممثلة في الطبقة الحاكمة، راح المجهود كله في سبيل تحقيق الفرد لذاته والتأكيد على أهميته، وأن الغرض من المجتمع هو توفير بيئة صحية للفرد، وأن كل الأفراد متساوون في الأهمية، فليس من طبقة أعلى من طبقة بعد الآن، ليس من طبقة حاكمة وأخرى محكومة، علينا جميعًا أن نشارك في الحكم بنفس المدى لأننا نملك نفس الأهمية، وبالتالي فلا أفضلية لرأي أحدهم على رأي الآخر، جميع الآراء ذات نفس القيمة، لا يوجد رأيًا هو أكثر صوابًا من غيره، ولا يوجد رأي هو حقيقي أكثر من غيره، بل كل الآراء هي حقيقية بنفس القدر.
ومرت أوروبا بنفس هذه الظروف بالظبط في حوالي القرن السادس عشر، عصر النهضة الذي كان مرحلة فيصلية بين العصور الوسطى المظلمة وبين عصور التنوير والحداثة، حتى أن صاحب الاقتباس السابق (وهو نيتشه) كان قد ذكره في تحليله لهذه الفترة من التاريخ الأوروبي التي ظهرت فيها النسبية، بل وفي سياق قريب للغاية. وأظن أننا جميعًا على إطلاع بدرجة ما بالطغيان الذي ساد العصور الوسطى حتى أطلقنا عليها لقب «العصور المظلمة». فقد كانت أوروبا منقسمة إلى ثلاث طبقات في ذاك الوقت: السلطة الكنسية / مُلّاك الأراضي / باقي الشعب (والذين كانو -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- عبيد للطبقتين السابقتين)، وقد عانت الطبقة الأخيرة من الظلم والفقر والعمل الشاق مقابل الأجر الزهيد من قبل مُلّاك الأراضي، بينما عانى معظم الشعب عامّة من الحكر الفكري والمعرفي للسلطة الكنسية، وأشهر ما في هذا العصر من روايات هي عن أناس تعرّضو لأسوأ أشكال العذاب من قبل السلطة الكنسية عقابًا لهم على ما أقرّو به من أفكار مخالفة لتعاليم الكنيسة. ولم يلبث في هذا الحال أن انفجر المجتمع الأوروبي من هذا الكبت والتقييد الفكري والسياسي، وثار على كل أنواع السلطات، ونادى بالحرية المطلقة، والمساواة واحترام الآخر، وأن ليس من أحد يمتلك الحقيقة المطلقة كي يوجّه بها الأخرون ويقودهم، بل لكل منا رأيه الخاص الذي لا يقل قيمة عن رأي أي شخص آخر.
نستطيع من هذا المنظور التاريخي أن نفهم الأسباب الحقة التي أدت إلى الاعتقاد بالنسبية، وأن نلاحظ المنزلق العاطفي المضلل الذي بدأ ب«ضرورة احترام الآراء المختلفة» وانتهى إلى «عدم وجود اختلاف بين الآراء المختلفة!» وهو بكل تأكيد منزلق (أو استدلال) غير سليم على المستوى الفكري، فالنسبية من هذا المنظور ليست إلا رد فعل عاطفيّ وسياسيّ لأحداث معينة، وهو الأمر الذي يرفض النسبويون الاعتراف به، ولذلك يسعون لتقديم حجج فكرية لدعم موقفهم.
هل هناك أسباب فكرية؟
إن أقدم مُناد نعرفه بالنسبية هو أبرز رُوّاد الحركة السوفسطائية (التي ظهرت مع قيام الديمقراطية في أثينا تلبية لاحتياج السياسيين لأن يتعلموا مهارات الخطابة والجدل حتى يضمنوا لأنفسهم مكانة سياسية مرموقة في ظل هذا النظام الديموقراطي الجديد) اليوناني: بروتاجوراس، صاحب العبارة الشهيرة: «الإنسان معيار كل شىء»، والتي تعني ببساطة أن الشىء يصبح حقيقة لفُلان متى ما أقر هو ذلك، والعكس صحيح. اعتمد السوفسطائيون في إنكارهم للحقائق المطلقة على عدة ظواهر حِسّية من قبيل: أن العصا تظهر في الماء منحنية وفي خارجه مستقيمة؛ وأن شخصين مختلفين في نفس المكان والزمان قد يحدث أن يشعر أحدهم بأن الجو حار والآخر يشعر أنه بارد. وبالجملة فقد استندوا في قولهم إلى كل خبرة حِسّية مثيرة للحيرة، وهاك مثال آخر أكثر قوة في تقديري: أن الأشياء تبدو من بعيد أصغر مما هي عليه عند النظر إليها عن قُرب. لسبب ما نحن نفترض أن رؤية الشىء عن قُرب تُظهره لنا على حقيقته، في حين أن رؤيته من بعيد تُظهره لنا بصورة مشوشة، ولكن على أي أساس نفترض هذا؟ لما قد لا يكون العكس؟ أن صورة الشىء عن بُعد هي أكثر دقة من تلك القريبة؟ بل ولم نفترض أصلًا أن إحداهن صائبة والأخرى كاذبة؟
ولا تقتصر هذه النسبية على الوقائع المحسوسة فقط، بل تمتد لتشمل جميع أنواع الحقائق، فليست الوقائع المحسوسة هي فقط التي تكون مختلفة من إنسان إلى آخر، بل جميع أنواع الحقائق كذلك، فهناك من الناس من يعتقد بحرية الإنسان ومنهم من يعتقد بجبريته، وهناك من يتبنّى المادية وهناك من يتبنّى المثالية، وهاك فيلسوف عدمي وآخر وجودي. وربما يكون من المفيد أن نشير هنا إلى الرد الشائع للموقف المقابل للنسبية في هذا السياق، وهو أن نسبية المعتقدات لا تعني نسبية الحقيقة نفسها، بل يعني ببساطة أن هناك من الناس من يملكون أحكام باطلة أو غير دقيقة عن الواقع، وإلا فهل ننكر وجود أي اعتقادات زائفة على الإطلاق؟ هل نقول أن جميع الناس على نفس المستوى من الوعي والمعرفة والذكاء والحكمة؟ إن السبب الوحيد الذي يدعونا إلى الاعتقاد بوجود أي تفاوت في هذه السمات بين الناس هو افتراض وجود حقيقة ما على درجة من الموضوعية نقيس بها مدى وعي كل شخص.
كما أنه من المفيد لاختبار قانونٍ ما أن نطبق هذا القانون على نفسه، وهنا يأتي الانتقاد الأشهر للنسبية منذ محاورة ثياتيتوس لأفلاطون، وهو أن النسبية تنفي نفسها بنفسها؛ إذ لو قُلنا أن هذه الحقيقة (أن كل شىء نسبي) هي حقيقة مطلقة، لكان هذا إقرار بحقيقة ما مطلقة، ولو قُلنا أنها نسبية، لصح أنها تنطبق على بعض الحقائق فقط دون غيرها، فيكون هناك بعض الحقائق النسبية والأخرى مطلقة.
إن موقف النسبية في الواقع هو موقف ضعيف للغاية على المستوى الفكري إذا أردنا تحليله، إنه يتعارض تمامًا مع أدنى معطيات الحس المشترك، ويتعارض تمامًا مع أبسط بديهيات الحياة اليومية، فاعتقاد بعض الناس بأن الأرض مسطحة لن يجعل منها كذلك، حتى لو اعتقد نصف الكوكب ذلك واعتقد النصف الآخر أنها مُثلّثة، ستظل حقيقة كروية الأرض كما هي بلا تأثر بما نعتقده نحن عنها. ومن يضع يده في النار سيحترق بلا شك حتى لو اعتقد البعض غير ذلك، وسيغرق في الماء من لا يعرف السباحة حتى لو صدّق أنه ضفدعة، وتصديق فلان أنه يستطيع الطيران لن يمكّنه من تجاوز الثوابت الفيزيائية، وإيمان الأطفال ببابا نويل لا يجعله موجودًا حقًا. واعتقاد (البيدوفيلي) أن من حقه اغتصاب الأطفال لا يغيّر من حقيقة جُرمه، وقبول الذكوريين للتحرش بالمتبرجات لا يجعل التحرش مقبولًا أخلاقيًا، وتشريع قوانين الدول القديمة للإستعباد لا يجعله مشروعًا، كما أن تحريم الدول الحالية للعبيد ليس هو الذي يجعلها جريمة، بل حقيقة أن الحرية حق طبيعي لكل إنسان هي التي تجعل منها كذلك، وإنكار أحدهم لهذه الحقيقة لا يجعلها باطلة، بل يجعله هو مجرمًا.
إن الدافع الحقيقي وراء المناداة بالنسبية هو الهوس بالتأكيد على قيمة الفرد. فَـ«الإنسان هو معيار كل شىء»، كل شىء يتمحور حوله، الإنسان هو الذي يعطي للأشياء قيمتها وهو الذي يجعل منها حقيقية، فليست الاشياء قيّمة أو حقيقية بحد ذاتها، بل الإنسان وحده هو القيّم والحقيقي… هو الإله… كيف يبدو الواقع في حقيقته؟ ما هو الرأي الصائب؟ ما هي حقيقة المسألة الفولانية؟ لا يهم، المهم هو أن جميع الآراء المختلفة والمتناقضة حول تلك الأمور تملك نفس ذات القيمة؛ ولهذا علينا أن نحترمها جميعًا بنفس القدر. احذر ثم احذر من أن يخبرك أحدهم بأنه يملك الحقيقة؛ فمثل ذلك الشخص يزعم أنه أعلى من غيره وأكثر منه علمًا، ونتيجة ذلك الحتمية أن يتسلّط على الآخرين ويتحكّم فيهم عن طريق توجيههم يمينًا ويسارًا مادام هو الشخص الذي يعرف الطريق الصحيح، احذر ثم احذر من أي شخص يحدثك عن الحقيقة… إنه لا محالة محتال!
وخلاصة الأمر: إذا كانت المشكلة هي التعصب تجاه الآراء مختلفة القيمة، فهذا لا يعني أنه يجب أن ننكر هذا الاختلاف الذي هو حقيقة واقعة سواء اعترفنا بها أم لا، بل يعني فقط أن علينا تعلّم احترام الآخر حتى في ظل هذه الخلافات، خاصة وأن النسبية بهذا الشكل لا تعالج المشكلة أصلًا… مشكلة التعصب تجاه آراء الأخرين، بل هي تتهرب منها فقط عن طريق إنكار أي تفاوت بين هذه الآراء، إذ أنه من السهل على الإنسان أن يحترم شيئًا هو في نظره ذات قيمة، أما الأمر الصعب حقًا هو أن نحترم أصحاب تلك الآراء التي نظنها ساذجة، وأن نتفهّم الأسباب التي أدت بهم إلى تبنّي مثل هذه الآراء حتى لو لم تكن صائبة، وأن نذكّر أنفسنا على نحو دائم كيف يتراءى لنا نحن الآخرون من حين لآخر سذاجة آرائنا في بعض الأمور.
التداعيات غير المنظورة للنسبية
هناك في الواقع دافع آخر نفسيّ لإقرار البعض بالنسبية، فهي تبرير حاسم للكسل المعرفي لمن يريد أن يظهر بمظهر العارف، فإذا لم يكن من ثمة حقيقة أكثر قيمة من غيرها، فلا فائدة ترجى إذًا من القراءة والبحث في الأمور، إذ بإمكاني -بدون بذل أي مجهود- أن أتبنّى أي حقيقة كانت ولن تقل في قيمتها عن الحقائق التي بذل أصحابها فيها مجهودًا جمًا.
وبصفة عامة نستطيع أن نلاحظ مدى إغفال النسبوّيين لتداعيات تقريرهم: فبإمكاني أن أتفهّم شخص ملحد يقرّ بالنسبية، ولكن يثير إستفزازي عندما أجد مؤلّه يفعل ذلك. ولا يقتصر الأمر على التوجهات الدينية، فهو ينطبق أيضًا على من يقرّ بالنسبية وفي نفس الوقت ينادي ويدافع باستماتة بالحريات والمساواة والديمقراطية، ويهتم بقضايا التحرش والجرائم الأخلاقية عامةً، والقضايا السياسية والفكرية… إلخ. وأتذكر هنا في كل مرة نطقوا أمامي بأن الحقيقة نسبية، كيف تملكتني رغبة عارمة في صفعهم على خدهم مبررًا ذلك بأنه أخلاقي بالنسبة لي، ولهذا فمن الأفضل أن لا تنطق بالنسبية أمامي.





0 تعليق