قد تكون «الشجاعة» مجرد كلمة نستخدمها كثيرًا في حياتنا وهناك نوع من الاتفاق الضمني أن الشجاعة بالتأكيد صفة إيجابية. ولكن الشجاعة ليست فقط «فضيلة» أو «خُلق حميد» بل هي مفهوم. ورغم بساطته واستخدامنا له بشكل متكرر، فهناك الكثير من العناصر المتضمنة في هذا المفهوم قد تكون خفية عنّا.
الشجاعة لها صورة شائعة في ذهننا، صورة الفارس المغوار القوي الذي يحارب ويدافع عن أرضه ويواجه الموت، هذه أكثر صورة من الممكن أن نقول أنها تقليدية. لكن الشجاعة ليست حصرية على هذه الصورة، فهذا الشكل للشجاعة يمكن أن نسميه مبدئيًا «شجاعة جسدية»؛ هي شجاعة عندما يكون الشخص مستعد ليضحي بجسده لكي يدافع عن قضية. هذا شكل من أشكال الشجاعة ولكن لو سألنا أنفسنا: هل أي شخص يتصرف بهذه الطريقة يمكن القول أنه شجاع؟ فهل لو رأيتَ شخصًا يمسك سيفًا ويحارب، هل بالضرورة يعني هذا أن ذاك الشخص شجاع؟ هل الحكم له علاقة بالفعل الظاهري؟ أم أن الشجاعة موجودة في مكان آخر أعمق؟
هناك أكثر من مقترح لكي نستطيع التعمق قليلًا في مفهوم الشجاعة، وهذا لا ينطبق فقط على الشجاعة، بل ينطبق على كثير من الفضائل؛ إذ أن الحكم عليها غير متوقف على الشكل، لأن التصرف الظاهري قد يكون مدفوعًا بدوافع مختلفة، فقد يتصرف الشخص بطريقة ما، فقط لأنه لا يفكر، وقد يتصرف بدافع الانتقام فحسب، إذ ليس بالضرورة أن ينبع التصرف من جزء نبيل أو فاضل. ومن هذا المنطلق، إذا تحدثنا عن أكثر شكل تقليدي وظاهر والذي هو «الشجاعة الجسدية»، فحتى بالنسبة لهذا المستوى لن يكون الحكم بسيطًا؛ لا نستطيع أن ندعي أن الشجاعة هي أن تمسك سيفًا وتحارب الأعداء فقط، بل هناك أبعاد أخرى ومفاتيح مختلفة سوف تساعدنا في سبر أغوار «الشجاعة».
الشجاعة والفضيلة:
كما ذكرنا فإن الصورة التقليدية للشخص الشجاع هي صورة الشخص المتأهب ليضحي بحياته، إذا عدنا بالزمن إلى الوراء لعصر «الإغريق». سنجد أن «أفلاطون» كان مهتمًا بتربية من سماهم «الحراس» وهم المواطنون الذين يدافعون عن المجتمع ويحافظون على قيمه. وكما رأى أفلاطون فمن الضروري على الحراس أن يكونوا شُجعانًا، فيجب تربية «الحراس» على ألا يخشوا الموت، وهذا لا علاقة له بأن يكون الشخص جريئًا وحسب، أو متهورًا، بل يجب أن يتوفر لدى الحارس جانب «فكري» له علاقة بفهم ورؤية معينة للكون وللحياة والموت وللروح ومعنى وجود الإنسان، كل هذا مهم حتى يصبح الإنسان لا يخشى الموت. والأمر ليس مسألة حماسة وانفعال عاطفي أواجه الموت بهما، بل أن يقبَل المرء موته وألا يخافه بدافع داخلي، بل ربما يُقبِلُ عليه. هنا تكون فضيلة الشجاعة أكثر اتزانًا؛ بمعني أن المسألة لن تكون مجرد اندفاع عاطفي على قدر ما هو قرار بأن هناك موقف معين أصح، وقد تكون الشجاعة في موقف آخر أن يتصرف الشخص بطريقة أقل اندفاعية وأن يقدر على التحكم في الجانب الاندفاعي والعاطفي بداخله.
يطلق «الإغريق» على العنصر الاندفاعي والعاطفي «ثوموس» Thumos. من الصعب أن نجد كلمة مرادفة لها بالعربية، ولكنها تتعلق بالجانب الحيوي المشحون بالعاطفة؛ الجزء الذي يحركنا. هناك تعبير وإن لم يكن ما نقصده تمامًا ولكنه قريب، وهو تعبير «شخص دمه حامي». هذا العنصر مهم جدًا بالنسبة للإنسان، ولكن إذا لم يكن مُتحكمًا فيه، فإن العنصر العقلاني سيكون في الخلفية والجزء الحامي بداخلنا هو الذي سيُسيطر، وهذا الوضع اقرب للتهور مما هو للشجاعة.
عندما تحدث «أرسطو» عن «الأخلاق» طرح الفكرة القائلة بأن «الفضائل» أغلبها نقطة اتزان بين جانبين، فالشجاعة نقطة بين الجُبن والتهور، وكونها نقطة ما بين طرفين لا يجعل التحلي بها أو معرفتها أمرًا هينًا؛ سيصبح صعبًا أن نجد نقطة الاتزان، ولكي نجدها يجب أن يكون الشخص مُتحكم في «الثوموس» (العنصر العاطفي بداخل الإنسان). هذا التحكم هو تحكم داخلي وهذا لا يمنع أن يأخذ الفعل أشكال مختلفة ومتعددة؛ فيمكن أن يصبح الشخص مُتحكمًا تمامًا في عاطفته ويقرر في موقف معين أن يرفع صوته أو أن يتصرف بشكل يستعرض فيه قوته، وهذا لا يعني بالضرورة أن عاطفته هي التي تسيطر عليه. لهذا عندما تحدث «أفلاطون» عن تربية «الحراس»، ذكر أهمية تلقي الحراس أثناء فترة تعليمهم نوعين من التربية، النوع الأول هو «الرياضة»: الجانب المسؤول عن المواجهة والقوة الجسدية. النوع الثاني هو «الموسيقى»: ويشمل الفنون والآداب وجوانب كثيرة من المعرفة التي تهذب الإنسان وتصقله. التوازن بين هذين العنصرين يخلق نموذج «الحارس» الذي اقترحه «أفلاطون»، وأنه ليس مجرد شخص انتحاري يحرِّكه عنصره العاطفي، بل هو شخص مرتبط بقيمة معينة، مثل قيمة «العدل» على سبيل المثال، وبالتالي فهو مستعد لمواجهة الموت لكي يحقق هذه القيمة.
الصورة التقليدية عن الشجاعة مرتبطة بميدان واحد من ميادين الحياة؛ وهو ميدان «الحرب» و«الدفاع عن الوطن»، وهو شكل من الأشكال، ولكن هل يمكن اختزال الشجاعة وحصرها على هذا الميدان دون غيره؟ سنتجنب الصواب إذا جاوبنا بالإيجاب، لأن هناك ميادين أخرى في الحياة يحصل فيها نفس النمط؛ نفس الاحتياج لمواجهة الخطر والموت، ولكن بأشكال مختلفة، لأن الموت في الحرب والذي يواجهه المحاربون هو موت على المستوى الجسدي، ولكن في ميادين أُخرى فالإنسان عرضة أيضًا للموت. المفهوم الواسع والمجرد للموت والذي يبدو مختلفًا عن الشكل المعتاد، لأنه مرتبط بأي نوع من أنواع «الفقد»، ومن هذا المنطلق فإن هناك جوانب مختلفة في الحياة نشعر فيها بالخوف من الفقد؛ نخاف من فقد مكانة معينة، ونخاف من فقد الصورة التي رسمناها عن أنفسنا ونخشى فقد شخص عزيز. مواجهة هذه المخاوف يتطلب شجاعة مثل تلك التي تتطلبها مواجهة الموت في الحرب، ومن الأمثلة الواضحة في هذا الجانب: إنسان يضحي بكل شيء من أجل قيم يؤمن بها، مثل شخصية «سقراط» التي تُعتبر نموذج للشجاعة التي من الممكن أن نطلق عليها: «الشجاعة الأدبية»؛ أن يتمسك الفرد بمبدأ إلى النهاية حتى لو كان هذا يعني موته. هذا أيضًا شكل من الأشكال، ولكن كما ذكرنا قد يتخذ الموت أشكال وأشكال وأمامها هناك احتياج للموقف الذي يمكن أن نسميه بـ «الموقف الشجاع».
أصل كلمة شجاعة:
سنعود خطوة للوراء ونحاول اكتشاف مصطلح الشجاعة، هي الكلمة نفسها لو رجعنا لأصلها في اللاتيني واللغات التي انحدرت من أصل لاتيني، سنكتشف أن كلمة شجاعة (Courage) تأتي من اللفظ اللاتيني (Cor) التي تأتي بمعنى «قلب». كأن هناك علاقة بين مفهوم الشجاعة ومفهوم القلب، سيساعدنا هذا في التمييز بين نوعي الشجاعة اللذين تحدثنا عنهما حتى الآن: «الشجاعة الجسدية» التي هي شجاعة المحارب، والشجاعة المرتبطة بالقلب، يمكن حتى أن نقول عنها شجاعة مرتبطة بالروح؛ أن يؤمن الشخص بشيء ويبصر ما هو حق وصواب في موقف معين ويدافع عنه بثبات رغم كل شيء. فالشجاعة ليست جسدية فقط وليست فكرية فقط. هي امتزاجهما، وهذه هي الشجاعة التي نحتاجها في هذا الزمن وهذه الظروف، فنحن لا نستيقظ على الجبهة لنحارب كل يوم ولكن نستيقظ كل يوم ومبادئنا وقيمنا التي نؤمن بها معرضة يوميًا للخطر، وكثير من الظروف تجذبنا عكس ما نؤمن به وما نراه حق، ومقاومة كل هذا يتطلب شجاعة، شجاعة السباحة عكس التيار لأن هناك شيء على المحك حتى مع وجود خطر أن أخسر العلاقات أو الأمان الاجتماعي وغيره.
يتضح مما ذكرناه أن الشجاعة مرتبطة بمفهوم «المجازفة»؛ لأن الشجاعة ترتبط دومًا باحتمال فقد شيء ما، فإذا لم يكن هناك ما يمكن أن يُفقد، فأين تكمن الشجاعة إذن؟! فإذا كنتُ شخصًا متمكنًا رياضيًا وقفزت عاليًا وتدربتُ كثيرًا ومُتأكد بنسبة كبيرة من أني سأنجح هل يمكن القول أن هذه أن هذه شجاعة؟! ستكون شجاعة بقدر ما توجد مخاطرة، بقدر ما يكون ما أنا مقبل عليه غير مضمون نتائجه، وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة لنا، الشجاعة تكمن في النقطة التي لا يضمن فيها المرء أي نتيجة، ومع ذلك يُقدم على المخاطرة، ويتحمل عواقب أفعاله، باختصار هناك صلة قوية بين الشجاعة والإقدام على المجهول.
كما الحديث عن الخوف من الفقد والموت، سنرى أن بعض المُفكرين والفلاسفة يضعون الخوف من الموت أمام الخوف من الحياة،. قد يكون هذا التعبير جديدًا علينا، وغريب أن يكونا على نفس المستوى؛ لأن هذا يعني أن الإنسان يحتاج الشجاعة التي سيواجه بها الموت ليواجه بها الحياة. ونحن قادرون على استيعاب الخوف من الموت، نحن نفهم الخوف من الفشل، ولكن أيضًا نحن أحيانًا نخاف من الجانب الآخر الذي قد يبدو أكثر إيجابية، على سبيل المثال هناك الشخص الذي يخشى من اتخاذ قرار ما لأنه يخاف من الفشل، ولكن أحيانًا يكون الشخص خائفًا من النجاح. أحيانًا يكون الوضع الحالي أأمن من أي وضع آخر سواء أحسن أو أسوأ لأنه في دائرة المجهول. الخوف ليس مرتبطًا دومًا بالجانب السلبي، لكنه مرتبط بما هو خارج سيطرتنا، سواء إيجابيًا أو سلبيًا.
الموقف الأخلاقي:
إطار «العلاقات الإنسانية» أحد المجالات التي يظهر بها نوع من التناقض داخلنا؛ هناك خوف من الوحدة من ناحية ومن ناحية أخرى هناك الصحبة والانتماء والمسؤولية، ولكن هذه الكلمات أيضًا تثير الخوف. القرب من شخص ما وأن ينتمي الفرد لكيان ما، هذا كله يثير نوعًا من الخوف؛ خوف أن يفقد الإنسان أو الكيان الآخر من ناحية، وخوف أن يفقد نفسه في الشخص أو الكيان الآخر من الناحية الأخرى، بالتالي سينتج عن هذا موقف مُتردد، فلا المرء يريد الوحدة ولا الصحبة، وتقوم الحياة بدفعه في اتجاهات مختلفة. يظهر لنا الفيلسوف الدنماركي «كيركيجارد» ليحدثنا عن معنى أن يكون الإنسان أخلاقيًا! عادةً عند ذكر كلمة «أخلاقي» نظن أننا نعني بذلك أن يختار المرء منا الاختيارات الصائبة. ولكن لدى «كيركيجارد» نقطة مثيرة ومهمة وربما علينا التفكر فيها وفي مغزاها: أن الفعل الأخلاقي هو فعل الاختيار في حد ذاته؛ أن يتخذ المرء قراراته ويواجه معضلاته بوعي، و«المواجهة» هي كلمة مهمة جدًا، لأنه عادة ما تدفعنا الحياة في إتجاهات وتضطرنا لاتخاذ قرارات محددة، لكن أن يواجه المرء اختياراته ومعضلاته، أو بطريقة أخرى أن يواجه الحروب المختلفة في المجالات المختلفة وأن يختار طريقه، هذا فعل أخلاقي. وفي هذه الحالة ستكون الشجاعة الأخلاقية ليس مجرد عمل الفعل الصحيح ولكن أن يقرر المرء قرارًا وأن يتحمل مسؤوليته، مقابل غياب الشجاعة والتي ستعني الانسحاب من المواجهة.
حالة «الإنسحابية» أصبحت شائعة؛ كثير من الناس يقفون منتظرين متفرجين، تقذف بهم الحياة هنا وهناك دون حول منهم ولا قوة، وأصبح من الصعب أن نرى امرؤ يتخذ قرارًا، ومن الأشكال المختلفة لهذا الموقف الانسحابي على المستوى الأخلاقي تظهر في الميل إلى تحميل المسؤولية الأخلاقية للآخرين، والبحث دومًا عن شخص يخبرني بما هو الصواب والخطأ سواء هذا الشخص أعرفه شخصيًا أو أي مصدر، أو من خلال مجاراة أخلاق المجتمع وأفعاله، المهم ضمان الأمان والبعد عن المخاطرة والمجازفة وضمان اليقين. الموقف الأخلاقي: هو أن يتخذ المرء قرار بدون تأكد وبدون ضمان لنتيجة، غير متأكد حتى إذا ما كان هذا الفعل هو الأفضل أم لا ولكنه يتحمل مسؤوليته، وبالتالي لو اكتشف أن هذا ليس الفعل الأفضل سيكون هناك إمكانية لمعالجته والتعامل معه.
مجالات أخرى سنرى الخوف فيها على الطرفين والنقيضين، نستطيع أن نتخيل مثلًا إنسان يخاف من «الجهل»، ولكن من ناحية أخرى قد يخاف الإنسان من «المعرفة». قد نتخيل أن الشخص لو قُدِمت له الحقيقة على طبق من فضة، فسيفرح بها، ولكن مما نراه ومما نلاحظه حتى لأنفسنا سيظهر سؤال: إلى أي مدى نحن مُستعدون ولدينا الشجاعة لنعرف؟ أن نعرف ونتعلم هي أفعال إيجابية لكن فيها نوع من المخاطرة؛ لأن الوضع الذي كنت فيه يمكن أن يتغير والمعرفة التي لديَ قد يتضح ضحالتها وضلالها، وهذه مخاطرة، وكل المجالات يحتاج الإنسان فيها للشجاعة.
أيضًا من المنطلق الأخلاقي فالشجاعة مجرد تصرف مناسب، ولكن من ناحية أخرى يعتبر بعض الناس أن الشجاعة ليست مجرد فضيلة، إنما هي فضيلة لها مكانة خاصة لأنه يتوقف عليها كل الفضائل الأخرى، مثلًا الأمانة أو الصدق أو الكرم أو غيرهم من الفضائل، كل فضيلة تحتاج شجاعة لكي يُقدم عليها المرء خاصة إذا كان قرار الفضيلة صعبًا ويحتاج إلى المخاطرة. فالشجاعة تتوقف عليها كل الفضائل الأخرى، ويتوقف عليها كيف يعيش الإنسان ويكون نفسه.
ورجوعًا لحديثنا عن الخوف، فبالنسبة «لكيركيجارد» الشيء الوحيد المخيف، هو ألا يكون الإنسان نفسه، والأمر هنا لا علاقة له بارتداء الملابس التي أريد ارتداءها وسماع نوع الموسيقى الذي أحبه أو تبني الآراء التي تعجبني، الأمر يتعلق بجعل الجزء الحقيقي بداخلنا يتم التعبير عنه. كثير من الأوقات أمام الحياة نأخذ خطوة للوراء؛ هناك وقت يكون به احتياج لتوكيد الذات، تأكيد لوجودنا وللقيم التي نمثلها، وأحيانًا كثيرة لا يحصل هذا ونتراجع أمام الظروف والضغوط. ولكن على الإنسان أن يكون تجسيدًا لحقيقته، وهذا يتطلب شجاعة، وهذا النوع من انعدام الشجاعة يظهر فيما يُطلق عليه ظاهرة «التحشيد»: أن يتصرف ويفكر الجميع بنفس الطريقة، وهذا يدُل على صعوبة في أن يعبر الشخص عن شيء حقيقي. الرؤية الغالبة سينضوي الكل تحت رايتها، فالقدرة على أن يؤكد الإنسان ذاته ووجوده تتطلب شجاعة.
نجد أيضًا أكثر من مفكر يتناول الشجاعة من هذا المنطلق الذي يمكن أن نسميه منطلق «وجودي» أو «أنطولوجي»؛ ذو علاقة بوجودنا. من هذا المنطلق يمكن أن نرى أن كل الكائنات الموجودة في الكون «تكون» بشكل طبيعي؛ الشجرة تكون شجرة وتلعب دورها ولا خيار آخر. ولكن الأمر يختلف بالنسبة للإنسان، لأنه لكي يكون كل واحد منا نفسه يتطلب إرادة لأن الأمر لا يحصل بشكل طبيعي، وهذا يعني أنه إن لم يفعل الإنسان هذا قد يعيش ويموت بدون أن يكون ما يفترض به أن يكونه، أو حتى يعيش على أنه كائن آخر، مجرد عنصر تم حشره بين الطبيعة لا إرادة له أو وجود خاص به. من هذا المنطلق لن تكون الشجاعة مجرد أن «كُن شجاعًا وتدخل لمساعدة الآخرين عند الحاجة»، وهو الجانب الذي اعتدنا عليه، رغم أنه لا غنى عنه، ولكن هناك جانب آخر يتعلق بأنه إن لم يوجد تصرف شجاع تجاه الحياة قد تُهدر كلها دون أن نكون ما نحن حقًا عليه.
موقفين أمام الحياة:
أن يكون الإنسان ممثلًا لحقيقته ومعبرًا عن ذاته، نوعٌ من الشجاعة. هذا النوع من الشجاعة يعيدنا لفكرة هامة، وهي أن الحديث عن الإنسان يستلزم معرفة طبيعة وماهية الإنسان. «كيركيجارد» و«أفلاطون» وكثير من الفلاسفة يفترضون أن للإنسان جانبين: «جانب محدود» وجانب آخر «لا محدود» (جانب أسمى)، والشجاعة مرتبطة بأن يعطي الإنسان مساحة «للجانب الأَسمى» ليتم التعبير عنه، و«الجانب الأدنى» يكون في حالة من الخوف على أمانه واستقراره ويبحث باستماتة على البقاء، ولكن الجانب الأسمى بداخلنا يحاول التعبير عن نفسه، وهذه الرغبة تسبب للإنسان قلق وعدم اتزان. إذا عدنا إلى «كيركيجارد» ولو أمعنّا الفكر في جانبي الإنسان «المحدود» و «الغير محدود»، ستتضح لنا فكرة مثيرة للاهتمام وهي: أن هناك موقفين أمام الحياة قد يكونا متناقضين وكلاهما يحتاج لقدر من الشجاعة؛ لأنه عندما يدرك الإنسان مدى محدوديته، يبدأ الشعور بالخوف، ولكن من ناحية أخرى عندما يدرك الإنسان «لا محدوديته» وقدرته على أن يصير أكثر مما هو عليه الآن، يُستثار بداخله نوع آخر من الخوف، وأمام كلا الموقفين يظهر احتياج ما للشجاعة وأن يقبل الإنسان أن له حدود وإمكانية لتخطي هذه الحدود، ولكلاهما تداعيات لاحقة ويتطلبان موقفًا أمامهما.
أما عن نقطة قبول الإنسان لحدوده وإدراك ما هو أسمى وما يتخطى حدوده تؤدي بنا لمفهوم لا يربطه الكثيرون منا بشكل مباشر بالشجاعة وهو مفهوم «الإيمان»، المُرتبط بقوة بأن يأخذ الإنسان على عاتقه نوع من المخاطرة وأن يلتزم الإنسان بقوة ويضع كل قلبه في قضية أو مبدأ مؤمن هو به رغم عدم التأكد، لأنه لا يوجد أمر يمكن حسابه على هذه الأرض بالورقة والقلم ومع ذلك يقرر المرء تكريس نفسه بالكامل لهذا الأمر، وهذا لا يختلف عن موقف المحارب، ولا نقصد هنا أن يدافع الواحد منا عن المبدأ بشكل يعرضه مثلًا للموت أو للمخاطر الشائعة، رغم أن ذلك وارد الحدوث، ولكن موقف الإيمان في حد ذاته يتطلب شجاعة لأن هذا يعني أن المرء سيوجه طاقاته وحياته في اتجاه لا يوجد به ضمانات ولا يعرف له قرار، ولهذا فإن الإيمان يتطلب شجاعةً من نوع نادر.
من محاضرات اللقاء الشهري لفلسفة بالبلدي بتاريخ يوليو ٢٠٢١
لمشاهدة المحاضرة: https://youtu.be/G36vFhPG15I
قدمتها أنديرا حيدر
تفريغ: محسن نصار
صياغة: أحمد وهبة





0 تعليق