21 يوليو 2023

ما الذي يدفع الإنسان للتصرف بأخلاقية؟

المقالة الحاصلة على المركز الأول في مسابقة المقال الفلسفي ٢٠٢٣


كانت بين آنٍ وآخر تحاوطني التساؤلات، وتأخذني الحيرة…

فتارة أسأل: هل غُرز فينا الخير وفعله؟ أم أنّنا خلْقٌ يُحركنا الثواب ويزجرنا العقاب، ولا شيء دونهما؟ 

‎لا أخفي عنكم سرًا، لقد قضيتُ مع هذه الأسئلة وما شابهها عُمرًا، وعلى الرغم من بساطتها التركيبية إلا أنّ جوابها معقد أيما تعقيد،

‎ولا زلتُ أتساءل، ماذا لو استيقظ الإنسان من نومه فوجد هذه القوانين التي تحكم العالم قد سقطت؟ وماذا لو تحرر الإنسان في قرارة نفسه من النعيم الإلـٰهي، والعقاب الأخرويّ؟ كيف سيكون العالم ساعتئذ؟ 

‎ هل سيبقى كما هو ولن تزيد معدلات الجرائم، وسيعم الخير بين المجتمعات والأفراد، وسيسود حميد الأخلاق في الأقوال والأفعال؟ أم أنّ قوى الشر الكامنة ستتحرر هي الأخرى، وينفك زمام الأخلاق، وينفتح عنان الرذيلة، وتُنزع ثياب الفضيلة؟ 

‎ولم أنشغل وحدي بتلك الأسئلة وتلك المعضلات الفكرية، فها هو ذا صاحب النظرات والعبرات، وعملاق الأدب العربيّ مصطفى لطفي المنفلوطي يقول:

«لا ينفع المرء أن يكون زاجره عن الشر خوفه من عذاب النار أو خوفه من القانون، وإنما ينفعه أن يكون ضميره قائده الذي يهتدي به ومناره الذى يستنير بنوره فى طريق حياته».(١)

‎ويرى الطبيب والمفكر النمساوي الأبرز سيغموند فرويد أن الإنسان يُولد أبيض الصفحة، لا خيّر ولا شرير. (٢)

‎ولقد دارت المناوشات والمناقشات بين توماس هوبز وچون جاك روسو، فوصف الأول الإنسان بالهمجية ورآه غير مؤهل لعيشٍ مع بني جنسه في سلام وقرار إلا بالقواعد الجامحة لغرائزه، وردّ الأخير بأنّ الإنسان يظل نقيًّا صفيًّا؛ ما لم يتعرّض لظلم الفساد الطبقي المفروض عليه من المجتمع. (٣)

‎لا مناص من أنّ ازدواجية الخير والشر داخل الإنسان محلّ شكٍ وجدل، وأنّها مسألة شائكة متشابكة إنْ وصلت إلى طرفه لا تبلغ نهايته، لذا انشغل بها العديد من الفلاسفة لقرون، وكلٌ له رأيه ومنهجه، لا نستطيع أنْ نُرجّح رأيًا على حساب آخر، أو نصطف في صف دون آخر؛ لذلك سنحاول التنقيب جهدًا في أسرار النفس البشرية، ونعرض التجارب والآراء المختلفة، وكانت الدلائل أكثر شيء صِدقًا. 

وهنا نتنقل لسؤال لا بد من طرحه: هل فُطر الإنسان على الخير أم أنّ كل الخير مُكتسب وكذلك الأخلاق؟ 

الأخلاق بين الفطرة والاكتساب

في إحدى الحلقات الخاصة ببرنامج «العالم المثير للأطفال الرضع» على قناة «بي بي سي 2» أجروا تجربة على بعض الأطفال الرضع، حيث أحضروا بعض الرضع، ليشاهدوا عرضًا مسرحيًا لعرائس مختلفة في شكلها الهندسي وفي اللون أيضًا، وكانت هذه العرائس تختلف في سلوكياتها الأخلاقية، فمنها الحميد ومنها الذميم، فكانت الدائرة الحمراء في إحدى فترات العرض تحاول الصعود إلى الأعلى، ولكن سرعان ما كان يدفعها المربع الأزرق الشرير إلى الأسفل، أما المثلث الأصفر الطيب فكان يدفعها لأعلى ويساعدها، وبعد انتهاء العرض قاموا بتخيير الأطفال ما بين المربع الأزرق الشرير وبين المثلث الأصفر الجيد، وبالفعل اختار الأطفال المثلث الأصفر الجيد. قد توحي هذه التجربة بوجود شيء من الخير الفطري بداخل هؤلاء الرضع، فهؤلاء الأطفال أُخرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، لم يخبرهم أحد أنّ مساعدة المثلث الأصفر الطيّب هي الواجبة لأنها تمثل الخير.(٤)

‎وربما يرد البعض بأنّ هذه التجربة ليست دليلًا كافيًا للحكم على أن الإنسان فيه قبس من الخير الفطري، فهي تجربة على عدد محدود من الرضع، لا نستطيع الحكم على چُل أو كل البشر من خلالهم.  

‎وأيضًا قد يكون اختيار الأطفال للمثلث الأصفر بسبب ميلهم إلي اللون الأصفر أكثر من الأزرق، أو لحبهم لشكل المثلث دون الشكل المربع، لنكن حياديين ونضع كل الاحتمالات!

‎أنا أوافق على هذا الرأي ولا أبدي أي اعتراض أو تذمر، ولكن في عام 2010 وفي تجربة مشابهة قام بها مركز التطور المعرفي لدى الأطفال الرضع التابع لجامعة (ييل)، لإثبات أنّ الأطفال فضلوا بعض العرائس عن الأخرى بسبب سلوكياتهم لا بسبب الميل إلي شكل هندسي أو لون بعينه، قاموا بإحضار العرائس وكرروا نفس العرض مرة أخري أمام الأطفال ولكن مع تبديل الأدوار هذه المرة، فأصبح الطيب شريرًا والعكس صحيح، وكانت النتائج لا تختلف كثيرًا عمّا حدث في المرة السابقة، فاختار معظم الأطفال الشكل الطيب دون الشرير. وتوالت الدراسات والتجارب بعد ذلك وكانت أغلب النتائج تشابه التجربتين السابقتين.(٥)

‎حسنًا، إذا استندنا إلى تلك التجارب فقد نُرجّح فكرة أن الخير الفطري هو الدافع الذي يجبر الإنسان على التصرف بأخلاقية حسنة، ولكنّ السؤال الأهم إذًا، هل هذا فقط ما يدفع الإنسان للتصرف بأخلاقية؟ أم هناك عوامل تساعد في هذا الخير الفطري، وماذا لو نُزع هذا الخير الفطري من الإنسان؟ كيف سيتصرف الإنسان في هذه اللحظة؟

‎لا بد من وجود عوامل أخري تعين الإنسان على كبح لجام شهواته، وتجبره على التصرف بأخلاقية بجانب لمسة الخير القاطنة به، وإلا هلك الإنسان وأهْلَك إن زال منه الخير الفطري الذي بالتأكيد يتفاوت بين البشر، ولا نعلم درجة تفاوته، فمؤضان على التصرف بأخلاقية وتقوده إلى ذلك، وليس فقط اعتماده على خيره الفطري. والحقيقة أنّ هناك أيضًا عامل كبير آخر لا يقل ثقلًا ولا يدنو شأنًا عن الخير الفطري؛ وهو عامل الضمير الحي. 

‎الضمير وأيُّ معانٍ تحملها هذه الكلمة؟

الضمير في الفلسفة هو مركّب من الخبرات العاطفية، القائمة على أساس فهم الإنسان للمسؤولية الأخلاقية لسلوكه في المجتمع، وتقدير الفرد الخاص لأفعاله وسلوكه. وهو ليس صفة جينية؛ وإنما يحدده وضع الإنسان في المجتمع وظروف حياته وتربيته… ويرتبط الضمير ارتباطًا وثيقًا بالواجب، ويشعر المرء بوعيه بإنجاز واجبه تمامًا؛ بأنه صافي الضمير ومرتاح البال. أما انتهاك الواجب فيكون مصحوبًا بوخزات التأنيب.(٦)

 والضمير-في استجابته الإيجابية لمتطلبات المجتمع- قوة دافعة قوية للتهذيب الأخلاقي للفرد، وكما أنّ الضمير قوة من المجتمع، فإنّ المجتمع سبب رئيسي في قوته وضعفه، فكلاهما مرتبط بالآخر وانعكاس له في معظم الأحيان، لا جرم أنّ ضمير من نشأ في العصابات ليس كضمير الذي نشأ بين أهله الملتزمين المُلزمين، ولا جرم أنّ الضمير يقوى ويضعف، يموت ويُبعث، ونؤكد بكلامنا كلام جوستاين غاردر لما قال: «إنّ العقل والضمير يُشبهان عضلة، إذا لم نستعملها تضعف شيئًا فشيئًا»(٧)

‎أو قُل إنّه  تمامًا كالنبات، إذا سقيته نما، وإذا أهملته هلك، والبيئة تؤثر على كل حال، لذا ينبغي على الإنسان سقاية هذا الضمير من آبار القدوة الحسنة، فلا يتأسّى إلا بالأخيار ذوي الضمائر الحيّة في أفعالهم وأعمالهم. 

‎ومن هذا نستنتج أنّ التربية لها دور أعظم في تنشئة هذا الضمير، ومن بعدها الصحبة الصالحة، فمخالطة الصالحين تُصلح المرء. 

‎ومما يزيد الضمير نموًا الوعي والثقافة والقراءة، لهذا ينبغي أن يُزرع في الإنسان منذ نشأته حب القراءة والاطّلاع.

‎وعلى النقيض، إن أهملت هذه النبتة أو غرستها في أرض بوار، فلا يُرجى منها ثمر، ولا يُنتظر منها طرح، هكذا الإنسان إن لم يُسقَ بماء طيب في بيئة طيبة، حتمًا سينغمس في شهواته وشبهاته، وسيعتاد الرذيلة شيئًا فشيئًا، وسريعًا ما يذبل فيموت؛ فليحرص كلٌ منا على أن ينأى بنفسه عن كل ما قد يودي بضميره.

الجزاء بين التقويم والتعسفية

‎ومما لا شكّ فيه، أنّ منّا -اضطرارًا أو اختيارًا- من قد مات شيء من ضميره أو ضميره كله، والجرائم بمختلف أنواعها خير دليل على ذلك، فكان لزامًا وحتمًا أن توجد عوامل تحض على فعل الخير وتزجر عن فعل الشر، إكراهًا وإجبارًا، وأهمها القوانين الرادعة سواء كانت إلـٰهية أو بشرية، إذ إنّ الأديان كلها بلا استثناء تدعو معتنقيها إلى التصرف بأخلاقية عظيمة، فتبشر المصلحين بالنعيم، وتنذر المفسدين بالجحيم، ولم تختلف كثيرًا القوانين البشرية عن الأديان في هذا الأمر، فمن يلتزم يكن مواطنًا صالحًا ينتظره ثواب، ومن لا يلتزم يكن مواطنًا طالحًا يلزمه عقاب!

‎في الأخير لا يخفى اتفاقي مع المنفلوطي في مسألة أن الإنسان بطبيعته خيّر يغلب خيره شره، ومسؤول بفطرته، وأنّ قدميه تقوداه لفعل الخير والابتعاد عن الخبائث من تلقاء نفسه، وليس خوفًا من عقاب إلهي أو ردع قانوني. وما وُضعت هذه الزواجر للبطش بالإنسان إنما لإصلاحه والحدّ من شهواته إن غاب الدافع الذاتي.

‎ ما أراه أنّ العقاب الإلهي أو البشري وُضع حتى يكون عاملًا رادعًا ومساعدًا للإنسان في التغلب على شهوته وهرولته إلى الشر إن غاب ضميره أو زاد شره وانزوى خيره الفطري، ففي التهديد بالجحيم والقانون خير للإنسان وخير للمجتمع كله، فكلما تذكرت العقاب الإلهي أو بطش القانون، راجعت نفسك وحدت بجانبك عن فعل الشر، فهو أمر تقويمي وليس تعسفيًا.

‎على سبيل المثال إذا كلفك المعلم بواجب منزلي معين، وتوعد بمعاقبة من يتخلف عن القيام بهذا الواجب، هل وضع المعلم هذا الوعيد لأنه يريد عقابك حقًا، أم لأنه يريدك أن تقوم بما هو واجب عليك؟
هذا مثال بسيط بليغ يوضح أمر الجزاء الذي توعدت به الأديان أو القوانين المجتمعية.

‎خلاصة القول أن النفس البشرية تحمل خيرًا وشرًا، مهيأة للعمل بهما، متى أراد الإنسان أن يتصرف بأخلاقية، وجد من يأخذ بيديه ويعينه على ذلك من خير فطري، أو ضمير حي، أو جزاء إلهي مروّض لشهواته، أو قوانين بشرية رادعة لشروره. فأنت أيها الإنسان سيد قرارك، فاختر لنفسك ما تريد أن تكون عليه، إمّا أن تواري بدنك بلباس الأخلاق، أو أن ترتمي في أحضان الرذائل.

المصادر:- 

1.كتاب النظرات، مصطفى لطفي المنفلوطي، فصل الضمير ص٥٦٣.

2.مقال هل يولد الإنسان مجبولًا على الخير، توم أغيلتي ، موقع bbc News عربية.

3.نفس المصدر رقم (٢).

4.نفس المصدر رقم(٢).

5.نفس المصدر رقم (٢).

(٦).الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء السوفياتيين، ترجمة سمير كرم، طبعة دار الطليعة، بيروت، ص 282.

(٧) رواية عالم صوفي، جوستاين غاردر.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا