28 يوليو 2023

ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟

المقالة الحاصلة على المركز الثاني في مسابقة المقال الفلسفي ٢٠٢٣


مقدمة

«ما هو الإنسان؟» سُئِل أفلاطون هذا السؤال ذات مرة ليجيب إجابته الشهيرة: «كائن بلا ريش يمشي على قدمين». ما حاول أفلاطون فعله هو اختزال الإنسان في صفاته الفيزيائية مثبتًا له صفة المشي بقدمين، نافيًا عنه صفة الاكتساء بالريش. تكمن المشكلة في تعريف أفلاطون أنه واسع النطاق إلى حد أن يشمل ديك ديوجين الكلبي منتوف الريش، حيث قرر الكلبي تنبيه أفلاطون لخطئه بأن ذهب لمدرسة الأخير حاملًا ديكًا منتوف الريش مُعلنًا «إليكم إنسان أفلاطون»، متسببًا في تعديل أفلاطون لتعريفه بأن أضاف «مُسطَّح الأظافر»، ليصبح الإنسان كائنًا بلا ريش يمشي على قدمين بأظافر مسطَّحة. 

الإنسان بالفعل كائن عديم الريش يمشي على قدمين بأظافر مسطَّحة، ولكن هذه الصفات بالتأكيد ليست ما تجعله إنسانًا، وإلا فعلينا القبول بالقردة كإخوتنا المشعرين قليلًا. فما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟ 

ثالوث الإنسان المقدس

«ماذا عنك يا كونور؟ تبدو كإنسان، تتحدث كإنسان، ولكن ماذا أنت حقًا؟» سأل الملازم أندرسون الآلي الواقف أمامه.

الملازم أندرسون والآلي كونور هما أحدا أبطال لعبة «ديترويت»: نحو الإنسانية، وبرغم نجاح اللعبة الساحق إلا إن اللاعبين لم يتفاعلوا مع الأفكار الفلسفية الرائعة المطروحة بها بما فيه الكفاية، فنرى باللعبة كيف أن شركة سايبر لايف طوَّرت الآليِّين بما فيه الكفاية، ليبدون كالبشر ويتحدثون كالبشر، بل وينجحون في اجتياز اختبار تورينج -الذي طوره عالم الحاسوب آلان تورينج، لتمييز ما إذا كانت الآلة تفكر أم لا-، ومع ذلك فإن البشر باللعبة لا يزالون يتعاملون مع الآليين كما يفترض بهم أن يكونوا؛ آليِّين. لمَ لم يكتفِ البشر في اللعبة بالتشابه الفيزيائي بينهم وبين الآلات؟  أهذا يعني أننا كبشر نحتاج لأكثر من التفكير والشكل الفيزيائي لاعتبار كيانٍ ما إنسانًا؟  

ربما التفكير وحده بالفعل ليس كافيًا في تحديد إنسانية الإنسان، ربما المشكلة لا تكمن في التفكير، بل في مصدر التفكير؛ الوعي. هل للكيان وعي ينشأ عنه التفكير؟ أم أن التفكير مبني فيه كوظيفة فيزيائية، كحالة الآلة الحاسبة التي لا تعي العمليات الحسابية التي تقوم بها ومع ذلك تُتمها بدقة عالية لأنها مصنوعة بهذه الخاصية؟ ربما لهذا لا يمكننا اعتبار آليِّي ديترويت بشرًا؛ فهم لا يفكرون نتيجة لوعيهم، بل لأن كامسكي -المهندس مطوِّر الآليين باللعبة- برمجهم على التفكير، فبرغم قدرتهم على التفكير لا يعون أنهم يفكرون، ولأن كل ما قام به كامسكي -ظاهريًا- هو برمجة الآلات على التفكير، فقد طوَّر اختبارًا سمَّاه باسمه؛ اختبار كامسكي، يسعى الاختبار -ظاهريًا- لتحديد ما إذا اكتسب الآليُّون الوعي، فيُجبَر الآلي المُختبَر على قتل آلي آخر مقابل مساعدة في إتمام مهمة كُلِّف بها، فإن فضَّل الآلي إتمام مهمته على إعتاق حياة ابن جنسه، فهو لا يزال كيانًا غير واعٍ، لا يفعل شيئًا سوى التفكير لإنجاز مهماته كما تمت برمجته ليفعل، وإن قرر الآلي التضحية بنجاح مهمته مقابل حياة الآلي الآخر، فهذا يعني أنه لم يعد يفكر وحسب، بل أصبح يتعاطف بشكل خارج عن برنامجه؛ فقد أكد كامسكي مرارًا وتكرارًا أنه مهما بدا كأن آليِّيه يفكرون ويشعرون، فهم بالنهاية مجرد قطع بلاستيكية تقلِّد البشر، هدفها الأسمى في الحياة هو إتمام المهمات على أكمل وجه دون إلحاق ضرر بالبشر ومصالحهم.

ما تقترحه فلسفة اللعبة هو أن البشر مكوَّنون من ثالوث مقدَّس؛ الوعي، والتفكير، والمشاعر، حيث ينتج التفكير والمشاعر عن الوعي، فهل يمكننا اعتبار أي كيان واعٍ، ومفكر، وشاعري إنسانًا؟ في لعبة ديترويت لا يمكننا اعتبار الآليِّين بها بشرًا مهما بدا أنهم مفكرون، وشاعريون، ففي نهاية اللعبة يمكن للَّاعب -إن لعب أوراقه بالشكل الصحيح- أن يكتشف أن كامسكي لم يكذب عندما قال إن آليِّيه ليسوا سوى قطع بلاستيكية تُقلِّد البشر، وأن كل المشاعر والأفكار الفلسفية التي ناقشتها شخصياتنا المفضلة ليست سوى جزء من برنامجهم، فبرغم أنهم يتصرفون ككيانات واعية إلا أنهم ليسوا كذلك. حتى ثورة الآليِّين، لم يعي الآليُّون المشاركون بها معنى أن يشعروا بالاضطهاد، فهم مُبرمَجون منذ البداية للقيام بثورة عندما تزداد جرائم البشر ضدهم؛ مما يسلب تلك الثورة كل المعاني السامية التي أقنعت اللاعب أن يسعى جاهدًا في نجاحها، فقد استغل كامسكي أن البشر يستدلون على الوعي بالمشاعر والتفكير.

الوعي، لُبّ الإنسانية

إذًا يمكننا اقتراح أن أبسط ما يجعل الإنسان إنسانًا هو وعيه التي ينتج عنه التفكير والمشاعر، ولكن ما الوعي؟ الوصول إلى تعريف مناسب للوعي مهمة صعبة؛ فللآن لا يوجد تعريف واحد متفق عليه، بل تتجه بعض المذاهب الفلسفية كالمادية الراديكالية إلى نفي الوعي والعقل تمامًا من الوجود، مدَّعين أن كل ما نشعر به ونفكر فيه ليس سوى نتيجة تفاعلات كيميائية خارجة عن إرادتنا، وبالتبعية يتبنَّى بعض أبناء هذا المذهب فكرة الحتمية، التي تدَّعي أن الإنسان مُسيَّر غير مُخيَّر، تجبره جيناته على كل تصرفاته واختياراته موهمة إياه بحرية الإرادة والاختيار، ولكن في هذه الحالة، ما الفرق بيننا وبين آليِّي كامسكي؟ أسيعتبر الماديون الراديكاليون آليِّي كامسكي بشرًا؟ في الواقع، لا! لن يعتبر الماديون آليِّي كامسكي بشرًا، فهم يعتمدون في تمييز الإنسان عن غيره من الموجودات- على صفاته الفيزيائية فقط، كما حاول أفلاطون من قبل وفشل. فيرى الماديون أن الإنسان ليس سوى حيوان متطور قليلًا عن باقي أسرته الحيوانية، بما يكفي ليوظِّف بيئته لتحقيق ملذاته والتقليل من معاناته. هنا تظهر لنا لعبة فلسفية رائعة أخرى، لعبة جسد أو سوما، تتحدث اللعبة عن سيمون الذي استيقظ من غيبوبته ليجد أن البشر اُضطرُّوا للتخلي عن أجسامهم المادية بنقل وعيهم لأجسام آلية على المريخ بسبب وباء ما انتشر بالأرض. يتسبب الوباء بفقدان جسد المريض هيئته البشرية الطبيعية، وكذلك قدرته على التفكير كبشري. ويبدو أن الهرب من هذا الجحيم لا يزال متاحًا، فهناك حاسوب فائق الذكاء لا يزال يعمل بالمستشفى وقد لاحظ استيقاظ سيمون فحاول مساعدته في الوصول للآلة التي ستنقل وعيه لجسدٍ آلي في المريخ. الفكرة الفلسفية التي تحاول اللعبة مناقشتها هي: إن كان الإنسان مجرد وجود مادي لا يتم تعريفه سوى بهيئته الفيزيائية، ووعيه ليس أكثر من تفاعلات كيميائية، فهل البشر على المريخ في لعبة «سوما» لا يزالون بشرًا رغم تخليهم عن أجسادهم المادية تلك؟ تناقش اللعبة أيضًا ما إذا كان الماديون الراديكاليون ينوون نفي الإنسانية عن البشر المصابين بالمرض، وما إذا كنا ننوي تقبل أن الآلات قادرة على الوعي إن كانت تحوي وعيًا بشريًا.

في الطرف الآخر

في المقابل يقترح فلاسفة كـ ديكارت والغزالي أن الإنسان أكثر من مجرد جسد، فيكون الإنسان واعيًا، ومفكرًا، وشاعريًا، وله جسد يعمل كوعاء لهذا الجوهر المفكر. فلا يحاول هذا الفكر حصر الإنسان في جوهره المفكر كحال لعبة سوما، ولا يحاول حصره في جوهره الممتد -جسده الفيزيائي- كحال أفلاطون والماديين.

إذًا ما يجعل الإنسان إنسانًا هو وعيه وقدرته على التفكير والشعور بالمشاعر، وجسده الذي يعمل كدابة لهذه الصفات. وبرغم أن هذا هو أبسط تعريف لاقى رضاي حول ماهية الإنسان، إلا أنه ليس التعريف الوحيد الصحيح بالتأكيد، فبعض المفكرين -كالدكتور عمر الشريف- يفضّلون تمييز الإنسان بصفات أكثر، كقدرته على التنقل عبر الزمن باستخدام عقله، فيتذكر ماضيه، ويدرك حاضره، ويتخيل مستقبله، ويضيف آخرون قدرة الإنسان على تصور ما يدور في خلد غيره من البشر كصفة أخرى مميزة له، وغيرها من الصفات الكثير.

الرعب الجسدي

لا أقدر على إنهاء هذا المقال دون الحديث عن تصنيف الرعب الجسدي، فهو التصنيف الذي يحاول تحريك أدمغتنا ودفع تعريفاتنا المادية لأبناء جنسنا لأقصى حد في محاولة مستديمة للإجابة عن سؤال مهم بقدر أهمية سؤال «ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟»، ألا وهو «متى يتوقف الإنسان عن كونه إنسانًا؟»، فنرى فناني هذا التصنيف يعملون بدأب في أفلامهم وألعابهم ورواياتهم وقطعهم الفنية- على تشويه الهيئة الفيزيائية للإنسان لأبعد حد ممكن، ليُثيروا في خاطر المتلقي أسئلة من قبيل: «هل ما أراه لا يزال إنسانًا؟ أيمكنني اعتباره إنسانًا فقط لأنه لا يزال واعيًا مفكرًا قادرًا على الشعور؟» كرواية الانمساخ لفرانز كافكا، بل إن بعض أعمال هذا المجال تتخطى هذا الحد؛ بسلب الإنسان قدرته على التفكير وهيئته الفيزيائية في آنٍ واحد، كوحوش لعبة «سوما» والبشر المهندسين جينيًا في الرواية المصورة كل الغد للفنان التركي س. م. كوسمين.

المراجع

  1. ديوجين لايرتيوس، حيوات وآراء الفلاسفة البارزين، 3 ق.م.
  2. نيكولاس باباس، الكلبيون ومسطحو الأظافر عديمي الريش الذين يمشون على اثنين، ذا نيويورك تايمز، 4/4/2016 م، متاح عبر: https://archive.nytimes.com/opinionator.blogs.nytimes.com/2016/04/04/of-socrates-cynics-and-flat-nailed-featherless-bipeds/
  3. إدوارد فيسر، فلسفة العقل، الجيزة- مصر، دار الفاروق للاستثمارات الثقافية، الطبعة العربية: 2019 م.، الطبعة الأجنبية: 2006 م.
  4. د. عمر الشريف، أنا تتحدث عن نفسها، القاهرة-مصر، نيو بوك للنشر والتوزيع، 2017 م.

1 تعليق

  1. احمد نصر

    فكر ممتاز وكتابه رائعه ماشاء الله

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا