5 فبراير 2022

فن القلق

رغم ما يدّعيه الإنسان المعاصر من قوة وسيطرة على الطبيعة، إلا أنه كثيرًا ما يواجه ضآلته عندما يجد نفسه واقفًا أمام هول الكون أو لانهائية الزمن.. فيدرك للحظات حجمه ويجد نفسه في حالة رهبة وقلق من كل ما يكمن في فضاء المجهول.. المستقبل والمصير.. الآخر وحتى نفسه. نراه يعيش بين طرفي نقيض، يتأرجح بين غرور يبدو بلا حدود في تعامله مع محيطه، وعجز تام أمام الحياة، فأصبح كل من اللامبالاة والقلق سمات لهذا العصر.

هذا القلق أمام الحياة أطلق عليه البعض اسم «القلق الوجودي» لكونه مرتبط بوجودنا، ويُشار إليه في تعاليم الحكيم «بوذا» باسم (سانخارا دوخا) [Sankhara-dukkha] وهي المعاناة الناجمة عن الوجود. وتحدث الفيلسوف والرياضي «بليز باسكال» عن «القلق الدائم الذي يعيش الإنسان الحياة من خلاله». 

هو قلق ملازم لحياتنا، يذوب في خلفية الأحداث وتخفيه انشغالات الحياة أغلب الوقت وقد تبرزه الأزمات التي نمر بها من حين لآخر.

يصف عالم النفس الأمريكي «رولو ماي» في كتابه «معنى القلق» علاقة الإنسان بمفهوم القلق عبر التاريخ، ففي القرون الأخيرة من عمر الإنسان، أنكر الإنسان هذا الشعور الغير منطقي، ففي القرن السابع عشر، كان هناك انحياز واضح لكل ما هو عقلاني، وكانت المحاولة لعقلنة ومنطقة كل شيء بدءًا بالمشاعر ووصولًا للتجارب التي يمكن أن تُوصف بأنها تجارب روحية. هذه الثقة في العقل قد تكون قد حررت الإنسان من بعض الخرافات والأفكار الجامدة التي سادت لوقت طويل قبلها لكنها في نفس الوقت «انتزعت من العالم سحره» كما عبّر الفيلسوف «بول تيليش» عن الأمر.

امتاز هذا العصر بالبحث عن حلول عقلانية وعملية لمشاكل الإنسان، فوصف الفيلسوف «سبينوزا» الخوف على أنه ضعفٌ في العقل، وطال هذا الوصف الخوف والأمل على حد سواء؛ فكلاهما بالنسبة له هما توقعات غير عقلانية لألم أو متعة في المستقبل دون استناد إلى يقين. 

تطلع سبينوزا إلى يقين عقلي ولكنه لم يقصد عقلًا ماديًا باردًا فقد كانت له اهتمامات تصوفية، فنجده يتحدث عن «الحب الفكري للإله» كقوة داخلية مهمة للإنسان.

أما «باسكال» فقد رأى أن الطبيعة الإنسانية يمكن استيعابها بالتعقل الرياضي واعتقد أن المنطق هو السمة المُميِّزة للإنسان ومصدر كرامته وسط الطبيعة غير المفكرة، لكنه رغم ذلك رأى أن العقل لا يمكن الاعتماد عليه في الحياة العملية لأنه «خاضع للحواس» وتقارير الحواس خدّاعة بجدارة؛ بالإضافة لأن الثقة في العقل معيوبة لأنها تفشل في أخذ المشاعر في الاعتبار. من أقواله الشهيرة «للقلب منطق لا يعرفه العقل» ورأى أن بإمكاننا الاعتماد على العقل «فقط إذا كان العقل عقلانيًا».

في القرن التاسع عشر أصبح الإيمان بالعقل إيمانًا ب«العقل التقني» وهو تعبير استخدمه «بول تيليش» أيضًا في إشارة لاستخدام العقل لحل مشكلات تقنية في مجالات متخصصة، فقد تميز القرن التاسع عشر بالتجزئة والتخصص، ليس فقط في النظريات والعلوم لكن أيضًا فيما يتعلق بالحياة النفسية للإنسان، فتم الفصل بين العقل والعواطف.

لقد تحول اعتقاد القرن السابع عشر في إمكانية وأهمية السيطرة العقلانية على المشاعر إلى قمع للمشاعر وإنكار لأحد مكونات الإنسان الأساسية، وكان الرد على يد مجموعة من الفلاسفة أُطلق عليهم «الوجوديون» والذين عارضوا النظام العقلاني للفكر والحياة الذي نمّاه في نظرهم: المجتمع الصناعي الغربي.

ومع الفلاسفة الوجوديين ظهر القلق مجددًا في المقدمة كمسألة مهمة تستحق البحث والتأمل، فقد اهتم «سورين كيركجارد» -الفيلسوف الدنماركي الذي يعتبر رائد الفلسفة الوجودية- بمسألة القلق وقام بكتابات عدة حول الموضوع، ورأى «كيركجارد» أن أحد الأسباب الأساسية للقلق هو «ثنائية الإنسان» حيث يعيش الإنسان في صراع بين جانبين سماهما «كيركجارد»: المتناهي وغير المتناهي. 

المتناهي هو العنصر المُحدّ، المرتبط بالواقع والاحتياجات الشخصية المباشرة، بينما اللامتناهي هو العنصر التوسعي المرتبط بالإمكانيات والاحتمالات.

هذه الفكرة هي إعادة صياغة لفكرة قديمة نجدها تتخلل الكثير من أساطير العالم وكتابات الفلاسفة القدماء، والتي تصوِّر الإنسان ككائن ممزق بين نزعتين متضادتين ينشأ بينهما صراع، وقد يظهر هذا الصراع في الأساطير كصراع بين قوى الشر من ناحية وقوى الخير من ناحية أخرى، لكن الشر هنا هو ليس بالعنصر المكروه الذي يجب الهروب منه، بل هو كـ«سِتّ» الشرير في أسطورة «إيزيس وأوزوريس» والذي يمثل الاختبار، الذي علينا أن نتخطاه.

لذلك تتكون لدينا علاقة متناقضة مع موضوع القلق، فعندما يخاف الإنسان من شيءٍ ما، يتحرك في اتجاه واحد بعيدًا عن ما يخيفه، ويكون القرار سهلاً. أما في حالة القلق، نجد أنفسنا نرغب في ما يخيفنا، فينشأ النزاع الداخلي ويستمر، ويتجلى في هذه النقطة الفرق بين الخوف والقلق.

 يصف «كيركجارد» القلق بأنه «دوخة الحرية».. إنه شعور يُثار عندما ندرك أن بمقدورنا الاختيار.. القلق مرتبط بالمعضلات الأخلاقية.. تلك المواقف التي يجد الإنسان نفسه فيها أمام خيارين -أو أكثر- وأن عليه أن يختار.. قد تكون المعضلة أمام موقف محدد بعينه وقد تكون أمام الحياة ككل، عندما نسأل أنفسنا «أي حياة علي أن أعيش؟».

قد نميل لإنهاء هذا القلق بالاستسلام لأحد طرفي الصراع، وعندما نستسلم للمتناهي، نعيش حياة ضيقة، أصغر بكثير من إمكانياتنا. أما الاستسلام لغير المتناهي، فنادرًا ما يكون سهلًا، وقد نخدع أنفسنا بالقول أن الأمور الدنيوية لا تعنينا فنعيش حياة منفصلة عن الواقع، متنصلين من مسؤولياتنا، تائهين في الاحتمالات والإمكانات، وقد يستسلم البعض للقلق في حد ذاته واصفين إياه بأنه حال الإنسان وأنه لا مفر منه، فيحبسون أنفسهم في وضع كان يجب أن يكون انتقاليًا، يقفون أمام المعضلة ممزقين وعاجزين.

هذا الصراع الداخلي ليس بأمر يجب تفاديه أو تجنبه بأي ثمن، بل يجب العبور من خلاله لنكن أكثر مما نحن عليه الآن، لننمو ونتعلم. إن تحقيق الذات يتطلب أن يوازن الإنسان بين هذين الجانبين المتعارضين، أي أن يخوض الإنسان الصراع الداخلي ويمر عبر القلق، يعلن «كيركيغارد» أن «قوة الذات تأتي من مواجهات الفرد الناجحة للتجارب المثيرة للقلق».

هذه النظرة الأكثر ايجابية للأمور التي اعتدنا أن نصفها بالسيئة نجدها عند فلاسفة آخرين، فنجد الفيلسوف الرواقي «سينيكا» يصف المصائب بأنها فرصة للفضيلة والحكيم «بوذا» يشير إلى أن المعاناة هي وسيلة للوعي.

لعل ما نظنه شرًا ما هو إلا فرصة لنا لكي نعرف ونكون أنفسنا حقًا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا