15 نوفمبر 2022

عصفور من الشرق ١: التعادلية والثنائيات

” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” ( مت 4:4 )

هنا تبرز فلسفة توفيق الحكيم في الثنائيات ومفهومه للتعادلية، الثنائيات التي يعادل بينها في روايته عصفور من الشرق, ثنائية محسن وأندريه، ثنائية الفن والحياة، ثنائية الخيال والواقع، ثنائية العلم الخفي والعلم الظاهر، ثنائية الشرق والغرب، أو بالأحرى ثنائية الروحانية والمادية.

التعادلية عند توفيق الحكيم:

والتعادلية هنا ليست حالة توازن استاتيكية بين الخبز وكلمة الله, وهما مفهومي المادة والروح عند الحكيم, وإنما هي حالة غلبة أحدهما على الآخر. يقول الحكيم في كتابه التعادلية: “لا ينبغي أن تؤخذ كلمة التعادل بالمعنى اللغوي الذي يفيد التساوي، ولا بالمعنى الذي يعني الاعتدال أو التوسط في الأمور”. ويقول أيضا في نفس الكتاب: “إن معنى التعادل هو التقابل، والقوة المعادلة هنا معناها القوة المقابلة والمناهضة”. ومن هنا يتضح أن كفتي الميزان – عند الحكيم – لن تكونا متساويتين وإن دل أصل كلمة التعادلية على عكس ذلك, فيقول في حواره مع ألفريد فرج في أخبار اليوم: “التعادلية هي حركة المقاومة نفسها، وليست هي حالة التوازن الختامية التي تنتج عن المقاومة، فالتوازن موت وجمود ومستحيل”.

وهنا نسأل هل تطبيق التعادلية للإنسان على نفسه في ظل الثنائيات التي يحيا فيها تستلزم بالضرورة الميل تجاه طرف دون الآخر؟ وأن يعيش الإنسان في حالة مقاومة لأحد الطرفين طوال حياته؟

ثنائية الخيال والواقع:

يظهر عرض الحكيم لثنائية الخيال والواقع باكرا في الرواية في فصلها الأول حين كان محسن الشرقي وأندريه الغربي يقفان أمام تمثال الشاعر أثناء هطول الأمطار، وكم كان هذا المنظر باعثا على الخيال والتأمل بالنسبة لمحسن من ناحية، ومدعاة لاستنكار أندريه الذي يقول له: ” لو لم يكن هذا الشاعر من رخام، لولى الساعة هاربا هو وعروسه إلى أقرب مقهى، وتركاك وحدك وسط هذه المياه ”

واستطرادا لتلك الفكرة، عندما كان محسن يسأل صديقه أندريه عن كيفية الوصول إلى الفتاة التي يحبها, اقترح عليه أندريه أن يبتاع لها محسن زجاجة عطر ويهديها له، ولما رفض محسن تلك الفكرة لأن حبه الأفلاطوني الحالم أكبر بكثير من زجاجة عطر، قال له أندريه: إن المرأة تكسب بالواقع لا بالخيال.

الخيال – بالنسبة للحكيم – قد أتى به أنبياء الشرق لما منوا البشر بالحياة الأخرى وأعطوهم أفكارا عن الماورائيات وقدموا ردودا على المسائل الغيبية, أما الواقع – بالنسبة للحكيم – فهو من أفكار الغرب الذي لا يبحث إلا عن المادة، أو على حد قول إيفان الروسي ساخرا: “جاء نبينا كارل ماركس ومعه إنجيله الأرضي رأس المال، وألقى قنبلة المادية والبغضاء واللهفة والعجلة “.

غير أن الحكيم بميوله نحو الشرق بخياله وفنه وروحانيته قد أقر حقيقة ضرورة الاتزان بين الخيال والواقع, وهو لم يقرها صراحة وإنما أقرها ضمنيا, وعدم الإقرار بذلك صراحة نجده عند محسن الذي يهيم حبا، ولا يعرف كيف يعبر عن هذا الحب في مكان معين (فرنسا) في زمن معين (القرن العشرين) لفتاة معينة (سوزي). ولكن نجد هذا الإقرار ضمنيا حين وصف تبعات علاقته بسوزي لما هجرته بلا سبب, فغرق في خيال حبه حتى طار بأجنحة وهمه إلى السماء السابعة، وما لبثت تلك الأجنحة أن اختفت وهوى من الأعلى مصطدما بالواقع. وفي الرواية يستشهد ببيت للشاعر الياباني يقول فيه:-

إنما يبني الشاعر سعادته على الرمال

ويسطر أشعاره فوق ماء الجداول الجاري

ولكن كيف للإنسان أن يصل إلى تلك الحالة من الاتزان بين ما يجعله على اتصال دائم بروحه وبين ما يراه ويسمعه ويلمسه ويحسه؟

ثنائية الشرق والغرب:

ثنائيات الحكيم مترابطة، فهو يضعنا دائما أمام نمطين، الشرق والروحانية والفن والخيال والحضارات القديمة من ناحية، والغرب والمادية والحياة والواقع والحضارة الأوروبية الحديثة من ناحية أخرى. شخوص جبهة الغرب هما أندريه وسوزي، وشخوص جبهة الشرق هما محسن وإيفان. وعلى حد تصريح الحكيم في مجلة حوار بيروت مع غالي شكري فإن شخصية محسن هي توفيق الحكيم وسوزي هي حبيبته إيما دوران التي عرفها في فرنسا.

نجد أيضا في الرواية شخصية إيفان التي تعتبر محور الرواية أكثر من محسن, فإيفان عامل روسي «لاأدري» يستخدمه الحكيم ليظل طوال الرواية يدافع عن الشرق بتداعياته ويتحامل على الغرب بتداعياته، وقد يثير هذا شكا في حيادية الحكيم أثناء عرضه لفلسفة الثنائيات، ولكن الحكيم قد برر هذا مسبقا في مقدماته: أن يكون دائما هناك جبهة أقوى، وأن اللاأدري الحيادي إيفان سيميل إلى الشرق بأديانه بأفكاره، ولكي يقنعنا الحكيم بهذا لم يجر هذه الدفاعات على لسان محسن المصري الشرقي بأصله غير في مواضع قليلة.

يرى إيفان أن الشرق قد أقر المساواة بين البشر في الدنيا والآخرة, أما أنبياء الغرب قد أقروها بالمادة في الدنيا فقط، والغرب يستكشف الأرض بينما الشرق يستكشف السماء, فالمجد للشرق مكتشف الحلم والخيال. ورغم أن إيفان عامل روسي ولكنه لا يحب أديان الغرب لأنها تغرر بالعمال، وربما كانت رمزية مرض إيفان وموته هي نهاية تلك الأفكار التي كان يتبناها وأنه يموت وهو يكافح من أجل الرحيل إلى الشرق فكان يرجو محسن : “أيها الصديق فلنرحل إلى الشرق، إن أجمل ما بقي لأوروبا إنما أخذته عن الشرق” ، “سنذهب إلى الشرق أريد أن أرى جبل الزيتون وأن أشرب من ماء النيل وماء الفرات وماء زمزم، هلم إلى المنبع”.

يدخل محسن ذات مرة على إيفان فيجده ممسكا بالتوراة والإنجيل والقرآن متسائلا: كيف استطاعت تلك الأديان أن تعطي البشرية راحة النفس وأن تغمرها في ذلك الاطمئنان؟! ونرى هذا التحامل الحكيمي على الغرب في صورة خيالية رسمها إيفان لتلك الفتاة الشقراء أوروبا التي ولدت من زواج إفريقية وآسيا، تلك الفتاة الرعناء التي تمردت على أبويها وأصبحت لا تفكر إلا في نفسها ولا ترى في الحياة إلا الحياة. تماما كما فعلت سوزي مع محسن أو بالأصح كما فعلت إيما دوران مع توفيق الحكيم.

واضعا أمامنا مظهرا جديدا لثنائياته, ثنائية الحضارات القديمة والحضارات الأوروبية الحديثة, يبرر الحكيم تحامله على الغرب بقول إيفان: “إن الحضارة الأوروبية قدمت للإنسان بعض الراحة في أمور معاشها, ولكنها أخرت البشرية وسلبتها طبيعتها الحقيقية وشاعريتها وصفاء روحها”، “كسبنا السرعة ولكننا خسرنا ثروة النفس التي تنمو باتصالها المباشر مع الطبيعة”. ويعرض إيفان رأي هكسلي في أن أوروبا الحديثة أشاعت التعليم للدهماء فأفسدها، ولا يوجد أصلح لقلبها وعقلها من وسائل الشرق الطبيعية في التهذيب: تعمير قلبها بالدين وعقلها بالكتب السماوية. ولكن محمود أمين العالم يتحفظ هنا على هذا الرأي الأخير، او على حد تعبيره في كتابه توفيق الحكيم مفكرا فنانا: “في بعض المواضع أدان الحكيم الرأسماليين، ولكنه حرم العمال من كل إنسانية وفكر”.

هذا بعض ما قال إيفان عن الشرق، أو بالأحرى رؤية الحكيم في الفرق، بين الغرب والشرق, ولكن هل إما هذا أو ذاك؟ ألا يوجد وسط بينهما؟ هل يصعب على الرجل الثري في هذا العصر السريع أن يحافظ على طبيعة نفسه وثروتها وصفاء روحه وشاعريتها؟ في ظني يرى الحكيم أن هذا صعبا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا