عادةً ما ترتبط الخطابة في أذهاننا بالفكرة السلبية عن الخداع والتلاعب بالعقول، وهو ما تأكده وتروج له طرائق وسبل التسويق والـ «بيزنس»، وشركات الـ «كول سنتر»، ويمكن للمرء الحديث بإسهاب وتفصيل عن الشرور الأخلاقية لتلك المؤسسات وغيرها من السبل الاستغلالية، إلا أننا لو تأملنا الخطابة بمعنى بسيط ومباشر -عملية إيصال معلومة لفرد أو جماعة شفاهيًا- نجد أنه قد أُسِيء استخدام الكلمة، أو أنه تم تحميلها تضمينات قد لا تتحملها، فإنها أصبحت تشير إلى الخداع، والأحرى أن يكون الخداع هو عملية إيصال معلومة خاطئة لفرد أو جماعة شفاهيًا، وربما حتى، عن طريق الخطابة، إيصال رؤية مضللة، والخداع يمتد لأكثر من هذا أيضًا، وإذًا فإن الخداع قد يشبه الخطابة، ولكن على المستوى الظاهري فقط، فما أكثر أن نريد أن نسمّيَ شيئًا ونقول ما يشبهه.
ومن الصور الأخرى التي تطرأ وتحفز هذا المفهوم عن الخطابة ببال المرء: الخطابة الدينية والسياسية، والرأي اليوم أن أي متحدث على منبر هو بالضرورة شخص مخادع، متلاعب بالعقول، خصوصًا عقول «الجماهير»، وقد ذاع هذا الرأي خصوصًا بعد أن أصبح الكل يتحدث عن كتاب غوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير». ولذا فإنه يُنظر لأي خطاب على أنه يحمل نوعًا من التغييب الجماعي؛ ولكن من المفيد أن نأخذ خطوة للخلف ونسأل لماذا كل هذا التخوف من الخطباء، ومن أين أتى؟ وإذا افترضنا أن الخطاب السياسي هو خطاب تغييبي، هل كان الأمر كذلك دوما؟ ألم يوجد يومًا خطيب ذو نية حسنة؟ ولعل الأمر يعود إلى نوع من عدم الثقة تجاههم، وربما تعود تلك المشاعر بدورها إلى عنجهية بعض أولئك الخطباء التي تركت بصمة في ذكرى الشعوب، والأمر دومًا مفتوح للتفكير، ولكن ما يعنينا هنا هو الحديث عن الخطابة في مفهومها الأصلي والبسيط الذي تم ذكره.
وإذا نظرنا للمفهوم السابق عن الخطابة -عملية إيصال معلومة لفرد أو جماعة شفاهيًّا- وجدنا أن عملية الإيصال الشفاهي للمعلومات أو الرسائل تتطلب اختيار الطريقة الأنسب التي تتفق مع فحوى الرسالة الذي يحدد كيفية استخدام الموقف الزماني والمكاني لايصالها، وهنا يتضح مدى اتصال الرسالة الخطابية بالموقف التي هي فيه، وهذا يعني أنه قد تكون هناك رسالة غير مناسبة للموقف التي قيلت فيه، فيؤدي إلى ضياع تلك الرسالة لعدم مناسبتها للموقف الخاص بها، وقد تكون مناسبة إلا أن الخطيب لم يستخدم الأسلوب الذي يساعد على وصولها؛ فهو موقف شديد الخصوصية يجب على المتحدث (الخطيب) أن يكون مدركًا له، كما يدل ذلك أيضًا على إمكانية وجود رسالة غير مناسبة لزمنها، ولكن مناسبة لزمن آخر، أو لمكان آخر… إلخ.
وكذلك فإن فحوى رسالة الخطيب؛ أي القيمة أو المعنى الذي يريد الخطيب إيصاله، ومدى فهم الخطيب له -بالمعنى العميق لكلمة فهم، أي التلبس الكامل للحالة والإحساس اللذان يستتبعهما إدراك مفهوم أو قيمة عليا- يشكل الكيفية التي سيقوم الخطيب بتهيئة الموقف الخطابي الخاص به لخدمة رسالته، أي أن الخطيب هو مدرك أشد الإدراك لنوع جمهوره، وفي أي ظرف سيتحدث، ثم يستخدم هذين العاملين في نقل الرسالة التي يؤمن بها، والتي هو مملوء بها. فنجد أن النتيجة، هي أنه لا يمكن للخطيب من هذا النوع أن يتحدث عما يؤمن أنه قضية هامة بصوت أو روح من يقرأ نشرة الأخبار.
وهنا يمكن أن نرى الخط الذي يفرق بين أنواع الرسائل الخطابية من حيث الصدق والكذب والتضليل. إن ما يفرق بينهم هو فحوى الرسالة المراد إيصالها، هذا هو الذي يحدد موقفنا الفكري من الرسالة، ولكن الرسالة الخطابية لا تتضمن محتوى فكري وحسب، بل إن جانبها الوجداني قد يطغى على جانبها الفكري، وإن العامل الأساسي هنا الذي يفرق بين الخطباء أنفسهم هو مدى إدراك الخطيب لثقل القيمة، أو الحالة التي على المحك؛ الخطيب ذاته هو متلبس لحالة وجدانية، أو حتى مستشعر لقيمة يريد إيصالها بأي شكل كان.
وإذًا فبالمعنى العام السابق للخطابة يظهر أيضًا أن الخطابة تأخذ أبعادًا مختلفة: كالبعد التربوي الذي تظهر به نفس الفكرة، ففي الموقف التربوي ينصب التركيز على إرسال رسالة مضمونها إيصال المتعلم للدرجة التي يقدر فيها على إدراك فحوى رسالة المعلم. فهنا نجد شيئان، أولهما: أن في الخطابة (بالمعنى المذكور سلفًا) يوجد نوع من المساعدة من قبل الخطيب -المعلم في هذه الحالة- على الأخذ بيد الطالب -في حالة كان طفلًا أو بالغًا- والوصول به إلى حالة عقلية مختلفة وأعلى من الحالة التي سبقتها (أي هو قبل المعرفة مختلف عنه بعدها)، لأن المتلقي للرسالة يشعر أنه أُضِيف له شيء زاد على تجربته ونمّاها؛ فهو يرى الآن العالم من نافذة أكبر.
وفي الموقف الخطابي السياسي يظهر الأمر ذاته ولكن على مستوى أكبر، فيكون الهدف هو إيصال فرد أو جماعة لحالة اجتماعية ما تتضمنها الرسالة، فقد تكون الرسالة تتضمن الوحدة، فنرى أن الحالة الوجدانية الاجتماعية، إذا كان خطيبًا يجيد أساليب الخطابة، تتجه في اتجاه الوحدة… إلخ. وفي الموقف الخطابي الديني نجد أن الغرض منه هو إيصال الفرد أو الجماعة إلى حالة روحية معينة، وحتى في أشد المواقف اعتياديةً، كأن تحكي حدثًا ما لشخص، أو أن يقول الفرد رأيًا يراه مهمًا وسط مجموعة من الناس، أو حتى في غمرة شجار، يجد المرء نفسه دومًا في موقف يملي عليه أن يقف ويتحدث ويعطي إيحاء بطريقة محددة شديدة التحديد.
إن الأمر في آليته، أو طبيعته، لهو شديد الشبه بما يحدث في الفن، ويسمى بالحالة الفنية، فعندما نسمع مقطوعة أو أغنية ذات مستوى رفيع، أو فيلم من نفس النوع، نرى ونشعر أننا قبل تلك التجربة مختلفون عنّا بعدها، وكأنه قد أضيف شيء مختلف لنا، فأصبحنا نرى الأشياء بلون آخر، والإضافة هنا ليست معرفية، وأي محاولة لعقلنتها يكون واضحًا أنها دومًا تأتي بعد التجربة؛ إنها محاولة لفهم ما جرى. وهنا يمكن النظر للخطابة على أن بها هذا الجزء «الفني»، فيمكننا الحديث عن «فن الخطابة» إلى حد ما.
وهنا نجد سؤالًا ملحًّا هو «ما هي أنسب طريقة يمكن للمرء بها أن يعبر عما يريد أن يقوله؟» وهو ما أظنه جوهر سؤال الخطابة.
ويخطر ببالي أحد الفنون التي يظهر فيها جانب الدقة في اختيار الألفاظ بحيث يؤدي المعنى كاملًا بحيث لا يزيد عنه ولا ينقص هو الشِعر، وليس كل أنواع الشعر، إنما الشعر المنظوم المُقَفَّى. فالبناء الشعريّ من هذا النوع تكون فيه كل كلمة هي بمثابة اللبِنة التي وضعت في أنسب مكان لها بحيث تتناغم في صورة كلية مع المبنى العملاق الكبير، فإذا وضعت في غير موضعها، أو إذا أُزِيلَت بالكُلية، تداعى المبنى كاملًا؛ فكل لفظ هو موضوع لسبب، أي أن في هذا الشعر تتجلى أنسب طريقة يمكن للمرء بها أن يعبر عما يريد أن يقوله.
وإذا فكرنا بمن يُعنى بأنسب طريقة لإيصال رسالة ما سنجد أنه على الأغلب أكثر الناس انشغالًا بها، والأكثر من ذلك بفهمها، الذي يعني أهميتها ووضوحها، وأهمية ووضوح ما يريد أن يقوله مجملًا، وإلا فما الفرق بينه وبين أي حديث عابر يوضع في مستوى التوافه؟
وهنا نجد أن أهمية ما نريد أن نقوله، وحتى مدى وصوله وتأثيره يرتبط بشدة بوضوح الصورة أو الرسالة أو الفكرة التي نريد أن نقولها، فإذا لم يفهم الشخص المُخاطَب ما تريد أن تقوله؛ من المفيد أحيانًا أن نسأل ما إذا كانت الفكرة نفسها واضحة أو مفهومة في أذهاننا، وما إذا كنا حقيقةً، فاهمين الفكرة المراد التعبير عنها، وهذا يفسر كثيرًا أسباب سوء الفهم الكثير بين الناس، والمشكلات التي تنتج بسببه؛ فكثيرًا ما نجد أنه وبعد الاستماع لطرفي مشكلة ما، نرى أن المشكلة كانت في عدم وضوح المراد قوله بشكل كافي، أو عدم وضوحه تمامًا إلى درجة أن أحد الطرفين ينسى ما كان سبب المشكلة، أو لماذا هو غاضب حيالها.
وإجمالًا، فالذي يهتم بما يقوله سيفكر به أولًا، والشخص الذي يهتم بوضوح أفكاره سيدفعه هذا الاهتمام للبحث عما يستحق القول فعلًا، فيتضح هنا أن ليس كل من تحدث يستحق أن يُسمع، وليس كل ما نفكر به يستحق أن يُقال، فيبدأ المرء بالبحث عن حقيقة شيء مهم يستحق القول، مهم وكأنه آخر شيء سيقوله في حياته، وهنا سيفكر: «لو كان ما سأقوله هو آخر شيء سأقوله في حياتي، كيف سأقوله؟ كيف سأقوله بحيث ينتقل الناس من الحالة التي كانوا بها قبل سماعهم لما سأقوله لحالة تكون أضافت شيئًا لتجربتهم؟».





0 تعليق