17 نوفمبر 2022

الإسكندر الأكبر: الشاب الذي حكم العالم

كتير مننا سمع عن الإسكندر الأكبر إنه اللي بنى مدينة الإسكندرية. ممكن كمان ناس تقول إنه ذكر في القرآن تحت اسم ذو القرنين. وناس تكون شافت الفيلم اللي اتعمل عنه سنة ٢٠٠٦ من بطولة “كولين فيريل” و”أنجيلينا جولي”. لكن الحقيقة إن الإسكندر الأكبر كان ظاهرة تاريخية تتخطى المعلومات المتبعترة اللي نعرفها عنه. إيه قصة الإسكندر؟ وإيه أثره التاريخي لحد انهارده؟ وهل فيه حاجة نتعلمها منه  سواء من مثل حياته أو كتعاليم مباشرة هو كتبها؟

———————————————————————————————————–

نبذة تاريخية سريعة

علشان نعرف الخلفية التاريخية للإسكندر لازم نعرف إيه الظروف والبيئة اللي اتولد فيها. فهو كان إبن ملك مقدونيا اللي كانت وقتها تعتبر منطقة ريفية ومتجاهلة في شمال اليونان. كان شعبها شعب جبلي، بقية الإغريق كانوا بيعتبروهم غير متحضرين وإغريق من الدرجة الثانية، بسبب نزعتهم القبلية وأسلوبهم في الحياة اللي كتير بيبان عشوائي وعنيف. وكان والد الإسكندر، الملك “فيليب الثاني” هو أول من وحدهم ومدنهم وقنن معيشتهم وأعاد هيكلة جيشهم وأدخل عليه ابتكارات كتيرة خلته أكتر جيش منظم ومحترف في اليونان بعد ما كان جيش مرتزقة همجيين. وبعد فترات حروب أهلية كتيرة أرهقت المدن الإغريقية قدر فيليب إنه يوحدهم تحت راية مقدونية لمواجهة العدو الأكبر بالنسبة لهم وهو الإمبراطورية الفارسية، اللي كانت تمتد من أفغانستان لحد آسيا الصغرى (أو تركيا حالياً) والشام ومصر، وكانت دايما بتحاول تغزو اليونان وبتتدخل في شؤون الإغريق. لكن تم اغتيال فيليب ووقع على عاتق ابنه ذو ال١٩ عام تكملة المسيرة. ومن هنا بدأت رحلة الإسكندر في بناء إمبراطورية من أكبر الإمبراطوريات اللي عرفها العالم حتى وفاته عن عمر يناهز ال٣٢ عام. 

———————————————————————————————————–

كتير ممكن ينبهروا بإنجازات الإسكندر العسكرية. وهي فعلا مبهرة بكل المقاييس التاريخية. بداية من إنه يحقق أول انتصار عسكري له وهو عنده ١٦ سنة لغاية إنه يغزو إمبراطورية كاملة بتمتد من اليونان لحد الهند بجيش لم يتعدى الخمسين ألف جندي وواجه في كذا معركة جيوش تتعدى النصف مليون والمليون جندي. فكر الإسكندر العسكري وتكتيكاته لازالت بتدرس لحد النهارده في الأكاديميات العسكرية في العالم كله.

بدون الوقوع في فخ تحويل شخصية تاريخية إالى اسطورة أو إله، مهم نفهم إن إنجازات الإسكندر الأكبر هي أكتر من كونها سلسلة من المعارك والتكتيكات، بل أثره وإنجازاته بتمتد لحد يومنا هذا.

وعلشان نفهم ده مهم إننا نفهم إن حملة الإسكندر ما كانتش عسكرية على قد ما كانت حضارية، أي إنه كان دايما بتدفعه رغبة في توحيد عالمين مختلفين عمرهم ما تشاركوا حاجة في عصرهم غير أرض المعركة، وهما الغرب (الإغريق والدويلات المحيطة بيهم) والشرق (الإمبراطورية الفارسية وما وراءها من شعوب أفغانستان والهند وحتى الصين). وكان حلم الإسكندر إنه يوحد العالم والحضارة كلها تحت راية واحدة. والدليل على ده مدى احترامه وترحيبه بكل الثقافات اللي تعرّض لها على مدار حملته، وعدم محاولته للسيطرة على الثقافات ديه أو محوها أو محاولة استبدالها بالثقافة الإغريقية، بل بالعكس كان بيحاول دايما يقويها ويشوف فين نقط التلاقي ما بينها وبين ثقافته ويظهرها ويقتبس منها العناصر الحضارية.

ويكفي إن ده فتح سكة للتبادل الثقافي والفكري ما بين الفلسفة الإغريقية والفلسفة الشرقية والهندية. وكان دايما مصاحب لجيش الإسكندر مجموعة من الفلاسفة. من أشهرهم “بيرو” مؤسس المدرسة “الشكوكية” الكلاسيكية. “بيرو” درس الفلسفة الهندية أثناء تواجده هناك وبنى فلسفته اللي كانت ليها أثر كبير في الفلسفات الغربية ساعتها. ومن أشهر المدارس اللي اتأثرت بالشكوكية هي المدرسة “الكلبية” والمدرسة “الرواقية”. مش بس كده، وجود الفلاسفة كعنصر ملازم للجيش في سحفه رسّخ وجود مجرى ثقافي ما بين الشرق والغرب، فضل تأثيره موجود لقرون وقرون وساهم في ازدهار فلسفات وتيارات فكرية مختلفة سواء في أوربا أو حتى في العالم الإسلامي.

وواجب علينا ما ننساش تحريره لمصر من الفرس، وإعادة فتح بيوت الحياة، اللي كانت بمثابة مدارس للعلوم والفلسفة واللي كانت طول عمرها ضامن لبقاء الحضارة المصرية. ومن شدة الامتنان له تم تتويجه كآخر فرعون لمصر في مراسم خاصة جداً في معبد آمون في سيوة. عمر ما مواطن غير مصري تاني نال الشرف ده. كل ده ولسه مذكرناش بناؤه لمدينة الإسكندرية، اللي فضلت من أهم مراكز الحضارة في العالم على مر قرون واللي لاتزال من أكبر وأهم مدن العالم. وفي كل بلد كان بيروحها كان بيشجع ثقافتها ومدارس الفلسفة فيها زي ما عمل مع مصر.

اللي لازم نبقى واخدينه في اعتبارنا إن الإسكندر قبل ما يكون ملك كان فيلسوف. من صغره تم تربيته على يد فلاسفة إغريق، أشهرهم “أرسطو”. وده كان دايما ظاهر في حبه للفلسفة والفلاسفة في كل مكان بيروحه وسعيه إنه يلتقي بيهم ويتكلم معاهم ويتعلم منهم سواء في اليونان، أو مصر أو الهند. ومنسوب ليه إنه قال إنه لو ماكانش الإسكندر كان هيعوز يبقى “دايوجينيس” الفيلسوف الكلبي الشهير. وزهده في حياته الشخصية كان أكبر دليل، أي مغانم حرب كان بيوزعها على أصدقائه وجنوده وما كانش بيحتفظ بحاجة لنفسه، إيماناً منه إنه مش محتاج لأي مقتنيات مادية غير اللي بيكفي حاجته.

كان دايماً بيحارب أي تصرف عنصري من جنوده الإغريق تجاه أي شعب تاني، لدرجة إنه كان بيرحب بانضمام جنود ومستشارين من جنسيات وخلفيات مختلفة معاه. وده كان درس قوي في الوحدة في عصر كانت العنصرية والتفرقة هي السائدة. ويمكن من أكتر صفاته المميزة هي روح الفروسية اللي كان بيتميز بيها واللي كانت بتبان في مراسلاته مع ملك الفرس “دريوش”، عدوه اللدود اللي كان دايما في ما بينهم احترام متبادل. ويوم ما عائلة وحاشية دريوش وقعوا أسرى للإسكندر في إحدى المعارك عاملهم كعائلته وتأكد من توفير كل سبل الراحة ليهم.

كتير ممكن يشكك في نوايا الإسكندر في كل اللي عمله: معقول فيه شخصية تاريخية بالروعة ديه؟ هل ممكن يكون فيه بني آدم عمل كل ده مش في سبيل مجده الشخصي والبحث عن السلطة ولكن في سبيل قضية؟ احتمال وارد.

لكن قبل ما نتكلم في احتمالية ده خلينا نقول إن ده الفكر السائد حالياً. إن أكيد مفيش حد بيعمل حاجة من غير ما يكون وراها مكسب شخصي سواء فلوس، أو سلطة أو مجد شخصي. وإنه شبه من المستحيل إن إنسان يكون بيحارب من أجل قضية أكبر منه وحتى أكبر من عصره ومن تصور كل اللي عايشين حواليه. فبالتالي بنسقط فكرنا ده على أي شخصية تاريخية (أو معاصرة) ومبنصدقش، وبنقول إن أكيد الحكاية كان فيها “إنّ”. وإن أكيد الإسكندر ما كانش كده، أكيد كان شخص دموي، بيسعى للحرب وللسيطرة، أو إن شخصيته معيوبة، أو مجنونة، أو، أو…

يمكن…

لكن الأكيد إن الإسكندر غير وجه العالم إلى الأبد. وإنه حرك مياه كانت راكدة لقرون وقرون في ظل استبداد الإمبراطورية الفارسية في المنطقة. وترك من بعده عالم موحد أكتر أو على الأقل متصل أكتر ببعضه ومتفاهم أكتر. وأكبر تجسيد لده مدينة الإسكندرية اللي أصبحت مدينة بيتجمع فيها شعوب وثقافات وديانات وفلسفات مختلفة وفضلت مركز للإنارة لمدة قرون بعد وفاته.

يمكن قصة الإسكندر ما هي إلا أسطورة. لكنها أسطورة تستحق الوقوف عندها وتأملها، عن شاب أفنى حياته القصيرة في توحيد شعوب العالم تحت راية واحدة بغض النظر عن الفرق ما بين شرق أو غرب، إغريقي أو مصري أو فارسي أو هندي. أسطورة شاب كان عنده ميثاق شرف في تعامله مع أعدائه قبل أصدقائه. أسطورة شاب أعلى من شأن حب الحكمة والتعلم والثقافة وساب لنا إرث حضاري مهم.

الأسطورة ديه مهمة لينا دلوقتي أكتر من أي وقت فات. مهمة في عصر بيقنعنا كل يوم إن مافيش حاجة اسمها قضية، في بس أجندات. إن مافيش حاجة اسمها شرف، ما فيش غير الفوز. إن ما فيش حاجة اسمها حضارة، ما فيش غير القوة العسكرية والاقتصادية. إن ما فيش حاجة اسمها فارسات وفرسان، ما فيش غير ناس بتاعة مصالح.

الأسطورة ديه لكل شابة وشاب عندهم طاقة محسساهم إنهم ممكن يغزوا العالم وإن قدرهم إنهم يعملوا حاجة مهمة ومفيدة حتى لو لسه مش عارفين هي إيه.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا