نعيش اليوم في جو معبأ بدخان الحزن، مراهقين لم يشهدوا كثيرًا من الحياة يصنفون أنفسهم كمصابين بالاكتئاب، حالات انتحار لمختلف الفئات العمرية تنتشر في الصحف، حتى أصبحت شيئًا اعتياديًا، نقرأها ونقلب الصفحة لنتصفح إعلانات السيارات والوظائف، إحساس عام بأن الوجود يعجز عن احتواء هموم صدور الناس، غيومٌ تمطر مللًا واعتيادًا ومعاناةً وألمًا… تمطرها على الكل في زمننا هذا، فنلاحظ أنها لا تفرِّق بين غني وفقير، ذو منصب ومهمش، صاحب جاه ومصاحب للحرافيش، فنرى من خلال علم النفس أن الحل للآلام ليس في الغنى أو حتى الثراء الفاحش كما نتخيل جميعًا، فتصوُّر أن الألم ينتهي حين نتخذ قصرًا كمسكن، وبلدًا أوروبيًا كمصيف كل عام، وأموال إذا وُضِعت فوق بعض تخبئ أهرامات الجيزة -كما نقول في أمثلتنا- سيحل مشكلة المعاناة أو الحزن هو من التصورات المراهقة، فمن ناحية علمية بحتة يخبرنا علم النفس عن «التكيّف العاطفي» أو «self adaptation» وهو مصطلح يشير إلى شيءٍ يحدث معنا جميعًا، فتذكر أيها القارئ أول مرة حصلت فيها على منصبٍ مهم مثلًا، أو شيء كنت تحلم به، فرحة وسعادة تغمرك وتحافظ على الشيء الذي حصلت عليه كأنه يمثل وجودك، تذكر كيف كنت تتشوق لحصولك على هذه الأمنية، وتعتقد أنك بامتلاكها ستهدأ جروحك، فنحن نشتاق لأحلامنا كأنها المسيح الذي سيخلصنا من آلامنا، ولكن بعد أن نحصل على ذلك الحلم بفترة، نعتاد عليه ونألفه ونرجع مرة أخرى إلى نفس حالتنا، ونكتشف أنه لا يوجد شيء يشبعنا إلى نهاية الحياة، هذا هو بالضبط ما يشير إليه مصطلح التكيّف العاطفي.
ولكن أسأل نفسي، هل لا يوجد أي شفاء لجروحنا؟ أي خلاص لآلامنا؟ أي حد لوقف نزيف المعاناة؟
نلاحظ فكرة متكررة في ثقافات بعيدة عن بعضها البعض كمكان وكزمان، التصوف الإسلامي، الرهبنة المسيحية، جلال الدين الرومي، بوذا في الشرق والرواقيون في اليونان، وعلى الرغم من بعدهم عن بعضهم البعض الكثير في المسافة والزمن ولكننا نجد تلك النظرة الواحدة والمشتركة التي من الممكن أن تساعد جدًا في حل جزء من معاناتنا، وهي نظرتهم للتعلق، وكيف أنهم وضعوه كسبب للألم والمعاناة، ونتفكر معًا لعلنا نجد إشارة تهدينا في التيه، وبصيص من النور يرشدنا في الظلام في الفقرات التالية.
يجدنا بوذا في صحرائنا الحزينة ليعلمنا كيف نتحرر ونصل إلى الواحة المنيرة، فبوذا اهتم كثيرًا بالتحرر، التحرر من كل شيء والوصول للاستنارة أو النيرفانا أو الخلاص، ووضع بوذا سبيل للوصول للتحرر، وهو عدم التعلق، ومن المشهور عن بوذا أنه كان يتحدث عن السبيل للنيرفانا بعدم التعلق بالشيء الفاني تحديدًا، ولكن بوذا يكلمنا وسط صحرائنا ويحدثنا عن أن حتى من يريد أن يصل للنيرفانا يحتاج ألا يتعلق بالوصول لها، فالتعلق عنده مقسومٌ لقسمان، الأول: هو التعلق بالفاني، والثاني: التعلق حتى بالخلاص أو النيرفانا، الأول لأن بوذا يعتبر الشيء الفاني هو وهم وغير حقيقي، وهذه الفكرة نجدها متكررة بشدة في فلسفات كثيرة، والثاني لأن التحرر يحتاج إلى عدم التعلق بأي شيء حتى ولو كان هذا الشيء هو التحرر نفسه.
وأستطيع أن أدّعي أني فهمت لماذا اهتم بوذا بعدم التعلق من خلال مثال في التصوف الإسلامي وقصيدة لجلال الدين الرومي، فنجد في المثال تشبيه للإله بالبحر، والبشر هم زجاجات مغلقة طافية عليه مملوءة بماء البحر ذلك، ونحن -أو الزجاجات- علينا الكثير من الملصقات، أشكالنا وشخصياتنا ورغباتنا وغرائزنا، ونحن في حقيقتنا لسنا سوى ماء البحر، نحن لسنا الزجاجات أو الملصقات ولكننا الماء داخل الزجاجة المشتاق إلى الخروج للاندماج بأصله المطلق، الذي هو الإله أو في هذا المثال البحر، والحل للوصول إلى هذا الاندماج والخروج هو بالتخلي عن تلك الملصقات والأشكال، الزهد كما في التصوف الإسلامي والرهبنة المسيحية، ألا نرى كيف أن المتصوفون والرهبان يزهدون في الامتلاك، ويذهبون بعيدًا عن الدنيا التي تدعو للتملك، باعتكاف في مسجد، أو اعتزال في دير؟ هم راغبون في الوصول لهذا البحر المطلق الذي يفيض فيهم، لنفخة الروح التي لم تُلوث ولم تتألم قط، وعلى ذكر التألم، تأتي قصيدة أنين الناي لتشرح لنا شكل التألم عند البشر وسببه، فجلال الدين الرومي يشبه البشر بالناي المتألم، والذي يبث صوت الحزن والأنين لا لشيءٍ إلا لأنه قُطِع عن أصله الذي هو نبات الغاب، فالناي دائمًا صوته به ألم؛ لأنه يشتاق للرجوع إلى أصله، كذلك الإنسان عند جلال الدين الرومي هو متألم لاشتياقه لأصله الذي هو الإله، لوحدته في محبسه المادي الذي لا يؤنسه إلا البحر الإلهي المطلق، ووجدتُ لحظتها أن الرومي يشرح لنا سبب الألم، وبوذا يساعدنا في التخلص منه، فالغربة الرومية يحلها التخلي البوذي.
ومما ووجدته متشابهًا أيضًا مع فلسفة بوذا هو طريق التصوف الإسلامي، فمن ناحية الزهد في الفاني، فالتصوف عمومًا والإسلامي خصوصًا، هو يبجل ذلك السبيل بشدة، فالطريق لله أو للتحرر من الألم حتى، هو بعدم الالتفات للحياة الدنيوية، بما فيها من غرائز ومناصب وشهوات وأطماع، فالمتصوف يصل للإله بقلة الزاد والمنام، ليجعل الجانب الجسدي منه غير مسيطر، ولكن الجانب الروحي الذي هو الجوهر في هذا الطريق، ومن ناحية أخرى فبوذا يحث على عدم التعلق بالتحرر للوصول إلى التحرر وهذا أيضًا مما نلقاه في ثقافتنا، فعند المتصوفين نجد أنهم غير متعلقين بالوصول للجنة مثلًا، فنسمع رابعة العدوية وهي تناجي الله فتقول: «ما عبدتُك طمعًا في جنتك، ولا خوفًا من نارك»، وحتى في علاقة المتصوف مع الإله نفسه، هو غير طامع في الوصول إليه من باب الفرض والغصب والإنجاز، ولكنه من باب أن هذا هو الطريق الطبيعي العادي المرسوم لكل إنسان أن يمشي فيه، فهم يسلكون الطريق كقانون داخلي، ونجد أيضًا الفكرة المنتشرة في التصوف عن أن الإله نفخ في آدم من روحه، فبالنسبة لهم هم يعرفون الله بمعرفة أنفسهم، أو جوهرهم الذي هو الروح المُمدة من الله، ومما يتخذون كدليل من التراث الإسلامي على موقفهم حديث: «من عرف نفسه، فقد عرف ربه»، فلا يوجد عندهم ذلك التعلق بالوصول كما عند البوذية أيضًا.
وذلك كله لا شيءٍ إلا مجرد إشارة في مفترق الطرق، ومنارة لعلها تهدينا في ليل البحر الدامس، فلا أدّعي أني أملك الحل ولكن لعله طريق مختلف وسط الطرق التي جربناها جميعًا للتخلص من الألم، وفقط ستعرف إذا كان الطريق في نهايته التحرر أم الخديعة، حين تفعل شيئًا واحدًا…حين تخطو في الطريق.
يُتبع…





0 تعليق