15 نوفمبر 2022

“الوضوح” في فيلم الاختيار

إن الإنسان يقع في مأزق عندما تختلط عليه الأسباب الحقيقية التي لأجلها اتخذ طريقًا ما في الحياة، إنه يقع في مأزق عندما يتشوه المعنى الذي كان ينشده، فنجد أن الذين يمتهنون مهنةً ما -ولنقل المحاماة وسلك القضاء- يمتهنونها -أغلب الظن- لأن القدَرَ كتبها عليهم؛ فيسعون منها إلى ما وراءها في المقام الأول: النجاح الوظيفي (المال).

 ثم إنهم يتوهمون الإخلاص والحب الكامل لمهنتهم، ويختلط عليهم الأمر اختلاطًا يضعهم في مآزق نفسية وحياتية، قد يكون بعضها مصيريًّا، لأنهم يكتشفون متأخرًا جدًا في كثيرٍ من الأحيان، أنهم لم يحبوا عملهم يومًا، وأنهم أنفقوا عمرًا في شيءٍ لا يعبر عنهم، لا يجيب عن شيءٍ ما بداخلهم.. عن طبيعتهم.. إنه لا يجيب بالمرة عن سؤال: من أنا؟ فيظلون فارغين من الداخل، معَرَّضين للسقوط في قاع العدمية بمجرد أن يسألوا هذا السؤال، لا بعقلهم وحسب، بل بكامل وجدانهم. ولك أن تتخيل كيف سيكون شكل مجتمع هذه هي أساريرهم، وهذه هي دواخلهم؛ إنه مجتمع لا يعرف ما يريد، فاقد الصلة بماضيه، غير بصير بمستقبله، إنه يعيش اليوم بيومه، فيُصدم ويتهالك إذا قيل له أن اليوم وحده لا يستحق أن يُعَاش.

وعلى الطرف الآخر، يوجد من امتهن مهنة ما لحبه لها، ولنقل أيضًا أنها في مجال المحاماة وسلك القضاء -والحقيقة أن ما قيل حتى الآن يمكن إسقاطه على أشياء كثيرة أخرى كمجال علوم الحاسب (computer science) ولكن المشكلة ليست في المحاماة والقضاء أو علوم الحاسب- ولكن حب القضاء ليس هو ما يدخل الأموال في جيوبنا.

أن يعمل المرء شيئًا يحبه يعني أنه سيفعله بمقابل أو بدونه؛ ولكن أسواقنا لا يدفعها الحب، بل احتياجاتنا؛ فنحن نحتاج، والسوق ينشط ليُلبي ذلك الاحتياج، ولذا فإن علينا أن نحتاج شيئًا ما في كل لحظة، وبالتالي فإن من أحب مجالًا ما -أيًّا كان- وجد أنه كي يمتهنه ويتبحر فيه يحتاج إلى ما يكفل له ما سيساعده على تحقيق المال.

ولكن تحصيل المال لا ينتهي، ونحن لا نصل أبدًا إلى النقطة التي نقول فيها: لقد تحصلت من المال ما يكفيني بقية حياتي، يمكنني الآن التفرّغ لما أحب، لما أرى أن له قيمة. إن المال احتياج لا يمكن اشباعه، وهكذا يفقد المرء المعنى الذي لأجله اتخذ طريقًا في البداية، وأصبح يدور في حلقة، أشكك كثيرًا في القيمة منها.

إن هذه الأزمة الانسانية هي التي دفعت يوسف شاهين للتعبير عنها في فيلم الاختيار، وكان نجيب محفوظ هو من رسم الملامح المحورية المراد للفيلم التعبير عنها، وقام عزت العلايلي بتجسيد هذا في شحصيتَيْ «سَيِّد» و«محمود».

بين محمود وسيد نرى عمق الصراع النفسي الذي يدور في ذات واحدة ترفض أن تقبل حقيقة عن نفسها، فتنكرها تارة وتطردها تارة، ودومًا ما يغلب على هذه العلاقة طابع العداوة والصراع الشديد؛ فهي علاقة سلبية وهدامة في طبيعتها، وتدميرية في إحدى مراحلها. فالحل الوحيد الذي يطفو على السطح، ويعمي النظر ويملؤه بالغضب الذي يسكر النفس فيعميها عن رؤية أي شيء آخر في مشكلة صراع من هذا النوع، هو أن يقضي أحد الطرفين على الآخر، وفي قضائه عليه فهو يقضي على الفكرة، أو هو يقضي على الحقيقة التي لا يريد أن يقبلها. هو فعل رمزي من محاولة يائسة للقضاء على الحقيقة.

يرفض «سيد» حياته المترفة، ويحسد محمود دومًا على بساطته ووضوحه وقدرته على التصالح مع ذاته، وبالتالي مع الناس ومع الحياة. فالحقيقة التي كان ينادي بها «محمود» والتي كان يخيف بها الجميع، ويهرب منه الناس بسببها هي حقيقة أنه لا يمكن أن نهرب من أنفسنا، فيُظهر الفيلم كيف يعاني الناس بسبب رفضهم أن ينظروا خلف الكذبات التي بنَوا عليها حياتهم؛ كذبات كبروا معها وعاشوها فأصبح من الصعب عليهم أن يعرفوا من هم؛ لقد فقدوا كل اتصال حقيقي بأنفسهم، وأصبحوا يعيشون كالمسوخ. إنهم يعيشون حياةً ليست حياتهم، ويتلبسون رداءً رثًّا ليس رداءهم، إنه رداء حاكوه بالزيف والكذب ليخفوا به حقيقة يرفضونها، لقد أصبح أكبر تهديد لهم هو أنفسهم. 

عندما لعبوا لعبة الحقيقة التي اقترحها محمود، اللعبة التي كان شرطها ألا يكذب أحد، نرى كيف كانت تلك اللعبة عذابًا لهم، إنها تعني مواجهتهم لذواتهم الحقيقية، ونزع الرداء الزائف الذي يرتدونه. ونتاجًا لهذا لم يجرؤ إلا قلة على أن يلعبوا اللعبة، وأولئك الذين وافقوا على اللعب كانوا يعرفون حقيقة عن أنفسهم، حقيقة كانوا يتجاهلونها، ويتظاهرون بأنها غير موجودة، وهم بين ثنايات أنفسهم متيقنون أنها موجودة. أولئك هم من لم يقدروا على أن يمتنعوا عن اللعب، فهي شيء يركض وراءهم ويهددهم بالدمار، ولذا كان البوح به هو الطريقة الوحيدة للاعتراف بوجوده، وبالتالي مواجهته، وكان نتاج هذا الفعل أن تغيرت حياتهم تمامًا، وأصبحوا أمام مشكلة واختيار سيحدد مسار حياتهم للأبد. فبعد أن اعترفوا بالحقيقة وقعت عليهم مسؤولية معرفة الحقيقة؛ أي التصرف على أساسها. 

إن محمود كان يسخر منهم جميعًا لجُبنهم، وكان هذا أيضا سبب عداء سيد لمحمود، كيف لهذا الإنسان البسيط أن يعرف كل هذا، بتلك البساطة والمباشرة؟ إن سيد.. المفكر.. الفيلسوف.. المتحذلق في نظر محمود، لا يقدر على أن يأتي إجابة واحدة من جملة بسيطة كما يفعل محمود، إن سيد في عين محمود هو كأولئك الكذابين، فهم يتخفون خلف كذبهم، وهو يتخفى خلف تعقيداته وتفصيلاته الفكرية والفلسفية. 

إن محمود يهدد كيان سيد، وما كان لسيد هنا إلا أن يستنكر محمود، أن يلفظه خارج حياته تمامًا، ولكن محمود جزء منه، إنه يشاركه الحياة، بل إنه يشاركه نفس الدماء، فكانت الوسيلة الوحيدة للتخلص منه هي قتله، إن الحل الظاهري الوحيد للقضاء على الفكرة هو القضاء على حاملها، فقتل محمود هنا هو فعل رمزي ونفسي يهدف للقضاء على الفكرة، ولكن الفكرة لا تموت.

كان سيد يعلم بداخله أن محمود على حق، أو أن له نصيبًا وافرًا من الحقيقة: هو جزء من الحقيقة لا يقدر سيد على دفعه، فكان هنا الصراع والأمر الذي أدى بسيد للتخلص من محمود؛ ولكن لم ينفعه قتل محمود، فمحمود لم يمت، بل عاش فيه، فكان هنا مأزق سيد، على سيد أن يكون واضحًا، أن يعترف بذاته الحقيقية، أن ينظر لنفسه في مرآة الحقيقة، وعندها فقط لن يكون محمود سببًا لاضطراب سيد، بل سيكون عندها محمود صديقًا.

إن بداخل كل منّا محمود يناديه من حين لآخر، علينا أن نسمع هذا الصوت، فهو صوت أنفسنا الحقيقية، إن في آخر طريق الحقيقة يقابل المرء نفسه. 

محمود: عارفين في آخر الطريق الواحد بيقابل مين؟

– ربنا؟
– الشيطان؟ 

محمود: الواحد هيقابل الأسوأ من الشيطان، هيقابل نفسه

لكي يقابل المرء نفسه عليه أن يكون عبدًا للحقيقة وحدها.

يتجلى في هذا عمق وأهمية نصيحة سقراط «اعرف نفسك»، فلا منقذ ولا مفر للإنسان من نفسه، إن عرف ذاته عرف الحقيقة، وإن خسرها، خسر العالم كله.

«لأنه بماذا ينتفع الإنسان إن كَسِب العالم كله وخسر نفسه؟».

  • طالب جامعي متعدد الاهتمامات والهوايات، من ضمنها الاستمتاع بالتمشي سائحًا تحت ستار الليل في الشوارع المشجرة الوحيدة، وسواء كنت وحدي أو مع رفيق، فأنا أشعر دومًا بدفء المعنى الذي أحمله وأراه وأنا أمشي، فبالكتابة بوثقه، بخلقه، بحميه من العدم وبوجده، وبتمنى الحقيقة تكون هي الدافع والطريق حتى لو مكانتش المصير.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا