10 مايو 2024

في الصداقة وأشياء من هذا القبيل

الصداقة


من بين جميع الأشياء التي تستثمرها الحكمة لإنجاز نعمة الحياة الكاملة، امتلاك الصداقة أفضلها

أبيقور

في عصر معولم كهذا، يجب أن يسمى عصر العلاقات الإنسانية بامتياز، حيث سهولة التواصل وسرعتها، فمتى كان، يمكن أن تتصل بأي شخص في أي مكان على الأرض في غضون ثوانٍ أو أجزاء من ثواني.
ولا أحتاج للاستطراد في ذلك و ما يهمنا هو ملاحظة أن علاقة طردية تزايدية تنشأ بين انفصام عرى العلاقات مع تعدد طرق العولمة ومداخلها، فتُبتر الجيرة وتقتل العائلة وتنتهي الصداقة ولا يصبح للتواصل الإنساني محل، ويحل محله تواصل في واقع افتراضي، حيث نفس الأشخاص بدل أن تتواصل معهم بشكل مباشر ووجهًا لوجه، ترسل لهم وتنتظر ردًا، وهو ما يزيح الكثير من التحرجات الاجتماعية وما يلائم إنسان اليوم الجبان الذي يخاف حتى من الاعتذار، ويتوحد الإنسان مع عالمه الافتراضي فيخلق فيه كل ما كان يجده وما لايجده في الواقع، ولا يصبح المجتمع حينها قضية للإنسان، بل يصبح مجتمعًا افتراضيًا اختار كل شيء فيه، نختار فيه القضايا التي نود أن نخوضها لا القضايا التي يتحتم علينا أن نخوضها، ونختار فيه الأهل والأصدقاء والجيران والأحباء، وتنتهي من الواقع تلك العلاقات، وأنا على وشك الحديث عن إحدى هذه العلاقات التي أظن أنها بدأت تندر، الصداقة.

علاقة ظاهرها معروف وباطنها خفي، تدفع للحيرة والتساؤل.

فبلا شك هي من أكثر العلاقات التي نعايشها أو ندّعي ذلك ومن أطولها عمرًا وربما تبدأ من طور الطفولة حتى رحيلنا عن العالم، والإجابة عن ماهيتها دومًا ما يجر إجابات عن بعض خواصها وليس عن جوهرها. وقد أردت أن أسبر غور الصداقة لأنه ما انفك المرء يتساءل عن أمر يعايشه كل يوم دون أن يملك له وصفًا، وقد سمعتُ آراء متعاكسة تمامًا بين نفس الأصدقاء، حتى بين أصدقائي أنفسهم عندما تساءلنا عن ماهية الصداقة، رجوت أن تكون هذه الكلمات والسطور عتبات أبدأ من خلالها فهم واحدة من أكثر العلاقات التي يجد المرء فيها ذاته ويعرف نفسه من خلالها، لعلها تضع علامات في طريق الصداقة، وتكون عونًا نبني بعدها وعليها.

ولحسن الحظ فأنا لا أسأل هنا من دافع الجهل التام بكنه الصداقة، فقد خبرتها سنينًا، ولكني أسأل من دافع التعرف بالأشياء ومنحها أسماءً، والتمسك بالمعاني، وعدم إطلاق أسماء على غير مسمياتها، فاليوم نجد الكثير يستخدمون كلمة «صديقي» بدلًا عن كلمات أخرى مثل «يا اسطا» أو «يا صاحبي» أو «يا زميلي» أو «يا معلم» أو ربما يعنون «أي شخص» ونجد كلمة «الأصدقاء» أو «Friends» في مواقع التواصل الاجتماعي، ونجد أن أي اثنين يمرحون معًا قليلًا ويتبادلون أرقام الهواتف وربما مع رقم الهاتف يتبادلون سرًا لا يجب أن يبوح به المرء، فما إن باح به حتى شعر أن الآخر أصبح صديقه وأصبح ملكه، ونحن أصلًا في زمن الإفشاء والإباحة والجهر بكل شيء لأي أحد ولا أقول لأي صديق، وحتى لأي أحد بل لأي شيء حتى لو كان افتراضيًا، يجهر فيها الناس بكل سريرة، حتى لم يعد التعري أمام أحدهم شيئًا نادرًا نخص به شخصًا أو شخصان في الحياة، بل أصبح التعري هو سمة حياتنا، مؤخرًا بدأ أناس لم أرهم سوى لدقائق يشاركون معي تفاصيل حياتهم وكأننا أصدقاء منذ نعومة الأظافر، أتساءل هل لا يجدون من يصادقهم فيشاركون قبل أن يصيبهم المرض النفسي من انفصام أو صدمة، فيحاولون تفريغها قبل إصابة بخلل عقلي، ربما. وربما لا أبالغ إن قلت إن غياب الصداقة الحقيقية في عالمنا من أكبر مسسبات الأمراض النفسية وتدهور الأخلاق في مجتمعنا، بل أظن أن غياب الصداقة عائد لعصر الفردية الذي يظن فيه الفرد منا أن بإمكانه الاكتفاء بذاته والعيش منعزلًا عن إخوته في الإنسانية، ولما استغنى عن الصداقة لم يستطع الاستغناء عن أخص خصائصها وهي الاحتياج للمشاركة والتعاطف والدعم، فجهر لمن لا يجب الجهر له وفي غير محله.

وقد أُنعِم علي في هذه الحياة بصداقات عظيمة وعديدة وكثيرًا ما تتراءى لي الوجوه التي ملامحها مواقف من النبل الإنساني الخالص، في زمن مليء بالخسة والريبة، لتقف شامخة فوق كل ما يتغير حولنا وكل ما نسمعه من مشيبات للرأس، مخيبات للأمل، منكسات للعقل، ولطالما قيل في زمن الضيق تجد الرفيق، لأنه لا مندوحة أن تجد في زمن العز من يلازمك ولكن في زمن الضيق فهذا ما يكون فريدًا، ولكني أتعجب نفسي والأصدقاء كيف يشعر المرء ويعايش بوجدانه خبرة مثل هذه سنينًا ويضحي لأجلها بكل نفيس ولا يعرف جوهرها الذي إذا فُقِد، انتفت الصداقة.

فهؤلاء أصدقاء تشعر معهم بالمرح، وأولئك أصدقاء الفكر، والقليل جدًا أصدقاء الروح والصمت البليغ، والبعض أصدقاء العشرة والعيش والملح، فهل هذه كلها أنواع من الصداقة؟ أم يجمعهم شيء مشترك؟ وما الحدود الفاصلة بين صداقة تمنحنا المتعة فقط أو المتعة التي تأتي بطبيعة الحال من الصداقة الحقيقية؟ كيف نميز بينهما؟ وهل هناك سمات معينة يجب توافرها في الصداقة؟ وهل عايشت تلك الخبرة، حيث لم يعد أصدقاؤك القدامى على نفس الدرجة من الطريق الأخلاقي والهدف من الحياة والمستوى الفكري؟ ماذا شعرت؟ هل تساءلت مثلي عن ماهية الصداقة؟ هل يجب أن يتوافقوا معي؟ هل يجب أن يتفهموني؟ أم فقط نحن سويًا أصدقاء. ربما يحتاج المرء في زمن مائع مثل زماننا أن يحدد بشكل قطعي جوهر علاقته بالآخرين، حتى لا يتخاذل في وقت يحظر فيه التخاذل.

وقبل محاولة الإجابة لزم التنويه بأني استلهمت من الأصدقاء الذين سألتهم طيلة أشهر والذين عايشتهم طوال سنوات خلابة دافئة ورحيمة، ومن الفلاسفة أمثال سقراط وكانط وأرسطو وأبيقور كلمات لمعانٍ بداخلي لم أستطع التعبير عنها ولكني خبرتها، وكذلك استعنت ببحث «عن الصداقة من منظور فلسفي» للدكتورة أميمة ضياء الدين مدرسة الفلسفة اليونانية بجامعة الإسكندرية واقتبستُ منها، ولذلك فربما نقلت من فلاسفة مختلفين ولم أُشِر إليهم، لأني لم آخذ منهم إلا وما يتفق مع ما رأيته جديرًا بالذكر فيما يخص الصداقة، وأول سؤال أطرحه: حول ماهية الصداقة مباشرة.

ماهية الصداقة وأنواعها:

اهتم أرسطو اهتمامًا بالغًا بالصداقة في كتابه الأخلاق النيقوماخية وأفرد لها ما يمكن أن يجيب عن بعض تساؤلاتنا، فمبدئيًا لا يعرف أرسطو الصداقة كما نعرفها نحن ولكنه يعتبر كل العلاقات تندرج تحت علاقة الصداقة. حتى علاقة الأقارب وعلاقة الزوجية، كلها علاقات صداقة، كما يدرج بعض علاقات العمل، وهو مبدئيًا ما يجعلني أفهم قليلًا سبب تتويجنا لأي علاقة بالصداقة، فنجد أن الأب يعزز علاقته بابنه بأن يكون صديقًا له ويقول المثل: «إن كبر ابنك خاويه»، ونجد العلاقة الزوجية تصل ذروتها في أن يكون الشريك هو أقرب صديقٍ لك، وهكذا.

ولكن إذا كان  المقصود أن كل علاقة هي علاقة صداقة فستكون الصداقة علاقة عائمة، فأي علاقة هي صداقة والسلام، ولكن ما الذي يقصده أرسطو بذلك؟ 

يبين أرسطو فى بداية بحثه فى الصداقة ضرورة هذا البحث؛ لأن للصداقة سمة الفضيلة، أو على أية حال تتضمن الفضيلة. بالإضافة إلى أنها من الأشياء التى لا يمكن احتمال الحياة بدونها؛ فلا يمكن لشخص أن يختار وجودًا بلا صداقة، وإن امتلك كل الأشياء الخيرة الأخرى فى العالم. إن الصداقة ضرورية للحياة الخيرة، ليس هذا فحسب بل إنها فى حد ذاتها شئ خير وجميل.

ويميز أرسطو بين ثلاثة أنواع للصداقة يُعرف كل منها بما يجذب الأشخاص ويربط بينهم. هناك صداقات تقوم على اللذة، وصداقات تقوم على المنفعة، وصداقات تقوم على الخير والفضيلة. وتتحدد هذه الأنواع على أساس تصور كل واحد عن الآخر، أمُتوقعٌ منه لذة أو منفعة أو خير أخلاقي، وليس بناء على طبيعة كل واحد حقًا.

ويجب أن يكون هناك نوع من التبادل في المشاعر وأن تكون هذه المشاعر معروفة لكلا الطرفين، بحيث إذا انتفى التبادل، لن تكون صداقة، قد تكون علاقة حب من طرف واحد ولكن لكي تكون صداقة لا بد أن تكون علاقة متبادلة، وإلا كيف يكونان صديقين وأحدهما لا يعترف بهذه العلاقة؟!

يصف أرسطو صداقة الفضيلة بأنها تامة، ليس لاتصاف الأصدقاء بالفضيلة فحسب، وإنما بسبب الإمكانيات الأخلاقية الكامنة في هذا النوع من الصداقة لأنها تعِدُ بإمكانية النمو فى الفضيلة والشخصية، والذى لن يكون ممكنا خارج هذه العلاقة. إن حقيقة أن فضيلة كل طرف غير كاملة، هو نفسه السبب الذى يجذب أحدهما للآخر، ويجعله فى حاجة لصداقة الآخر، فمن خلال صداقة الفضيلة تنمو وتتطور الصفات الخيرة التى يمتلكها الأصدقاء. إن صداقة الفضيلة أو الشخصية تامة ليس لأن الأصدقاء كذلك، ولكن لأن الحياة الأخلاقية غير ممكنة بدونها.

إن صداقة الفضيلة إذن هي النوع الرئيسي والمركزي للصداقة. توجد هذه الصداقة عندما يمضي شخصان وقتًا كافيًا ليعرفا ويثقا ببعضهما البعض، إلى أن يحبا بعضهما البعض بسبب صفاتهما الإنسانية الخيرة، فيتمنى له الخير لذاته، اعترافًا بخيريته، ومعروف لهما بالتبادل أن هذه الإرادة الخيّرة متبادلة. كما أنهما يتمتعان بصحبة أحدهما للآخر، وينتفعان بها، وبالتالى يقضيان وقتهما معًا. إن هذه الصداقة إذا ما تكونت تميل إلى أن تكون متصلة ودائمة؛ بما أنها تقوم على المعرفة والحب المتبادلين للصفات الشخصية الخيرة، وهذه الصفات إذا ما تشكلت تميل إلى أن تكون دائمة.

تعد صداقات اللذة والمنفعة صداقات فقط لمشابهتها لهذه الحالة المركزية. وهكذا يكون أصدقاء الفضيلة مصدر لذة ونفع أحدهما للآخر بالتبعية.

الأنواع الثلاثة تشترك فى أن الصديق يريد الخير لصديقه من أجل صديقه ذاته، ويكون معروفًا لهما بالتبادل أن هذه الإرادة الخيرة متبادلة. لكن مع ذلك لا يخلو الأمر من صعوبات.

يرى أرسطو أن الإرادة الطيبة المتبادلة المميزة للصداقة لا بد أن تنشأ عن أحد الأسباب الثلاثة (اللذة، والمنفعة، والخير) التي لها القدرة على إنتاج الصداقة. ماذا يقصد أرسطو؟

الأنواع الثلاثة للصداقة تتميز ليس وفقًا لأغراضها وأهدافها التي هي دائمًا الصديق وخيره؛ لكن وفقًا لأسس الصداقة الثلاثة: اللذة والمنفعة والفضيلة. هذه أسس مختلفة للصداقة لكنها ليست الهدف أو الغاية النهائية للعلاقة. يكون الشخصان صديقين على أساس من الأسس الثلاثة، لكن الهدف اللذان يحاولان تحقيقه هو نوع من الخير المتبادل. لهذا فإن صداقات اللذة والمنفعة رغم أنها ليست تامة، فإنها مع ذلك ليست مستغِلة، ولو كانت مستغلة باستهداف كل شخص للذته أو منفعته فقط، وليس لذة أو منفعة الصديق، لما كانت صداقات على الإطلاق؛ إنه بدون تبادل تمنى الخير الحقيقى من أجل الصديق لذاته لن تستحق العلاقة اسم الصداقة على الإطلاق.

من ناحية أخرى فإن تمني المرء الخير لصديقه لأنه مصدر لذة أو نفع له، يفرض ضمنيًا حدودًا من نوعٍ خاص على تمنيه الخير، فاهتمام المرء بخير الشخص الآخر يمتد فقط إلى الحد الذى يبقى فيه شخصًا من نوع خاص؛ سواء كان لذيذًا أو نافعًا. إن الالتزام الأول للصديق في صداقة اللذة والمنفعة هو استبقاء ملكية اللذة أو النفع، وأى خير يتمناه المرء له لذاته لا بد أن يتوافق مع حفظ هذه الملكية الخاصة، والتى على أساسها يتمنى المرء الخير لصديقه فى المقام الأول. لا يصرح أرسطو بأن الإرادة الخيرة فى صداقات اللذة أو المنفعة تستلزم هذه التحديدات، لكنه يصل إلى النتيجة الموازية عن أصدقاء الفضيلة. فيذهب إلى أن أصدقاء الفضيلة لا يتمنون أن يصبح أصدقاؤهم آلهة؛ لأنه إذا أصبح الصديق إلهًا، لن يكون صديقًا، ولذلك يتمنى نجاحه ككائن إنساني. إذا كان تمني الخير لصديق الفضيلة محدودًا ضمن هذه الخيرات التي يمكن أن يكتسبها بينما يبقى ما يكونه جوهريًا (كائنًا إنسانيًا)، فبالمثل سيريد أصدقاء اللذة والمنفعة نجاح أصدقائهم، فقط داخل الحدود التى يفرضها وجود واستمرار تلك الخصائص الخاصة للذة والنفع، والتى يكونون أصدقاء باعتبارهم مالكين لها. إن الاهتمام الغالب لصديق المنفعة هو من أجل منفعته الخاصة، لكن ليس معنى ذلك أن كل فعل وأمنية له تستهدف في النهاية تحقيق منفعة له. إنه يحب صديقه حقيقةً، ولديه اهتمام غير ذاتى حقيقى بخيره. وبالمثل يوجد نفس النموذج فى صداقات اللذة، حيث الخليط المعقد والمراوغ من تمنى الخير وفعل الخير الباحث عن الذات والمهتم بغير الذات.

إن الذاتية في صداقات الفضيلة أقل منه فى صداقات اللذة والمنفعة. يحب صديق الفضيلة صديقه بسبب خصائص تنتمي إلى الصديق جوهريًا وليس عرضيًا، ومن ثم فإن تمنى الخير المميز لهذه الصداقة لا يحدث داخل سياق محدود كذاك الذي تفرضه الرغبات المتمركزة حول الذات في صداقات اللذة والمنفعة. يتمنى صديق الفضيلة الخير لصديقه بأى طريقة لا تتعارض معه ككائن إنسانى خير. إنه يريد ويتوقع اللذة والمنفعة من ارتباطه بصديقه، لكن استهدافهما ليس شرطًا جوهريًا للصداقة ذاتها. إنه يرتبط بصديق خيّر بسبب خيره، ويمكن أن تنتج اللذة والمنفعة فى وقتهما.

لذلك فرغم أن تمنى الخير للآخر يوجد فى الأنواع الثلاثة للصداقة، إلا أنه أوسع وأعمق فى صداقة الفضيلة؛ لأن فيها فقط تستند العلاقة إلى تصور للصديق ينطبق على ما يكونه بصفة جوهرية. لا يرتكب أرسطو الخطأ -الذى يبدو أن القراءة السطحية تدينه به- من اعتبار أي علاقة بين شخصين أو أكثر، يحصلان من خلالها على لذة أو نفع تكون صداقة. إن رجل الأعمال ليس صديقًا لكل زبائنه، ومن قبيل التهكم وصف العلاقة الشخصية المستغِلة تمامًا بأنها صداقة. تتطلب الصداقة -على الأقل- بعض الاهتمام المؤثّر بخير الشخص الآخر (مشتملًا على نفعه ولذته). يبدو أن أرسطو يشعر مثلنا بأن توقع بعض الاهتمام بخير الصديق لذاته جزء مما تنقله الكلمة نفسها. ويمكننا أن نستنتج أن جوهر الصداقة لدى أرسطو -الذي إذا انتفى انتفت معه الصداقة- هو الخير، والخير الذي يعنيه أرسطو هو المتعلق بخير الصديق وحبه من أجل ذاته، حتى وإن كان الأساس في الصداقة هو اللذة أو المتعة ولكن ما زالت هذه المساحة موجودة ومشتركة بين كل أنواع الصداقة

وتلك التي توجد بين الأخيار تمامًا هى الصداقة بالمعنى الحقيقى والأولى للكلمة. أما الأنواع الأخرى فتكون صداقات فقط بنوع من المشابهة، الذي يُبرر بوجود نوع من الخيرية فيهم؛ فاللذة خير فى نظر محب اللذة، وهناك بالطبع نوع من الخيرية في المنفعة. بإمكان الأخيار فقط أن يصادقوا من أجل الحب فقط؛ لأن كلًا يحب الآخر لذاته ولخيريته. أما الآخرين فيكونون أصدقاء عرضيًا فقط وعلى أساس تشابه معي وإن كنت أختلف مع أرسطو في أن جوهر الصداقة هو الحب وحده، ولنا عودة لذلك.

وحقيقة أن أرسطو حدد أنواعًا ثلاثة للصداقة تفترض أن كل حياة إنسانية تحتاج أن تشتمل عليها جميعًا. صحيح أن صداقة الفضيلة هى الأكثر أهمية من بين الثلاثة، لكن ليس بالإمكان أن تكون كل صداقة من هذا النوع. إن كل نوع من الصداقة خير لأنه يساهم فى خيرنا ويكون عنصرًا فى الحياة الأخلاقية، وهو ما يشبع الإنسان على جميع الجوانب ويغذيه، ولا يشعره بالضجر من صحبة بعينها.

ربما يلزمنا أن نتوقف هنا قليلًا لعلنا نجد بعض الإجابات التي سردنا أسئلتها بالأعلى، فنجد أنه فعلًا هناك أصدقاء تشعر معهم بالمرح وأصدقاء تستطيع أن تشاركهم أفكارك وأصدقاء للروح، وهناك من يمكن أن يجمع بينهم جميعًا وهو صديق الفضيلة الذي يتمنى لك الخير ويسقي روحك ولكن لا يتوقف الأمر هنا فكذلك تشعر معه باللذة والمنفعة سواءً الفكرية أو غيرها ولكن بالتبعية، وليسا هما جوهر وغرض الصداقة، فهي أمور عرضية ولكن الجوهري هنا هو الحب من أجل صفاتهم الخيرة، وهناك أصدقاء تشعر معهم بالأساس بلذة ولكن أيضًا أنت تشعر معهم بنوع من الحب وتتمنى لهم الخير ويبادلونك هذا وذاك، ولكن في حدود ما تجنيه أنت وهم من لذة.

وربما يجيب ذلك أيضًا عن تساؤل محيّر وهو «هل يمكن للأصدقاء الذين يمارسون الإجرام أن يكونوا أصدقاء؟»، «سقراط» يرفض تمامًا ذلك ففي محاورة «ليليس» يخبرنا بأن الشرير ليس صديقًا للشرير لأن الأشرار مشوشون داخليًا ويتصارعون مع بعضهم البعض، وليس الخير صديقًا للشرير لأن الشرير ليس طرفًا في علاقة الصداقة كما أوضحنا. وحقيقة أتفق مع سقراط في هذا ولكني أيضًا لا زلت مؤمنًا بأن المجرمين يمكن أن يتصادقوا ولكن ليس صداقة الفضيلة ولكن صداقة اللذة أو المتعة، فهو يصادق آخر ولكن من أجل اللذة أو المتعة بشكل أساسي ولكنه يحب صديقه المجرم ويتمنى له الخير داخل حدود ما ستجنيه عليه هذه الصداقة من لذة أو متعة. ولا ننسى أن المجرم أيضًا ليس شريرًا بالكامل ولكنه جاهل، فهو ليس حكيمًا وأيضًا لم يسيطر الشر عليه بالكامل، ولذلك نجده ناقم على المجتمع ربما وعلى الناس، ولكن ما زال يعيش الطفل بداخله ويراه منعكسًا في صديقه، فيضحي من أجله ويؤثره على نفسه أحيانًا، ويمتلئ بقيمة الجدعنة وهي بمعنى آخر الإيثار، لقد ضحى من أجل شيء غير نفسه. فالصديق مع صديقه في السوء ولكنه جدع، وهذا خير.

ولكن أيضًا يحقق مع صديقه لذته الناتجة عن الإجرام ولذته في أن يجد شريكًا معه يشاركه أفراحه وأتراحه، ويشاركه معاناته وقسوة الأيام، ويحقق معه منفعته الناتجة عن الإجرام أيضًا، فنجد مثالًا لذلك في الدراما وهو عشري وإبراهيم الأبيض اللذان «مع بعض ف أيتها مصلحة حتى لو رايحين جوهنم» ويرفض خيانة صديقه في آخر لحظة ولكن الأقدار تمضي إلى ما مضت، ونجدها أيضًا في فيلم «Once Upon a Time in New York»  حيث يقوم الأصدقاء بالسرقة والجريمة المنظمة سويًا وينتقمون لبعضهم حتى وإن أدى ذلك إلى سجن أحدهم، ويشعرون لمقتل أصدقائهم بأشد مشاعر الحزن والتعاسة.

أما المجرم الذي سيطر عليه الشر بالكامل فلا صديق له ونتفق بذلك مع سقراط، ومثال ذلك نجده في شخصية الجوكر، وربما أصبح شريرًا لأنه لم يجد صديقًا.

وتسلط الضوء على تساؤل آخر وهو: لماذا أحيانًا يفضل المرء مجموعة من الأصدقاء على مجموعة أخرى في وقت محدد؟ وهو عائد غالبًا لاحتياجه للخير ذاته أو اللذة فقط أو المنفعة، وهو ما تنادي به الأصوات المتصارعة الموجودة بداخل الإنسان، فأحيانًا يتبع صوت الروح ويلبيه وأحيانًا صوت العقل وأحيانًا صوت اللذة والرغبة في التحرر من سطوة العقل والروح وأن يطلق لغرائزه القوية عنانها فيبدو ضعيفًا.

 وفي هذه الصداقات المتنوعة تظهر مساحات العتاب وقبوله ورفضه، وتتفتح مساحات المشاركة وتنغلق، فمساحة العتاب في علاقة اللذة ليست مثل مساحة العتاب في علاقة الفضيلة، وكذلك عمقُ الجرح وتوقع المزيد، يختلف من نوع لآخر. 

مكانة الصداقة فى الحياة الخيرة: 

الصديق الحقيقي روح واحدة في جسدين

أرسطو

هل هناك علاقة بين الصداقة والأخلاق؟ فالصداقة تدفع نحو معرفة النفس وعكسها ينفر من معرفة النفس؟ فى الفصل التاسع من «الأخلاق النيقوماخية» يثير أرسطو مسألة: هل الصداقة ضرورية للإنسان السعيد؟ كثيرًا ما يقال إن السعداء يتصفون بالاكتفاء الذاتى؛ لأنهم يمتلكون بالفعل كل خيرات الحياة، ومن ثم ليس لهم حاجة للأصدقاء. بينما الصديق كذات أخرى يوجد فقط ليزود المرء بما لا يمكنه أن يحصل عليه بنفسه. وكما يقول يوريبيدس: «عندما يبتسم الحظ فما الحاجة للأصدقاء؟».

يرى أرسطو أن معظم الناس يعتبرون أصدقاءهم بمثابة ممتلكات أو أصول مادية ؛ ومن ثم لن يحتاج الإنسان السعيد تمامًا أصدقاء من ذلك النوع، لأنه يمتلك بالفعل كل خير (متمثل في الماديات). ولن يشعر أيضا بالحاجة لأصدقاء لصفاتهم المقبولة أي السارة؛ لأن حياة الإنسان السعيد سارة فى ذاتها وليست فى حاجة للذة خارجية.

 يعتقد أرسطو أن هذا الاستدلال غير صحيح، ويضع فى المقابل الحجة التالية: الإنسان الخير والسعيد يرغب فى دراسة الأفعال الخيرة، وأنه لا يمكن للإنسان -أو لا يمكنه بسهولة- أن يدرس أفعاله كما يدرس أفعال الآخر. أما لماذا يريد الإنسان الخير أن يدرس الأفعال الخيرة؟ فيفسره (Cooper) بأن معرفة الذات يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى، ومعرفة الذات لازمة للسعادة. وتوضح هذه الحجة أيضا لماذا يجب أن يكون الشخص الآخر الذى تدرس أفعاله صديقًا وليس مجرد شخص نعرفه معرفة عرضية. لكن كيف يمكن معرفة الذات؟ يميل الناس لملاحظة أخطاء الآخرين بينما يتغاضون عن أخطائهم، ويميلون لأن ينسبوا لأنفسهم فضائل غير موجودة. ولا تقع هذه الأخطاء حين يلاحظ المرء شخصًا آخر. كيف يمكن الوصول إلى نفس الموضوعية عن الذات؟ هنا يفترض أن تدخل الصداقة. فى صداقات الفضيلة يحب الصديق صديقه لشخصيته وليس لمنفعة أو لذة. يمكن أن تقوم هذه الصداقة باعتبارها الجسر المطلوب الذى تتحول بفضله الموضوعية عن الآخرين إلى موضوعية عن الذات. لأنه عندما يعرف المرء أنه وصديقه متشابهان فى الشخصية، يمكن بدراسة شخصية صديقه أن يصل لمعرفة شخصيته. يدرك المرء طابع شخصيته وحياته برؤيتها منعكسة فى صديقه كما لو كانت منعكسة في مرآة. إن معرفة أصدقاء المرء تجعل معرفة الذات ممكنة؛ لأن المشابهة التى تقوم على ألفة ممتدة وعميقة يمكن الاعتماد عليها بعكس الأمر مع معرفة بشخص ليس صديقًا. يقول أرسطو إن الإنسان الخير يشعر تجاه أصدقائه كما يشعر تجاه نفسه حيث إن صديقه «ذات ثانية» بالنسبة له.

إن السعادة هي الحياة طبقًا للفضيلة، والحياة طبقًا للفضيلة هى الحياة فى صحبة الأصدقاء، أو الحياة المكونة من صداقات الفضيلة. نحتاج الأصدقاء ليس فقط ليكونوا المستقبلين لأفعالنا الفاضلة -فأى شخص يمكن أن يقوم بهذا الدور- وإنما نحتاج مجتمعًا من أولئك الذين تعنى حياتهم لهم ما تعنيه لنا. إن الطلب المتبادل المشترك للخير هو مايجعلنا خيرين، أي أن أصدقاءنا يجعلوننا خيرين؛ لأن كلًا منا فى حبه للخير يصبح مصدرًا لخير الآخر.

فكأنني أرى الصداقة هي العلاقة الخاصة بين الإنسان ونفسه ولكنها تنعكس في الخارج على هيئة صديق تتقاسمه روحك ويتجسد في هيئة مختلفة عنك، وهو ما يعني أنه ضمنيًا الصديق يجب أن يكون شبيه روح.

وكلما ارتقت روحك وروحه معًا ترتقي صداقتكم، فنجد الأنبياء يصادقون الرب. فنجد خليل الله، ونجد كليمه، ونجد حبيبه، ونجد في الأدبيات التراثية، إن الصداقة هي انعكاس لنفسك، الصداقة مرآة النفس. لذلك يصفو المرء مع صديقه ويحدثه أحاديث النفس بلا خجل ولا تزويق.

ولكن إذا كان الخير هو جوهر الصداقة فما الذي يجعل بعض الأخيار لا يتصادقون، أو لا يجعلهم كلهم أصدقاء؟ 

كما ذكرنا يجب أن يكون الصديق شبيه روح وحتى وإن لم يسرد أرسطو ذلك ولكن ضمنيًا يسرد أننا نحتاج أشخاص تعني حياتهم ما تعنيه لنا ونجده يتحدث عن التشابه في الشخصية لكي يعرف المرء نفسه ويجد انعكاس صديقه بداخله، وهو ما يصل إليه سقراط في محاورة ليليس حين يقر أن من يرغب، يرغب فيما هو فى حاجة إليه، وما هو فى حاجة إليه يكون عزيزًا عليه، وهو فى حاجة إلى ما هو «ناقص» فيه. يظهر إذًا أن الصداقة، والرغبة، والحب، تكون لما يتفق أو يتوافق مع الطبيعة. فلا بد أن يكون للأصدقاء طبائع تتفق (تتوافق) مع بعضها.

إذن فجوهر الصداقة لا يقتصر على الخير فقط ولكن تشابه الروح أو امتزاج الأفئدة ضرورة لا بد منها لقيام الصداقة.

ولكن أليس هناك من صفات للصداقة، وهنا لا أقصد صفات جوهرية إذا انتفت، انتفت الصداقة، ولا أقصد كذلك صفات عرضية لا تأتي الصداقة إلا وتكون هي من توابعها، ولكني أقصد صفات تشتد وتضعف بقدر شدة وضعف أواصر الصداقة الممتدة.

أعمدة الصداقة:

أظن أن هذه الأعمدة للصداقة تتلخص في ثلاث صفات وهي الثقة والفهم والإيثار وهذه صفات أساسية، وهناك صفات فرعية تتناسب مع كل شخص وما يناسب صفاته الشخصية، فمثلا أحدهم يحب الصبر ويكره التململ، فيصعب عليه أن يصادق متململًا لا يعرف للصبر مكان في قلبه، ولكني لن أعتبرها صفات أساسية ولكني سأعتبرها ضمنية وتتعلق ببدء العلاقة من عدمها، أما الصفات الأساسية فتشترك في الأنواع الثلاثة من الصداقة وتكون في أقصى كمالها في صداقة الفضيلة.

ولهذه الصفات تبريرها، فلا أظن أن أي علاقة تستقيم بدون الثقة وليس ذلك وقفًا على الصداقة فقط، لأن أي إنسان لا يمكن أن يبوح بشيء ولا أن يخوض علاقة إلا إذا كان عمادها الثقة، وعندما تُفقد الثقة تتحول العلاقة لمكائد ومصائد لتمسي عداوة وخصام وبغضاء، والثقة توحي دومًا بعناصر أخرى مهمة وضرورية للعلاقة مثل الشعور بالأمان، والشعور بالقوة والقدرة على التعبير عن النفس. أم الفهم فهو ضروري أيضًا لأنه يبرر ما يقوله أرسطو من أن الصداقة تحقق الخير لأن الإنسان يرى في إنسان شبيهه ما يمكن أن ينعكس على ذاته فيعرف ذاته من خلالها، والفهم هو من أهم الصفات التي تفقدها كل العلاقات التي حولنا، وإن كانت تعوضها الثقة ولكن الثقة لا تكفي مثل الفهم لجعل الصداقة متينة، أقول إنها مفقودة وذلك لأننا لم نعد نصغي إلا إلى أنفسنا ولا نسمع إلا أصواتنا، وليس هناك سوى أننا نريد الكلام فقط، ويشترط للفهم أن يكون الفاهم قد فهم شيئًا ولو بسيطًا عن نفسه لكي يفهم الآخر، ونجد أن الحكماء لا يجدون من يفهمهم ولذلك تندر صداقاتهم ولا تنتفي، ويستلزم الفهم نوعًا من التعري أو ربما يحتاج التعري نوعًا من الفهم، فالصداقة تعرٍٍ أمام الصديق، يبوح له بما يعتمل داخله بصدق من ضعف وقوة وحزن ويستقي منه صدًا يمده بالصواب أو بتحسين الخطأ، ويتحرر معه من كل خوف ورغبة ويذكر صديقه ويذكّره بما قد نسي ويرادفها المشاركة والتعاطف. أما الإيثار فهو الصفة العملية للصداقة، فلا الفهم يكفي ولا الثقة تُغني، ولكن يجب أن تنتقل الصداقة إلى حيز الفعل في العالم المنظور، ومنها ما نسميه التضحية أو الجدعنة أو صاحب صاحبه أو بيراعي العيش والملح وباقي على اللي بينا، الإيثار هي الصفة الأولى التي تدل على أن الصديق يفكر خارج حدود نفسه، ويفكر في صديقه بمثل ما يفكر في نفسه، إن لم يكن يفكر فيه أكثر، والأهم أنه يتألم مما يؤلم صديقه. ما كان أكثر ما جعلني أفقد أصدقاء إلا الإيثار، صفة الكِرام.

ما الذي يحدث حين تصاب بعض هذه الصفات بخلل؟

إذا لم تتوافر هذه الصفات. سيكون من الصعب علينا أن نسمي هذه العلاقة صداقة، ربما نسمّيها زمالة أو علاقة عمل، أما إذا اختلت إحداها فستتعرض الصداقة لنوع من الركود والسُبات يتحول تدريجيًا إلى مواتٍ، وقد يتحول الأصدقاء مع الوقت إلى مجرد أناس يعرفون بعضهم وتبعد الشقة بينهم، وهذه سمة مشتركة في العلاقات كلها، لا يمكن أخذ الصداقة كمُسلم بها، ولكن يجب بذل مجهود شديد للإبقاء على العلاقات وتعميقها، مجهود مع النفس قبل أن يكون مع الصديق، مجهود في أن يزيح الإنسان المراءاة والكذب والأثرة، وأن يصقل مرآته لكي يرى الصديق ما يمكن أن يراه وأن يشحذ الأمانة والصدق والإيثار، وإلا ستموت العلاقة أو تُقتل، وبعضها لا يعود أبدًا وبعضها لا يعود إلا بكسر، أندرها يعود كما كان بعد البذل وبالحب. هنا يجب التفكير في الصداقة باعتبارها حال قد يزول. وليست مقامًا سنمكث فيه دومًا، بل هو حال علينا أن نحافظ عليه وأن نبذل في سبيله الكثير.

وهنا نقطة أخرى لا يجب أخذ الأصدقاء كمسلم بهم. بمعنى لا يجب أن ندوس حدودهم دون أن نحسب لذلك حسابًا، ولا أن تقترب إلى حد لا يكون صديقك مستعد له، الصداقة علاقة متبادلة كما ذكرنا، والقرب فيها متبادل، فكونوا على محيط دائرة بالنسبة لنقطة المنتصف، اقتربوا سويًا وابتعدوا سويًا، فإن اقترب أحدكم أو ابتعد، فقدت الدائرة جوهرها وما يميزها، وإن ابتعدت عن صديق أيضًا وبدأت تلقي عليه كل شيء باعتباره صديقًا فيجب أن تراعي النقطة الذي سيصل فيها إلى حده، لا تدعي أنك صديق مقرب وأنت لا تفهمه، أو لا تؤثره على نفسك، أو لا مجال للثقة بينكما، ثقة مادية ونفسية وروحية، ثقة في استئمانه على العرض والشرف والأرض.

ونعم، هناك حدود داخل الصداقة، بل أكثر الحدود صرامة تكون في هذه العلاقة، ليست محددة ولكنها على الرغم من ذلك واضحة، واضحة بقدر الاحترام المتبادل والمبذول بين الصديقين واضحة بقدر الفهم الناتج عن هذه الصداقة، حدودها واضحة بقدر عمق الصداقة، ولا يحتاج الصديقان للاتفاق على هذه الحدود، إذ إن حدودهما المشتركة هي أصلًا ما اتفقا عليه من البداية اتفاقًا ضمنيًا، إنها علاقة فيها قدر من تشابه الشخصيات وامتزاجها.

هل هناك من لا يحتاج الصداقة؟

لن يختار أحد حياةً بلا أصدقاء، ولو كان ذلك مقابل حصوله على كل شيء آخر في العالم

أرسطو

لا أظن أن أحدًا يمكن أن يصل إلى مرحلة الاستغناء عن الصداقة إلا شخص شرير تمامًا أو خير تمامًا، وإن كنت أظن أنه مهما وصل الإنسان لأي درجة من الخيرية، فسيظل بحاجة إلى أصدقاء، ولا أدل على ذلك مما اعتبره أبيقور من أن الصداقة هي أعلى ما يطمح إليه الإنسان، وفي هذا قول كثير، ولكني مهتم بالأساس بتفنيد إحدى حجج سقراط في محاورة «ليليس» عن أن الأخيار لا يتصادقون لأنهم لا حاجة لهم بالصداقة، وأتساءل: هل إذا كان لديه صديق ووصل للخير سيستغني عن صديقه فيصبح بذلك نذلًا لا خيّرًا؟ وهل الصداقة تتوقف على نفع من الصديق فإذا لم يكن باستطاعته فعل ذلك وليت وجهي عنه، وأقمت بيني وبينه حجابا؟ الصداقة لا يمكن أن تنحصر لمجرد النفع ومن أجل الوصول للخير فقط وبعدها تنتهي، الصداقة خير في ذاتها ليس لغرض وليس سبب، إنها علاقة حب. فحتى الأخيار سيتصادقون والرهبان والأنبياء، ما دمنا بشرًا.

الخاتمة:

فلا أظن أن علاقة الصداقة قد تقوم وأحد طرفيها لا يفتش عن نفسه، أو لا يعرف ولو قدرًا ضئيلًا عن نفسه، وفي نفس الوقت عنده قدر من الإيثار وقدرة على التخلص من أنانيته.

فإذا وجدت هذا الصديق… فاعتبر أن العالم يخلو إلا منه، وأن ألمه ألمك، وأن ما تفتقر نفسك إليه لا تجده إلا عنده، واذكر في قلبك ذكراه واذكره في لحظات سعادتك قبل شقائك، وذكره بهذه الكلمات التي قالها لي صديقي في رسالة محبة: 

«إن الصداقة هي المنجية، فتغدو في ظلام قلبك لتنير ظلمات شهواتها وتمطر على أراضيك الجافة المتشققة بقطراتها المحبة الواقية، وتنجيك من شرور نفسك عندما يهتف لك الصديق «ثق بي» فقد تلاقت سواعدنا في أكم من المعارك الماضية ووثقت بقوة قبضتها. أدعوك يا صديقي لأن ننتشل بعضنا من هذا المستنقع الموحل وهذه الأرض المتردية، إن صديقك هو ذاكرتك للأرض الأبدية، فلا تترك يده وثق به فقد يكون النجاة من الأرض الفانية».

  • محامي ومتطوع في مدرسة فلسفة مصرية اسمها بيت الحياة، بخوض فيها رحلة نحو نفسي ونحو الوجود، وبكتب عشان أعبّر عنها وعن رحلات حبايبيني، وعشان أعبر عن رؤية وأفكار مسجونة، وعن مثل أعلى وحلم مستحيل بيطاردني وبطارده، بيحاول يلاقي تجسيده من خلالي وبحاول إني أمتثل، وما عليَّ سوى أن أُريد.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا