لطالما حكى لي أبي عن حكاية جحا مع ابنه حين أراد أن يعلمه أن من يمشي وراء كلام الناس لا يسلم أبدًا من المتاعب ولن يُقدم على صلاح، وذلك حينما ركب جحا الحمار وسار ابنه معه على قدميه، وما هي إلا خطوات وعابت عليه نسوة أن يركب ويترك ابنه يمشي على قدميه، فأركب ابنه ومشى هو على قدميه، فعاب عليه الشيوخ أن يترك ابنه يركب بينما هو يمشي فكيف نرجو من أبنائنا صلاحًا وبرًا بعد ذلك؟ فركب هو وابنه الحمار، فتجهم الناس له، كيف يركبان على هذا المخلوق، وأين الرفق؟ فما كان منه إلا أن مشى هو وابنه بجوار الحمار، فتندر الناس منهم وقالوا: ما ينقصهم إلا أن يحملاه. فحملاه، فما كان إلا أمثولة عصره وعصرنا حتى الآن.
ولكن هل حقًا جحا هو أمثولة عصرنا حتى الآن؟ فقد تذكرت جحا صدفة وأنا أقلب في كتاب ألف ليلة وليلة وأقلب في ذاكرتي، وكأنه كان يعيش معي منذ الصغر ولكني نسيته تمامًا ولم أعد أسمع له ذكرًا حتى تذكرته فجأة، وذكري له فتح لي باب حنين لأشياء أفتقدتُها؛ أولها أبي الحبيب، وضحكاتنا الجميلة معًا وابتسامته البراقة وطريقة حكيه لنفس القصة مرارًا وكأنها أول مرة، حنيني لذلك البيت القديم حيث تسكنه المودة والوصال، لا يؤرق عيشنا فيه هذه الهواتف النقالة، حنين لتلك الحكايات التي ملأت طفولتي عن عواقب الطمع ومثالب الكذب، ولكن ربما حنين أكبر يملؤني ويحوطني في جحا، وهو بساطته التي تعطيك انطباعًا بأنه أحمق، إلا إن هناك ما يميز جحا: وضوحه الشديد والمباشرة وهذا سبب ضحكنا عليه على ما أظن، ولكن إذا عكست الصورة ستجد أن جحا هو الذي من المفترض أن يضحك علينا.
جحا فيلسوف بكل ما تحويه الكلمة من معنى:
إذا كانت الفلسفة هي الحكمة، والحكمة ترتبط بالبساطة بشكل ما ولا تُعنى بالتكلف أو المظاهر، فجحا هو الشخص الأمثل ليوصف بالفيلسوف، لأننا نلتمس منه بساطة جمة في كل تعبيراته وحركاته وحتى الطريقة التي يضحكنا بها هي الطريقة الأكثر بساطة، فهو لا يتكلف ولا يخترع؛ بل يعبر عن ما يراه مباشرة، يعبر عن خوفه في بساطة، يعبر عن رأيه في بساطة، ويسخر ببساطة، وبسبب صدقه الشديد وعدم قدرته على المكر الذي نمارسه باعتيادية كل يوم، يبدو ساذجًا وهو ما يُضحكنا حتى وإن حاول أن يُبدي مكرًا، فحكايات جحا تضعنا أمام أنفسنا وتفترض أننا يجب أن نفكر ولو للحظة أي منّا هو الأحمق؟ إني أربط بين صورة جحا وصورة سقراط، يدعي كلاهما الحمق ولكنهما يضعانك في نهاية الموقف أمام حماقة نفسك، ولكل طريقته.
فمما يشيع أنهم رأوه يومًا يغني ويجري، فسألوه: ما بالك تغني وتجري؟ قال: أحب أن أسمع صوتي من بعيد! إنك حين تتمعن هذا القول، تدرك أن هناك أمورًا يستحيل على الإنسان أن يدركها معًا مثل الرغبة في المال والرضا بالحال، ولكن نجدنا دومًا ما نحاول أن نكون كما وصف جحا ببلاغة حكيم، وعلى الرغم أنّا نضحك لحمقه، ولكن هذا ما يفعله جحا بالضبط، إنه يُعرّينا ليظهر حُمقنا.
وفي قصته عندما عرض عليه رجل كتابًا بالفارسية ليقرأه فتعلل برداءة الخط، ورد له الكتاب. قال صاحب الكتاب محنقًا: وعلامَ إذن تضع هذه العمامة على رأسك كأنها الرحى؟ فخلع جحا العمامة، ووضعها جانبًا، وقال له: دونك العمامة فاسألها، فإنها صاحبة العلم الذي تبغيه!
وهنا نلمح في قصصه ردودًا بسيطة كما ذكرنا، واضحة ومباشرة، ولكنها تُعري منطقنا الذي نقيس به الأشياء ظاهريًا، وتجعله مفلسًا أمام فلسفة جحا البسيطة، اذكر كل ما يضحكك في جحا ستجده في بادئ الأمر ونهايته لا يزيد عن ضحكك على شخص لا يستطيع أن يمارس الألاعيب البشرية من مكر وكذب ونفاق، ونرى في خلفيتها نوعًا من الفلسفة الكلبية التي شاعت في أثينا وعلى رأسها ديوجين الذي كانت له تصرفات تشبه تصرفات الحمقى ولكنها كانت بليغة أيما بلاغة، فهو الرجل الذي يمشي بالمصباح في النهار وعندما يسألونه، يقول إنه يبحث عن إنسان فاضل. وأمر الوالي جحا أن يعد له المجانين في البلاد فقال له: بل أعد لك العقلاء أما المجانين فلا يحصون. وفي إحدى قصصه يسأله تيمورلنك، وقد أخذه معه إلى الحمام، وخلع ملابسه إلا مئزرًا يديره على وسطه: بكم تشتريني الآن لو عُرِضت عليك في السوق يا جحا؟ قال: بخمسين دينارًا. قال تيمور: ويحك! إن ثمن هذا المئزر خمسون دينارًا. قال جحا: وهذا هو الثمن الذي حسبته!
وهي قصة تذكرنا بوقفة الإسكندر أمام ديوجين، عندما قال هذا الأخير، ابتعد لأنك تحجب عني نور الشمس، فكلاهما يبدو غير مهتم أو مبال بالحاكم بل يتهكم عليه بأن المئزر أعطاه القيمة أو أن شعاع الشمس أولى من طلتك الشريفة. ولكن هذا التهكم هو تهكم على عقليتنا وعلى منظورنا للأمور، إنه تمرد على منظومتنا القيمية وعلى سردنا للأمور، فيعيدها جحا إلى أبسط مفرداتها، ليعلمنا أن الإنسان ليس بمظهره ومنصبه.
ولا ينتهي الأمر هنا بل نجد لدى جحا القدرة على الرد بحجم الموقف وفي سياقه، فكما ذكرنا أن ما يميزه هو بساطته كشخص فتأتي ردوده بسيطة غير متكلفة ولا مصطنعة. سكن في دار، فشكا إلى صاحبها أنه يسمع قرقعة في سقفها. قال صاحب الدار: لا تخف، إنه يسبح الله. قال: وهذا الذي أخشاه، تدركه رقة فيسجد علينا!
إن في هذه القصص القصيرة ما يدل على ذهن متقد ومنطق سليم لا يتأتّيان إلا من بساطة واتساق، وما نظنه حمقًا ما هو بحمق ولكنه من اعتيادنا اللامنطق. فاسمع هذه القصة، مرّ جحا بفرن تتصاعد منه رائحة الخبز الساخن وهو يشتهيه، ولا يقدر عليه لخلو يده، فاتجه إلى الفران وسأله: ألك كل هذه الرغفان؟ قال: نعم. قال: ولماذا لا تأكلها يا أحمق؟
إن هذه القصة تأتي في فصل يسمى حماقة جحا، ولكن بربي إذا تأملتم مقالته ستجدونها حكمة، فإذا وجد الإنسان ما يأكله فما له يبالي بالربح أكثر، وإذا كان الطعام قد كفاك وشبعت فما لك تبيع الباقي، أليس الأولى أن يكون همك إشباع الآخرين بعد أن جربت شعور الشبع؟ وهو ما ترمي إليه القصة. فجحا يعلم أنه فرن ويعلم أنه يبيع وأنه يحتاج المال لذلك وأمام جوع الإنسان وبساطة هذا الشعور الذي لا يحتاج لكثير فلسفة، يقرر جحا أن الإنسان لا يحتاج للتكنيز، إما أن يأكل أو يترك غيره ليأكل، وخصوصًا أن هناك من لا يجد ما تبيعه أنت بالمال. وهو أيضًا مرتبط بفكرة تقول أن موارد الأرض تكفي كل سكانها ولا يحتاج الإنسان لبيع أو شراء، كل الناس تحتاج إلى الخبز وما يزرع يكفي الجميع، فلماذا نبيع ونشتري، منطق بسيط للغاية ولكنه منطق أمام اللامنطق الذي نعيش فيه اليوم، والذي اعتدناه حتى أصبح الطبيعي. يموت أناس جوعًا وأناس آخرون يملكون ما لا يحتاجون، فيبيعونه لمن يستطيعون شراءه، وليس لمحتاجينه.
أين ذهب جحا؟
يُقال أن جحا هو شخص عربي ولد في القرن الأول الهجري، ويقال أنه أيضًا خوجة أبو نصر التركي الذي ظهر بعده بقرون؛ ولكن القصص التي تُنسب لجحا ربما تكون حقيقية كما أظن في بعضها، ولكن بعضها كان منسوبًا كأداة تعبير اجتماعي أحيانًا أمام السلطة السياسية ومنها تندر جحا بالسلاطين وسخريته منهم وأحيانًا ما تكون أداة تعبير اجتماعي لتصويب المنظومة الفكرية الاجتماعية وإعادة النظر في ركائزها و بنياتها التحتية وسردياتها المخوخة والمشوهة، فيُنسب له ما يريد المجتمع أن يقوله ولكن على لسان جحا، لمنع سخط السلطة ولإعطائها المصداقية وبالتالي الانتشار. فمثلًا نجد جحا دومًا يسخر من اهتمام الناس بالمظاهر، فقد ذهب إلى وليمة بثياب العمل، فطرده الخدم من الباب، فعاد إليهم وعليه حلة من الحلل التي يخلعها عليه الأمراء، فأكرموه وتقدموه إلى مكان المائدة، فغمس كمه في الصحان واحدة بعد واحدة، وطفق يقول له كأنه يناجيه: «كُل، كُل يا كُمّي، فلولاك ما وصلت إلى هذا الطعام!» فهو يسخر منا طول الوقت، يسخر من حمقنا وتكالبنا على المظاهر، وللأسف بعد كل هذا ما زلنا نظن أنه هو الأحمق، وفي هذه القصة ربما نلحظ بقوة الخيال المجتمعي للطبقات البسيطة التي لا حظ لها من الحياة بسبب فقر ثيابها ومظهرها، وقد لبست ثوب جحا لكي تُعبر عن فقر منطقنا عندما نتعامل بالظاهر فقط. وأيا كانت نوادر جحا حقيقية أم صاغها الخيال الشعبي ليعبر عن نفسه أمام موقف ما، فما زال الأمر حقيقيًا، بمعنى أنه يعبر عن ما يختلج حقيقة في نفوس الناس وسيظل يختلج في نفوسهم مهما تبدلت الأزمنة والأمكنة، ولكن السؤال الآن أين إذن ذهب جحا؟
ألم يعد للوعي الشعبي ما يعبر به عن نفسه أمام مواقف معينة في الحياة أو رغبة في تصحيح مسار الفكر المجتمعي؟ أظن أن الوعي الجمعي يعبر عن نفسه ولكن باختلاف الوسيلة، فأصبح اليوم الكوميك أو الميم أو الريلز (مقاطع الفيديو متناهية الصغر)، تعوض عن القصص وأصبحت إفيهات الأفلام تحل محل الأمثلة الشعبية، ومثال لذلك محاولة الشباب السخرية من حملات حقوق المرأة في شكل ريلز أو فيديوهات صغيرة أو كوميك، أو السخرية من عملية سَعْوَدة الفن المصري أو التصريحات السياسية أو انحدار الأجيال الجديدة، وهكذا.
نعم انتهى جحا وبدأ عصر جديد يخلو من جحا والسندباد وقصص ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة وحكايات الحيوانات التي كانت تُحكى للأطفال ولكني ما زلتُ أحن إليهم، أفهمها لأنها شكّلت طفولتي، لم أعد أفهم ما يُضحك الأجيال التي تلتني، ولم يعودوا هم يضحكون لما يضحكني، لم تعد تجمعنا الضحكة.
ولكن بين جحا والميم تم اختزال الكثير، تم اختزال ضحكة أبي وطريقة سرده الفريدة، الوصال الذي دام بيننا لدقائق، والذكرى التي أحفظها له اليوم، الصورة السابحة في عقلي لبيتنا الدافئ الذي حوانا وأين كنا نجلس، الطاقة التي أنفذها لي مع كل حكاية، أنا وما أنا عليه اليوم. وربما جحا نفسه مثل أعلى لشخص لا تعني له صورته أمام الناس شيئًا، ولا يضعهم في حسبانه ولو مثقال ذرة، ويفعل ما يمليه صدقه وأمانته مع نفسه.
ولكن بما أن عصر جحا قد انتهى وذهب جحا وذهبت نوادره، فأتمنى أن أكون جحا عصري، فيلسوف البساطة، سقراط المتعجب، وديوجين المتهكم، والساخر الذي لا يبالي بالناس والذي لانراه منفعلًا ولو مرة، فهو دومًا صاحب السكينة.
تدقيق إملائي: أحمد الظريف





0 تعليق