3 مايو 2024

الأزمة (محاضرة)

بجانب الأزمة التي نمر بها اليوم١، التي لن أتحدث عنها، سأهتم أكثر بوضع العدسة الفلسفية على مفهوم الأزمة نفسه؛ ولذا أريد أن أقسم الحديث لقسمين: الأزمة من منظور أخلاقي، والأزمة من منظور فلسفي. 

الأزمة من منظور أخلاقي:

ترى المدرسة الرواقية -أحد المدارس الفلسفية المعروفة- أن الأزمة هي فرصة لاكتساب الفضيلة. وعند فحص هذه الفكرة نرى أن للأزمة وقع شخصي كبير على الفرد؛ ففي الأزمة تكون معظم مجهوداتنا موجهة لمواجهة الأزمة ومحاولة الخروج منها، وكل الطاقة التي كانت موجهة تجاه الحفاظ على الأقنعة والأردية الشكلية المزيفة لا يمكن الحفاظ عليها أمام العنصر الجديد المتطلب هذا. فالأزمة تضع المرء في تصادم أمام ذاته الحقيقية بحيث لا يكون لديه حتى الوقت للتزيُّف. وهذا الاصطدام بالذات الحقيقية ليس بالضرورة سلبي؛ إذ هي في الواقع تفتح مجالات جديدة لإدراك الفرد نفسه، فيدرك مكانه الحقيقي، وقدراته الحقيقية، وكذلك إمكاناته التي عليها أن توجد وتكبر. وفقط الشخص اليقظ يصنع من الأزمة فرصة للخلق: فرصة لمعرفة الذات، وأيضًا فرصة لفعل عظيم تتحقق فيه الفضيلة. 

إن من يتعرض منزله للسقوط تتغير رؤيته تمامًا لفكرة المسكن والمنزل، وأيضًا لفكرة ما هو أساسي وما هو كمالي في البيت. كذلك من يفقد وظيفته تتغير نظرته بقوة حول العمل وأيضًا حول أشياء أخرى كثيرة، حيث يعيد النظر في ما كان يتغاضى عنه سابقًا، ويمكن حتى لأشياء كانت تزعجه قبل ذلك أن تكف عن إزعاجه، إذ تأخذ الأمور في نظره أحجامها الطبيعية. سواء أهمية العلاقات الإنسانية والتقارب الإنساني والصداقة والأخوة (بالمقارنة بالتواصل الافتراضي السطحي مثلاً) أو تقدير الخروج للطبيعة والوقوف في الشمس، أو أهمية النظافة أو النظام أو غيرهم. تعطي الأزمة الفرصة للمرء أن يعيد ترتيب أولوياته من جديد، وأن يرى الأمور من منظور مختلف ويسأل ما الضروري والجوهري في حياته وما هو غير ذلك. لهذا تُعلِّم الفلسفة الرواقية المرء أن يميز بين ما «في يده» وما ليس كذلك؛ أي ما أملك و ما لا أملك التحكم به.

يقدم «إبيكتيتوس» (أحد رواد المدرسة الرواقية) مقترحًا لما يقع في تحكم الإنسان وما لا يقع في تحكمه. في نظره، فقط الأفكار والمشاعر والتصرفات التي تنتج عنهما تقعن في تحكم الإنسان، وأي شيء آخر ليس كذلك؛ لا المنصب، ولا السمعة، ولا الشكل، ولا الماديات. ولهذا إن كنت أبحث عن الثبات وقت الأزمة فلا يمكن لحياتي أن تكون مبنية على أمور هي بالأصل خارج تحكُّمي وتجعلني عبدًا لها بتغيرها المستمر وإمكانية زوالها وقت الأزمة. 

بالإضافة إلى قدرة الأزمة على جعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا ومعرفة ما في أيدينا وما غير ذلك، تساعدنا أيضًا على رؤية ما هو جوهري، ومن ثمَّ ما يستحق أن يتشبث به المرء؛ أي أنها تضع المرء في موقف «الفرقان»، حيث يقرر ما ينتمي إليه وما لا يستحق العناء. كذلك الأزمات فرصة لمراجعة المسَلمات، بالذات المسلمات المتعلقة بالماديات. ومراجعة المسلمات تمرين أساسي للفيلسوف، لأنها تخلق نوعاً من الترتيب أو التراتبية الفكرية. ويكون السؤال هنا عن الثوابت الجوهرية من ناحية وأشباه الثوابت التي لا تكون نابعة سوى من المظاهر من ناحية أخرى.

من الملحوظ أيضًا أن في أوقات الأزمة، خصوصًا عندما تحل على مستويات أوسع نطاقًا من المستوى الشخصي؛ نجد أن مشاعر التضامن والتكاتف تزيد عنها حتى في أوقات السلم على غرار القول الشائع “كلنا في الهوا سوا”. إذ إن في الوقت العادي -كما يثبت لنا التاريخ مرة بعد الأخرى- عندما يتجادل الناس عن ماهية السلم وأشكاله وسبل تحقيقه يجدون صعوبة في الوصول لاتفاق فيما بينهم. فالمتعة -وخصوصاً الحسية- التي نعمل على تحقيقها في الأوقات الهادئة كثيراً ما تُحدث فرقةً وانقساماً، ذلك لأن متعة كل فرد هي أمر شخصي وخاص به دونًا عن غيره، وهي التي عادة ما تحكم رأيه ورؤيته وأهدافه في أوقات السلم.أما وقت المحنة فتتوحد الرؤى حول هدف واحد، وهو كيفية الخروج من هذه الأزمة، لأننا نتشارك جميعًا نفس الألم، ولذا فالهدف هو كيف نجعل هذا الألم يتوقف، فنرى في تلك اللحظات أن المرء يخرج من قوقعة الأنانية وتظهر أفعال الكرم والإيثار والوحدة. وكأن الألم يتسبب في نشأة نوعٍ من الوعي الجمعي يشعر فيه الناس بالتشارك وكأنهم في مركب واحد، فيفهمون بعضهم البعض دون أن يتكلموا ويحسون ببعضهم البعض دون أن يتلامسوا.

إن كانت الحاجة هي أم الابتكار أو الاختراع، فالأزمة بطبيعة الحال تخلق احتياجاً قوياً، مبدئياً الاحتياج إلى الخروج من الأزمة. وبسبب مدى إلحاح تلك الظروف التي تكون قاسية تنشأ قدرات خلّاقة وإبداعية لا تظهر في الأوقات العادية، فبسبب شدة الأزمة تظهر القدرة على الابتكار والتصور للخروج من الموقف. وهذه الحلول الإبداعية لا تأتي إلا عن طريق قدرة التصور لما يقبع أمامنا، والتصور هنا لا يعني الخيال الذي عادة ما يكون تداعيًا لصور لاإرادية عن مواقف مختلفة تأتي لأسباب مختلفة، والتي قد يكون أكثرها سلبية هو الهروب من الواقع؛ بل التصور قدرة الإنسان المقصودة لخلق فرصة وحلّ أمامنا، لذا الشخص صاحب القدرة على التصور هو الذي يخلق الفرص للخروج من الأزمة. فالأزمة فرصة للخلق والإبداع ولا وقت فيها للخيالات. 

ولكن دومًا -بالإضافة إلى ما سبق- ما يصحب كل ذلك أحاسيس الألم العميقة، وهنا يتساءل الإنسان كثيرًا حول جدوى ومعنى كل هذا الألم. أَله قيمة؟ تؤكد الفلسفة البوذية أهمية الألم كوسيلة للاستيعاب والإدراك، هو جرس الإنذار الذاتي الذي ينبئ الفرد أن عليه أن يسلك طريقاً جديداً حتى يزيل الألم أو يتعامل معه. فترى البوذية الألم فرصة للوعي الإنساني واكتساب رؤية لتخطي الأزمة، وهذا لن يحدث لمن لا يأخذ الألم الآتي من الأزمة كفرصة لمراجعة ذاته، وإعادة ترتيب أولوياته، لمعرفة ما هو جوهري، لمدّ نظره فيما رواء الأزمة ومحاولة تبصُّر شيء ما عليه أن يصل إليه.

وحتى عندما يسعى المرء لتحقيق تلك القدرتين في نفسه (اكتساب الوعي والتصور)، قد يهتز ويفقد الثقة ويهلع عند حلول الأزمة، وهنا تكون فكرة «الاختبار» فكرة ضرورية، برغم كونها فكرة غير محببة لكثير من الناس، ولكن بدونها لن يعرف المرء إن كان ما تعلمه حقيقيًا؛ أو حتى إن كان حقيقيًا، فربما ينقصه شيء جوهري آخر. كما نحتاج إلى الاختبارات حتى ندرك إمكاناتنا وقدراتنا وخاصةً حدودنا حتى يتسنى لنا أن نتصرف بثقة وبحرية. فمن لا يعلم إن كان يستطيع السباحة أم لا، ولم يختبر نفسه في هذا الأمر، لن يقفز بمنتهى الثقة في المياه، إنما سيتردد. وفي وقت الأزمة قد يكون التردد قاتلاً. كما لن يحب أحدنا أن يصعد طائرة لم يتم اختبارها، ولكن الإنسان الذي اختبرته الحياة يكون مفيدًا أكثر من الطائرة خصوصًا في الأوقات العصيبة. 

الأزمة من منظور فلسفي: 

ترتبط الأزمة لغويًا بالمواقف الصعبة، ولكن أيضًا بضرورة التحكم فيها. ففي اللغة العربية تتعدد معاني كلمة «الأزمة»، فتعني من ناحية: تأزم الشيء؛ أي احتكامه وضيقه، كما ترتبط أيضًا بـ «الزمام»، أي التحكم في الشيء. أما في الصينية، فكلمة «危机» (وي جي)، تعني الخطورة عند مفترق الطرق، فتظهر مجددًا فكرة الاختيار الذي علي القيام به تجاه الأزمة. وفي الإنجليزية «crisis» (كرايسيس)، تأتي من الإغريقية «κρίσις» (كريسيس) أي؛ المفترق، القرار، الأزمة، والتي تأتي من الفعل «κρίσις» (كرينو)، الذي يعني: التمييز، الاختيار، القرار. وهو ما يغير علاقتنا السلبية بمفهوم الأزمة، أنها مصيبة تحل علينا، ولكن الحقيقة هي أن الأزمة موقف نختار ونحسم فيه الأمور. وحتى يقوم المرء بذلك عليه أن يكون ثابتًا وقت الأزمة كما يكون ثابتًا في المترو عندما يتمسك بالمقابض، أن يكون ثابتًا عندما يفقد الجميع عقولهم ويلقون باللوم عليه، كما تقول إحدى القصائد لـ روديارد كيبلنج.

في وقت الأزمة، من لا يملك رؤية ثابتة أو قدرة على التكيف يقع في أحد طرفي النقيض: إما الهلع -فلا يمكنه الحراك ويتسمر في مكانه دون قدرة على اتخاذ قرار مما قد يودي به للهلاك، إذ أن الوضع الذي كان عليه قبل التغيير لم يعد مناسبًا بعد التغيير ولا يسعه بسبب هلعه أن يتكيف- وإما الكر والفر -أي التأرجح المستمر بين قرارات متضاربة، مبنية على التجربة والخطأ، ومتخبطة- وفي وقت توضع فيه الطاقات تحت ضغط بسبب الأزمة يكون فقدان الطاقة بسبب القرارات العشوائية أيضاً طريقًا حتميًّا إلى الهلاك.

كيف إذن يأتي الثبات في مواجهة الأزمة؟ إن اعتبرنا الأزمة تغيرًا، يكون التغير في الحقيقة هو سنة من سنن الطبيعة وقانون طبيعي يسري على كل شيء، وبما أن البشر جزء من الطبيعة فلا بد أن يسري عليهم أيضًا. فالطبيعة تمر بكل تغيرات الفصول: الحار والبارد والرطب… إلخ. والإنسان أيضًا يمر بتغيرات من الألم والفرح والحزن، وحتى الحضارات يعتريها فترات الازدهار ثم الظلم والعبودية ثم اللانظام والفوضى. فإن كان السؤال هو كيفية منع الأزمة، فلا أظن هذا ممكنًا، أما ما يُعد ممكنًا هو أن يكون المرء مستعدًا دومًا لها. 

ما الذي يعنيه بالضبط أن يستعد المرء للأزمة؟ تمثل المعرفة السابقة بأن الأزمة ستحدث بشكل عام، طريقة أولى لاستعداد المرء لها، ولا يتعلق الأمر بتنبؤها، بل بالفهم العميق لقوانين الحياة والطبيعة التي يمكن أن يستفيد منها المرء تمامًا كالعالِم الذي يستفيد من معرفته بالقوانين الطبيعية. فسيصعب على العالِم الفهم والتحكم في الظواهر الطبيعية إن لم يكن يرى أي قوانين تحكمها، فستتحول كل الأشياء في نظره إلى فوضى عارمة. ولكن مجرد معرفة قانون طبيعي كقانون التغير لا تفيد، وتستدعي التفريق بين «التفكير»، و«التفكر»، فالأول يتعلق أكثر بتنظيم الأمور، فقراري لأخذ طريق ما بدل آخر أثناء القيادة لاختصار الوقت هو قرار فكري، أما التفكر -أي التفكير في الأفكار- يتعلق بفحص فكرة بعينها، بالتأمل العميق في موضوع ما والتساؤل عن موقف المرء عنه، وهو أيضًا ما نقوم به عندما تلمسنا الأمور بشكل مباشر. 

والتفكر بشكل عام يساعد المرء في التساؤل عن الأسباب الحقيقية التي تحصل على المستوى الداخلي النفسي للفرد والمستوى الخارجي. وقد يختلف البعض في رؤية أن هناك أسبابًا منطقية للأمور، أو أن الحياة يحكمها العبث، وهو مفهوم، ولكن لا يمنع هذا أيضًا من طرح بعض الأفكار للتفكر؛ ولكي يفحص المرء مواقفه الشخصية من جديد. 

ليس هناك شك في أن من لديه المعرفة بالقوانين التي تُسيِّر الأشياء يسهل عليه التعامل والتكيف والتناغم معها، ولذلك يسهل التنبؤ بما قد يحدث ويُتجنب التصادم معها. الأمر نفسه مع القوانين التي تحكم الطبيعة، كالتغير، فإن أدرك المرء هذا القانون، يسهل عليه التحرك في تناغم معه والمشي على نفس إيقاعه بالتكيف معه. فلأننا نعرف بوجود قانون الجاذبية، لا يتوقع أحد من القلم أن يسقط لأعلى، ولهذا لا يحلم أحد بالطيران عند القفز من أعلى أحد المباني.

إن هذه المعرفة لن تأتي إلا بتفكر المرء العميق في الأسباب الجذرية لما يحدث له ولمن حوله بشكل يكسبه الوعي، فيدرك ذاته الحقيقية، ويكف عن أن يكون مزيفًا، فهو ليس فقط الشخص الذي يستيقظ بالنهار يأكل ويشرب ويذهب للعمل ثم يعود وينام، هو ليس دمية تحركها الظروف وحسب، بل هو ذو وعي يدرك الأسباب العميقة لما يحدث حوله ويتصرف على أساسها. وهذا هو ما نطلق عليه الإنسان المنتبه، وهو من يقدر على استخلاص المعنى من تجاربه، يعرف إلى أين سيذهب وكيف وصل إلى هنا. 

حتى يدرك المرء كيف وصل إلى هنا عليه أن يطور اهتمامًا بالتاريخ، وهنا تتغير رؤية المرء للتاريخ من كونه مجموع الأحداث التي حدثت للإنسانية إلى أن التاريخ يحمل معاني وقيمًا، وهو ما يغير نظرة الإنسان إلى حياته التي يحياها، فبدلًا من أن يقول أن حياته هي مجموع الأحداث التي تحدث له، يقدر أن يرى أن حياته هي وعي بمغزى عميق وراءها، فلا تكون حياته مجرد تسلسل لا معنى له من الأحداث. ولهذا فمن يرى أن التاريخ هو بلا قوانين وأنه عبثي، لابد وأنه يرى أن حياته أيضًا كذلك. 

يمكننا من هذا المنطلق الحديث عما يسمى بـ «الحس التاريخي» الذي يعطي عن طريق اسشفاف الماضي والاستلهام منه معنىً لحاضره ومستقبله يتسامى به الفرد عن اللحظات والظروف المتغيره ويعطيه إحساسًا بالأزلية يقدر أن يستوعبه من المنظور الواسع للتاريخ، ويستطيع أن يقيّم اللحظات التاريخية المهمة في حياته، وكذلك اللحظات غير المهمة، غير الجوهرية في تاريخ الأشياء، وهي نفس القدرة على التمييز في أوقات الأزمة بين ما هو مهم وما هو غير جوهري وغير مهم. 

وليس بالضرورة أن يكون التغيير التاريخي تغييرًا للأفضل أو للأسوأ، فليس بالضرورة أن يكون الأحسن هو الأكثر متعة، ولا أن يكون الأسوأ هو المزعج، فكم من مرة نظرنا إلى لحظات المِحَن بعين المغامرة والاستمتاع، ومراتٍ أخرى ننظر لأوقات الهدوء بعين الملل والرتابة. ولذا من المهم أن يفهم المرء إيقاع الحياة ويتحرك معه لأنه لا جدوى من محاولة إيقافه، فهو كمن يريد إيقاف حركة المد والجزر. والأهم هو ألا يفقد المرء ذاته في وقت الأزمة.

ماذا يعني أن نكون أنفسنا وألا نفقذ ذواتنا؟ يعني أن نكون واعين ومدركين لهويتنا طوال الوقت. فالإنسان ليس مجرد مجموع كل الأحداث التي بيمر بها في حياته، إنما هو الخبرات اللي عاشها بوعي، واستوعبها بوعي وأصبحت جزءاً منه. كما أن جسد الإنسان ليس الطعام الذي يتناوله بل يتكون من الطعام الذي استطاع هضمه وبُنيت به خلاياه، وما تم امتصاصه ومعالجته لأنسجة، ودهون، وطاقة، إلخ. كذلك الأمر بالنسبة للإنسان ككل. فلا يصبح الإنسان واعيًا بمحض وجوده في الزمن، أو لمجرد أن الأحداث تحدث من حوله أو تحدث له. فالأمر يتجاوز فقط وجودنا، ويمتد إلى أن نكون أنفسنا، فنكتسب وعينا بقدرتنا على التعلم من الأحداث التي مررنا بيا وبمدى انتباهنا لما يجري بداخلنا ومن حولنا، وكذلك بقدرتنا على استبقاء هذه الخبرة واسترجاعها في أي لحظة شئنا. حينها تكون تلك الخبرة جزءًا منّا، عندما نصبح نحن المعرفة. فالوعي يزيد عن كونه حالة لحظية، إنما هو صيرورة مستمرة، أو حالة من الإصباح الدائم، الذي يتم تمكينه عن طريق التعلم (أو الانتباه) والاسترجاع (أو الذاكرة).

حينها أيضاً تكتسب ذاكرة الإنسان أهمية وبعدًا أعمق، لأن هذه الذاكرة هي معيار ولائه لذاته، وهي التي تُعْلمه من هو، على الأقل من هو حتى الآن. كما أن القدرة على التعلم والاستيعاب أو الانتباه هو ما يسمح له بالتحرك من النقطة الحالية وأن يكمل رحلته من أجل أن يكون. ألا نفقد أنفسنا في الأزمة هو أن نتذكر ما تعلمناه وأصبح جزءًا منا ومن وعينا. فكما يأتي الوعي من الذاكرة، كذلك الهوية تأتي من الوعي.

وأخيرًا، دومًا ما توجد علاقة بين الأزمة وبين ما هو صالح ومهم، كما توجد علاقة بين الصعب وبين ما يُستحق الوصول إليه، فكما يقولون: «لا توجد حلاوة بدون نار». هذه فرصة لإعادة النظر في ما إذا كان الأمان الذي نتوق له بشدة ليس سوى قفصًا ذهبيًا. لا يهم بالنسبة لي طول الأزمة بقدر أهمية كيف سنتعامل معها ونخرج منها. مهم للمرء أن يعرف نفسه وقت الأزمة ويستغلها كفرصة لخلق الفضيلة.

 

١ الأزمة التي يتم الإشارة إليها هي وباء كوفيد-١٩ الذي أصاب العالم بين عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٢

_______________________________

من محاضرات اللقاء الشهري لفلسفة بالبلدي بتاريخ يونيو ٢٠٢٠
لمشاهدة المحاضرة: https://www.youtube.com/watch?v=XgMiWj0WDK0
قدمتها: نهى سالم
تفريغ: عز دغيدي
صياغة: أحمد عبيد

 

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا