9 فبراير 2024

هل ينبغي أن نتخلّى عن قبعات التصنيف؟

التصنيف

ما هي قبّعات التصنيف؟

إذا كنت من محبيّ سلسلة الكتب والأفلام الشهيرة “هاري بوتر” فستكون على درايةٍ بما يشير إليه مصطلح قبعة التصنيف (Sorting Hat) والتي يُشار إليها في الجزء الأول من السلسلة. تُستخدم هذه القبعة في مدرسة تعليم السحر (هوجوارتس Hogwarts) بغرض توزيع طلاب السنة الأولى على البيوت الأربعة التي تحويها المدرسة، ويتجاوز الأمر كونه فعلًا تنظيميًا بحتًا. 

كان من المعروف تشارُك طلاب كل بيت في عدّة صفات تميّزهم عن البيوت الأخرى؛ أحد البيوت يتميّز طلابه بالحكمة في حين يتميّز طلاب بيت آخر بالشجاعة على سبيل المثال. تفصيلتان أخريتان مهمّتان: تأخذ القبعة السحريّة في اعتبارها ما إذا كان الطالب يرغب -أو لا يرغب- في الانتماء لبيتٍ معيّن، كما يُعترف بعدم اقتصار أيّ صفةٍ على طلاب منزلٍ بعينه، بمعنى أنّه رغم امتلاك طلّاب بيت معيّن سمة الشجاعة عبر التاريخ إلّا أنّها لا تُصوّر في إطار الحبكة على أنّها حكرٍ على هذا المنزل فحسب. 

لنخرج من العالم السحريّ إلى العالم الواقعيّ بهذه الفكرة وتبعاتها المحتملة، مبدئيًّا هل نمتلك قبعات تصنيف خاصة بنا رغم عدم امتلاكنا قوى سحريّة مماثلة؟ وعلامَ تستند قبعاتنا في التصنيف؟ وهل يجدر بنا -بناءً على ما قد ينتج عن امتلاك مثل تلك القبعات- أنّ نتخلّص منها؟

التصنيف على أرض الواقع

أعتقد أنّه من باب الصدق مع النفس سينبغي علينا الإقرار بامتلاكنا جميعًا قبعات تصنيف نحتكم إليها لتقسيم الناس إلى مجموعاتٍ مختلفة والتعامل معهم تبعًا لما يقتضيه انتماؤهم لتلك المجموعة. هل التصنيف بحدّ ذاته أمرٌ خاطئ أو مؤذٍ؟ لا أظن ذلك، وأظنّ أيضًا أنّه إلى حدّ ما ردّ فعل طبيعي بل وضروري لعقل الإنسان ليستوعب العالم من حوله ويتفاعل معه.

 على مستوى بدائي بحت نحتاج إلى تصنيف النباتات من حولنا إلى نباتاتٍ سامّة وغير سامّة، أو تصنيف الحيوانات إلى حيواناتٍ أليفة وأخرى مفترسة على سبيل المثال، لا يبدو أن ضررًا ما قد ينتج عن عمليّات التصنيف السابقة تلك، لكن ماذا عن عمليّة تصنيف الإنسان للإنسان؟ 

تبدأ بعضٌ من أصعب المعضلات في الظهور على هذا المستوى، حيث يغشى الضباب الحدود بين التصنيف والعنصريّة، أو الحكم السطحي والحكم المُتعمّق، وكما أشرتُ فقد لا تكمن المشكلة في التصنيف بحدّ ذاته بقدر ما تكمن في معيار التصنيف وغرضه.

أظنّ أنّنا عند لقائنا شخصًا آخر للمرة الأولى فإننا غالبًا سنصفه تبعًا لما ظهر منه واعتمادًا على ما خزنته أمخاخنا من صور نمطيّة، قد تثبٌت صحّة هذه الصور بمرور الوقت أو قد تنتفي تلك الانطباعات الأوليّة بمرور الوقت وتعمّق العلاقة. ربما لا ضير من الاعتماد على بعض الصور النمطيّة كنقطة انطلاق، لكن سيكون من غير العادل اعتبارها خطّ النهاية. لكن ما الضرر من الاعتماد على الصور النمطيّة فحسب وكيف يتعامل الإنسان مع الآخر إن ثَبُت اختلافهما؟

صناعة الآخر: قبّعتي وقبّعتك

ليس من المُستبعد أن تؤدي الصور النمطيّة إلى فصل الإنسان نفسَه عن آخرين بناءً على انطباعات لا تتّسم بالدّقة، ولكونها غالبًا لا تأخذ في اعتبارها تعقيدات الواقع بل تختزله مستخدمةً معايير سطحيّة ومبسَّطة؛ فالاعتماد على الصور النمطيّة وحدها فيه مخاطرة أن تحلَّ تلك الصورة غير الدقيقة محلَّ الواقع وتبني بذلك حائطًا عازلًا غير مرئيّ وصعب الهدم بينها وبين الواقع. من منطلقٍ ما يمكننا القول بأنّ علاقة العالمين الشرقي والغربي ببعضهما تحمل في جذورها واحدةً من أشهر الصور النمطيّة التي أسرَت بقيودها الشرق وأهله لعقودٍ ومازالت قيد العمل حتى اللحظة. لكن كيفَ ولمَ انفصل العالم إلى عالمين بدايةً؟ 

إحدى النظريّات التي تجيب السؤال السابق طرحها إدوارد سعيد في كتابه الشهير الاستشراق، حيث يتحدّث المؤلّف عن العمليّة التي صُنع بها ما هو معروفٌ حاليًا بالاستشراق، وهو المصطلح الذي يشير إلى العدسة التي صنعها الغرب واقتصر منظوره إلى الشرق على ما تراءى له من خلالها فحسب. يوضّح المفكّر الفلسطيني أنّ الاستشراق استقّر عبر عمليّة هيمنةٍ سُرقت خلالها الهويّة والتاريخ الأصليّان للمنطقة وصوت سكّانها، وأضحى الشرق من تلك النقطة فصاعدًا هو الآخر. 

حدّد المؤلّف نهايات القرن الثامن عشر نقطة انطلاق لتعريفه وتحليله ظاهرة الاستشراق، تزامنًا مع ما كانت تشهده أوروبا من ازدهار خلال عصر التنوير، والذي رافقه توسّعها الاستعماري في عدّة مناطق من الشرق. مع هذا التقارب بين الغرب والشرق، تحوَّل الشرق بكلّ ما يحويه من ثقافات وحضارات ولغات ومظاهر تراث وأناس من لحم ودم إلى مبحثٍ أكاديميّ محض، يُقارب من منظورٍ استعماري ونقطةُ انطلاقه الأوليّة هي محوريّة الغرب وتفوّقه. 

يستخدم إدوارد سعيد تعريفات عدّة تجمع مختلف الجوانب التي يمكن رؤية الاستشراق من خلالها، وفي تعريفه الأكثر استنادًا على عناصر تاريخيّة يعرِّف الاستشراق بكونه “المؤسسّة الجماعيّة للتعامل مع الشرق – والتعامل معه معناه التحدّث عنه، واعتماد آراءٍ معيّنة عنه، ووصفه، وتدريسه للطلّاب، وتسوية الأوضاع فيه، والسيطرة عليه: وباختصار بصفة الاستشراق أسلوبًا غربيًا للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلّط عليه.” يوضّح المفكّر أيضًا أنّ الثقافة الأوروبيّة “قد وضعت ذاتها في مقابل الشرق باعتبارها ذاتًا بديلة أو حتى دفينة”، مما زادَ من قوّتها ودَعَم هويّتها. 

خلال عصور الاستعمار الأوروبي تكوّنت من خلال الاستشراق صورة محدّدة للشرق لا تمتّ لواقعه بصلة في معظم الأحيان، حيث كان كلّ من ساهم في صناعتها من كتّاب ومؤرخين وباحثين وحتى فنانين همّ من أصولٍ أوروبيّة وينتمون للعرق الأبيض ولجنس الرجال، وقد وُرّثت تلك الأعمال واستخدمتها أجيالٌ لاحقة من الكتّاب والباحثين الأوروبيّين للبناء عليها في أعمال لاحقة بدلًا من الاستدلال من شهاداتٍ أو معايشاتٍ من أرض الواقع. 

يشير إدوارد بالتحديد إلى خصوصيّة العلاقة بين الشرق من ناحيّة وبريطانيا وفرنسا -نتيجةً لسنوات مديدة من الاحتلال- من ناحيّة أخرى ويسمّي الاستشراق مشروعًا فرنسيًّا وبريطانيًّا في المقام الأول، إلّا أنّه يستطرد موضّحًا أنّ الدولتين كانتا مهيمنتين على الأراضي الشرقيّة وصورتها حتى نهاية الحرب العالميّة الثانية، لتتسلّم الولايات المتّحدة من بعدهما الراية وتحذو حذو سابقتيها في التعامل مع الشرق. رصد إدوارد سعيد ملاحظاته بخصوص ظاهرة الاستشراق في كتابه الذي صدرت طبعته الأولى عام 1978، ومنذ ذلك الحين حتى الآن لا يبدو لي أنّ كثيرًا مما تضمّنته نظريته عن علاقة الغرب بالشرق قد تغيّر؛ ربما القبّعات أكثر اختلافًا الآن من أيّ وقتٍ مضى. 

هل أنوي التخلّي عن قبّعتي؟ 

إجابتي الحالية هي لا؛ لأنّي اؤمن بضرورة امتلاك كلّ منا قبعته التي يعمل باستمرارٍ على تحديثها كلما جدّ جديدٌ على معرفته. إذا تصوّرنا في عالم خياليٍ ما أنّ رأسنا يزداد حجمه كلّما ازدادت معرفتنا أو أنّه ينكمش كلما ثبُت خطأ قناعة ما نمتلكها، سيكتمل مجاز القبعات على نحو يجعله مفيدّا إلى حدّ ما، كما يفترض المجاز كون الإنسان طوال عمره في رحلة من اكتساب وتنقيح المعرفة، وهو أمرٌ آخر اؤمن به. 

ربما كنّا لنتجنّب كمًّا هائلًا من المآسي البشريّة لو أبدى كلّ منا احترامه لقبعة الآخر أو بَذَل بعض الجهد لرؤية ما بها من قيمة، بدلًا من أن يحاول أحد الأطراف إحلال قبعة واحدة على كلّ البشر ويبيد من لا يُظهر تقبّلًا للتخلّي عن قبعته الأصليّة، ربما ليست مشكلتنا كثرة القبعات، بل افتراض أنّ قبعةً ما هي بالضرورة الأصلح ليرتديها الجميع، وافتراض أنّ تشويه الرأس لتلائم القبّعة هو الحلّ الأمثل. تخبرنا سلسة هاري بوتر أنّ الصفات الحميدة أو الوضيعة ليست حكرًا على بيتٍ ما أو أصحاب قبّعة ما، كما تُذكّرنا أنّ لما نصبو ونرغب في الانتماء إليه وزنًا لا يُستهان به في المعادلة.

يخطر ببالي كثيرًا مؤخّرًا بسبب ما يشهده العالم شرقًا وغربًا أنّ عقلي بحاجةٍ إلى إعادة برمجة من نواحٍ عدّة، كما أشعر أنّي الآن وأكثر من أيّ وقتٍ مضى أحتاج لتذكّر ما يفترض كونه بديهيًّا، أمورٌ من قبيل أنّه لا يصحّ إلّا الصحيح؛ أنّ الأخلاق والمبادئ ليست محض كلماتٍ فارغة من المعنى ولا ينبغي بها أن تكون كذلك أبدًا، وأنّ كل ما يعيبها هو من صنيعتنا، وأنّ تصنيف البشر لبعضهم يُفترض به أن يبنى على تعاملٍ حقيقيّ معهم وألّا يهدف إلى نَبذ كل ما يقع ضمن إطار “الآخر”، وأنّ إيذاء أحدهم لي لا يصحّ ذريعةً لإيذاء الآخرين بسبب ما اختبرته، أحاول أن أتذكّر، حتى لا أصبح ضحيّة مهزومة الروح ولا جلّادًا منفلت العيار. 

 

  • أحاول تطويع الكلمات وأجدُها أنجح من صوتي في إيصال ما يدور في خُلدي، وأحبُّ الإطلّاع على ما ينجح الآخرون من مختلف الأماكن والأزمان في تطويعه من كلماتٍ أو لقطاتٍ أو ألوانٍ أو ألحان.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا