هل المفروض نشك في الدين؟
ولا ده حرام؟
ولا لأ عادي نفكر، ربنا أمرنا بالتفكير، والدين مينفعش يكون وراثة؟
ولا دي أفكار شيطانية المفروض نحاربها لأنها ممكن تودّينا للإلحاد والحاجات دي؟
هل الشخص اللي اتولد على دين معين يعتبر متدين فعلًا؟
هل الولادة على الدين الصحيح، بدون تفكير وبحث، بتضمن رضا ربنا وبتضمن للشخص الجنة؟
النشأة والنمو في عائلة ومجتمع بيؤمنوا بأفكار معينة بيخلي الأفكار دي تتزرع في نفسيتك وبتخليك منتمي إليها تلقائيًا بدون اختيار، بدون أي تقييم منك. وبكل تأكيد الأفكار دي ممكن تكون غلط، وده تصريح واضح وبديهي، ولكن النفس الإنسانية أوسع من الجانب الفكري؛ بتشمل جانب عاطفي ورغائبي. الجانب العاطفي ده بيخلي عندك نوع من التعلّق والانتماء تجاه الأفكار اللي اتزرعت وترعرعت في نفسك من يوم ولادتك وانت لسه غير واعي، وبالتالي مش بيكون من السهل أبدًا إنك تتخلى عن الأفكار دي حتى لو اتضح ليك خطأها؛ بتفضل تحاول تخلق مبررات وأسباب تدعم صحة الأفكار دي، مش عشان انت شايفها منطقية، وإنما عشان انت متعلّق بيها وعايزها تكون صح. وده مش بينفي احتمالية إن الأفكار دي تكون صح فعلًا.
الكلام ده طبعًا بينطبق على الدين أيضًا، باعتباره إحدى الحاجات الكتير اللي بنورثها منذ الطفولة بشكل لاواعي وبدون تقييم، وبالتالي «من الممكن إن الإنسان يتولد على دين مزيف». دي نتيجة لا خلاف عليها حتى من قِبل المتعصبين دينيًا، بدليل إنهم شايفين إن الناس اللي اتولدوا على ديانات تانية غير الديانة بتاعتهم هم ناس اتولدوا على دين مزيف. لكن المثير للغرابة بالنسبالي هنا هو: ليه -بالرغم من الاتفاق على هذه النتيجة- الناس بتنفعل وتستغرب وترتاب وتتعصب لما بتسمع إن فُلان بيشك في دينه وبيدور في مدى صحته؟
والإجابة في رأيي إن الناس دي -بالرغم من بداهة النتيجة اللي فاتت ووضوحها- مش واخدين الاحتمالية دي (احتمالية إنهم يكونوا اتولدوا على دين غلط) على محمل الجدية، وده بسبب -زي ما ذكرت في التحليل اللي فوق- إنهم متعلّقين عاطفيًا بالدين، فبالرغم من اقتناعهم الفكري باحتمالية إنهم ممكن يكونوا اتولدوا على دين غلط (زي ما هم مقتنعين إن ده حصل مع أتباع الديانات التانية) إلا إنهم مش قادرين ياخدوها بجدية لأنهم لازالوا بيبصوا للدين بتاعهم على إنه كيان مقدس غير قابل للشك أو النقد، مع إن دي الحاجة اللي المفروض يبحثوا ويتأكدوا منها أصلًا.
والمشكلة العاطفية دي (مشكلة التعلّق بالمعتقدات) هي أكبر بكتير مما يبدو عليها؛ وده لأنها بتضلل الشخص حتى أثناء بحثه؛ فعلى سبيل المثال: الشخص اللي بيستوعب ضرورة إنه لازم يبحث وإلا مافيش معنى من إيمانه، ممكن يبدأ يبحث بهدف إثبات اللي هو مؤمن به (والهدف ده بيكون توجيه -أو بالأحرى تضليل- من العاطفة). والفرق بين البحث عن حقيقة فكرة معينة، وبين محاولة إثبات الفكرة دي، هو إن الحالة الأولى بتتساءل عن إذا كانت الفكرة دي صح ولا لأ؟ وبنقف قدام الاحتماليتين متجردتين عن أي مشاعر وعواطف تجاههم، وبالتالي بنبدأ نتعامل معاهم هم الاتنين بنفس المدى من الجدية، وبنفس درجة الاهتمام. أما الحالة التانية فهي بتنطلق من التسليم بصحة الفكرة دي أصلًا، في حين إن الهدف المفروض يكون فحص ما إذا كانت الفكرة دي صحيحة ولا لأ. ومشكلة الحالة دي إن الشخص فيها بيكون بالفعل ميّال بقوة لواحدة من الاحتماليتين؛ وبالتالي بيبدأ يحكم بصحتها بناءً على أدلة واهية وضعيفة للغاية. وهنا بيظهر تاني الدور المضلل للعاطفة والمشاعر في العملية الفكرية. ودي حقيقة بتفصح عنها مدى سذاجة الأدلة والحجج اللي بيستخدمها أغلب الناس في إثبات أفكارهم المتوارثة. والحقيقة إن دور الأدلة هنا دور شكلي جدًا؛ بمعنى إن الشخص مش بيكون مؤمن بأفكاره عشان هو عنده أدلة عليها؛ وإنما هو مؤمن بيها من البداية بسبب إنها مزروعة في نفسيته، والأدلة دي هو بيدور عليها بس بهدف إنه يُظهر لنفسه وللناس إن «أهو! أديني مؤمن بناءً على أدلة أهو، وبالتالي إيماني صادق وفي محله».
وخلاصة الأمر: إن مينفعش الواحد يكون مؤمن بحاجة لمجرد إنه اتولد عليها، المفروض إنه يدور بنفسه على الحقيقة، وده بيقتضي إنه يعترف مع نفسه الأول إنه بيجهلها ومش بيمتلكها، وإلا بحثه عنها هيكون بلا فائدة، والاعتراف مع النفس بجهل الحقيقة بيقتضي إنك تضع في حسبانك بكل صدق وجدية احتمالية إن الأفكار اللي انت اتولدت عليها ممكن تكون غلط، زي ما في ناس كتير تانية اتولدت على أفكار غلط، وبعدين تبدأ تدور بنفسك إيه الفكرة الصح وإيه الفكرة الغلط، وعلى أي أساس الفكرة دي صح؟ إيه اللي مخليك مقتنع بيها؟ مع الوضع في الاعتبار (ودي أهم نقطة في السرد) إن العاطفة خدّاعة جدًا وممكن توهمك إنك عندك مبررات جديرة بالاقتناع بفكرة معينة، في حين إنك في الواقع مقتنع بيها لمجرد إنك متعلّق بيها ومش قادر تتخلى عنها، أو خايف تكون غلط، وخايف من نتايج ده، أو حاسس بعدم راحة من إنك تكون بلا انتماء فكري أو عقائدي.
وانت بتقول الكلام ده ليه؟ هو انت يعني عايز الناس تشك في الدين؟
أيوة، لسببين:-
الأول: إن الشك في الدين هو اللي هيخلي الناس اللي على الديانات التانية الغلط يعرفوا إنهم على ديانات غلط ويبتدو يدوّروا على الدين الصح. فلو هنمنع الشك في الدين يبقى الناس اللي اتولدت (بالصدفة، بدون اختيار منهم) على ديانات غلط هيفضلوا مقتنعين بيها للأبد وهيتعاقبوا. ولو هنقول إن المفروض الناس تشك في الدين، يبقى ده مفروض على غيرنا وعلينا، مش على غيرنا بس؛ لأن المبادئ مش بتتجزأ.
التاني: إن الإيمان بأي فكرة لمجرد إنك اتولدت واتربيت عليها ده إيمان مزيف. والإنسان اللي مؤمن بالديانة الحقة لمجرد إنه اتولد واتربى عليها لا يختلف في أي شىء عن الإنسان اللي مؤمن بديانة باطلة لمجرد إنه اتولد واتربى عليها، لأن إيمانهم هم الاتنين بلا قيمة أصلًا. الإيمان الحقيقي بيقتضي إنك تتعب وتبحث بنفسك وتشوف الحقيقة دي بنفسك وبعينك انت مش بعين غيرك.
ده إلى جانب إن فكرة إن شخص يخش الجنة لمجرد إنه اتولد على الديانة الصحيحة من غير ما يتعب ويدور بنفسه، وشخص تاني يخش النار لمجرد إنه اتولد صدفة -أو يعني بدون اختيار منه- على الدين الغلط، دي فكرة بتتعارض مع العدل الإلهي، ومع أبسط معطيات الحس الأخلاقي.
ويعني في النهاية الأمر ببساطة إنك بلعت أفكار كتير من غير تقييم، وبالتالي متقدرش تقول إن الأفكار دي صحيحة أو حقيقية غير لما ترجع تتعامل معاها كأنك متعرفش هي صحيحة ولا لأ. لكن البحث عن مدى صحة أفكارك مع افتراض مسبق إنها صحيحة، ده مش بحث عن الحقيقة؛ وإنما بحث عن مبررات لأفكارك اللي أنت متعلّق بيها. وهنا بنلاحظ إزاي إن العاطفة والمشاعر بتكون حجاب نفسي بيحول بين الإنسان وبين الحقيقة، وعلى الإنسان الباحث تجاوز هذا الحجاب.
بس التفكير ده ممكن يودي للإلحاد
الحقيقة إن التعليق ده بيفترض بالفعل إن الإلحاد هو الموقف الصائب؛ لأن انت هنا بتقول إن والله لو تجردت من مشاعرك ورغباتك وكل الحاجات اللي بتضللنا عن الحقيقة، وبقيت حريص إنك تلاقي الحقيقة زي ما هي بدون تجميل حتى لو مش هتبقى مريحة ليك؛ فأنت هتلحد. بعبارة تانيه الشخص هنا بيقول ضمنيًا: لو دورت على الحقيقة بصدق، بالمعايير السليمة ليها، وتجاهلت المعايير الوهمية؛ فأنت هتلاقي إن الحقيقة هي الإلحاد.
ورغم اختلافي مع الافتراض ده إلا إني مش هقولك «لأ والله ياعم مش هتلحد ولا حاجة وفي ناس كتير دورت ومألحدتش»، ولكن هقولك إن مينفعش خوفك من الحقيقة يكون مانع ليك عن البحث عنها، مينفعش تقول «أصل أنا خايف الحقيقة تطلع كذا» لأن ده بيحطك في نفس المشكلة العاطفية اللي أشرت إليها في البداية، مينفعش يكون عندك أي عواطف تجاه الحقيقة؛ أي رغبات أو مخاوف تجاه الحقيقة هي حجاب بينك وبينها، الباحث الصادق بيتجرد من العواطف دي وبيدور على الحقيقة زي ما هي بصرف النظر عن إذا كانت موافقة لأهواءه أو مخالفة ليها. وبالتالي لو انت دورت ولقيت في مرحلة ما إن هي دي الحقيقة؛ (Good for you)، ده بالنسبالي أفضل من إنك تكون مقتنع بشيء بناءً على مشاعر غير ناضجة، حتى لو أنا مش شايف إن اللي انت وصلتله ده هو الحقيقة فعلًا، لكن هبقى شايفك شخص جدير بالاحترام لأنك متركتش مشاعرك تتحكم فيك واخترت مرارة الحقيقة على راحة الوهم، وهيبقى عندي أمل إنك توصل للحقيقة في مرحلة لاحقة لأنك بتبحث بصدق وبالتالي مسيرك تقرب منها أكتر، على عكس الشخص اللي عواطفه مأثرة عليه، ده مش هيبقى عندي أمل إنه يوصل للحقيقة لأن عواطفه هتفضل تضلله عن الطريق السليم.





مقال عظيم 👏