20 أكتوبر 2023

هل الفن يعكس الواقع أم يشكله؟

هل الفن يعكس الواقع أم يشكله؟

«تحذير! لا تجرب هذا في المنزل أو المدرسة».

 بهذه الجملة كانت تنتهي عروض المصارعة -التي اكتشفت متأخرًا أنها عروض تمثيلية لا أكثر- التي كنت أشاهدها أنا وأخي ونحن صِغار بعد المدرسة، وما إن تنتهي حتي نضرب بذلك التحذير عرض الحائط، بل إني أعتقد أحيانًا أن التحذير هو ما كان يعبث بعقولنا كي نوسع بعضنا البعض ضربًا مُجربين هذا «الفينش» الجديد أو ذاك. مؤخرًا أحسست بتلك العبارة تتكرر مجددًا وأنا أشاهد نهاية فيلم ما، وإن لم يذكرها المخرج صراحة؛ فقد ارتكب البطل جميع الموبقات طوال أحداث الفيلم، ولكنه كان في نفس الوقت جذابًا جدًا، يساعد ضعفاء الحارة، وتتصارع عليه الفاتنات ذوات العبايات السوداء في صراع أشبه بصراع القطط؛ لما يحويه من خمش للوجوه وشد للشعور و«الشرشحة» بالطبع. لقد مارس البطل كل أنواع الرجولة بمفهومها المغلوط الملتوي من البلطجة والمخدرات والزنا، ثم في آخر فيمتو ثانية في الفيلم ندم حقًا علي كل ذلك.

شعرت بمشاعر متضاربة في ذاك الوقت، وتصارعت في رأسي مجموعة من الأسئلة؛ هل مِلت للبطل حقًا وتمنيت أن أكون مثله؟ أم أني أكرهه!، لماذا قد أحب بطلًا وأكره آخرًا بالرغم من أنه نفس الدور تقريبًا، هل هذا تجسيد للواقع أم تشكيل له؟!

لنحاول أولًا معرفة ماهية الفن ودوره بشكل أعم، قبل أن ننتقل إلي السينما أو المحتوي المرئي بشكل خاص؛ فهو الأكثر انتشارًا.

لذا دعنا نسأل هل الفن إصلاحي؟ أم هو تعبير الفنان عن رؤيته وتجربته الإنسانية، هل حرية الإبداع مطلقة أم هذه الحجة مُجرد شماعة يُعلق عليها أوزارًا من إفساد أجيال!

في الواقع لم يوجد الفن كي يكون إصلاحيًا، بل يكفي في بعض الأحيان وضع رؤوس أقلام علي المشاكل الموجودة دون طرح حلول؛ في النهاية ليس هو المسؤول، بل يحسب له ملاحظة آفة والإشارة إليها.

وأيضًا يمكن أن يتجاهل الفن بكل أنواعه -وإن كنت أخص الأدب والسينما لحبي الشديد لهما، ولأن لهما نصيب الأسد في مجتمعنا- المشاكل ويكتفي بالإبحار في عوالم الخيال والكوميديا؛ فإن الإبتسامة التي ترتسم علي وجهك بعد يوم طويل مرهق قد تكون أثمن شئ يستطيع الفنان تقديمه.

لنتبع طرف الخيط أكثر، في الواقع أنا أعتقد أن التاريخ يُوجد بصدق أكبر في الفن الحقيقي لا في كتب التاريخ، مشاهد أطفال الحارة يركضون خلف الكرة، الكادرات الخلابة لشارع 9 مع الموسيقي، دائرة مجمع التحرير المفرغة، التشريح لطبقات الشعب المصري في الروايات، الأرياف الجميلة والخُضرة، الوجه الآخر للجهل والفقر والتلاعب بالقانون، الشباب الجالس علي المقاهي هروبًا من واقع مرير، بلا شك الفن يعكس الواقع ويؤرخه أيضًا، ولكنها ليست الحقيقة كاملة أليس كذلك؟

إن الفن وخصوصًا السينما تُخاطب اللاوعي عن طريق المشاهد البصرية والتلاعب بالعواطف، من خلال قالب درامي يقلب الموازين أغلب الأحيان، يمكنك تتبع مفهوم الرجولة من خلال أعمال الستينيات وحتى الآن ليتحول من المفهوم الأبوي والشجاعة والحكمة والتصرف إلي الطيش والبلطجة والجمل التي تنتهي دوما بالسجع.

إضافة إلي رسم صورة نمطية في ذهننا عن الشيوخ ذوي اللحى شديدي التطرف ثقيلي الظل، الذين يطلقون البصر علي جميع نساء الأرض وهم يداعبون حبات المسبحة الفيروزية بين أناملهم، بل حتي زائدي الوزن شديدي الحماقة، الذين لا تخلوا منهم الأعمال الآن، بالطبع يوجد حد فاصل يفصل بين وجود مثال يُعرض في الفيلم وبين التنميط ورسم صورة ذهنية ثابتة في ذهنك، وبين استخدام الشخصية في إطار كوميدي وبين تحويلها إلي مادة خام للسخرية والدعابات ثقيلة الظل، ولكن هذا الحد رفيع جدًا حتى كدتُ أشك أنه لم يعد موجودًا.

لا يعني هذا أن تتحول جميع الأعمال الأدبية والأفلام والمسلسلات إلى أعمال مسطحة كوميدية فقط دون طرح قضايا المجتمع الموجودة من عنف وبلطجة ومخدرات وزنا. فأولًا يوجد تصنيفات عمرية، ولكن هذا لا يعني أن تتحول أعمال ما فوق الـ 18 إلي نوع آخر من الأفلام تحججًا بهذا التصنيف.

وتناول الشخصيات يتم عن طريق أحداث واقعية وليس كما يحدث من إظهار فئات لا تمثل المجتمع، ولا يكون الطرح هنا باعتبارها نوادر أو باعتبار أفعالها أفعالًا شاذة بقدر تقديمها على أنها أقلية مظلومة بحيث تطغى فيها الشخصيات على القصة.

لقد تم تقديم شخصيات كالبلطجي، المدمن، وغيرهما من أعمال لروايات واقعية تشرح طبقات المجتمع. ومن غير الروايات أيضًا ولم تُحدِث تلك الضجة؛ لأنك لم تشعر بأنها فجة بدون حياد.

وهذا يصل بنا إلي ما قبل النهاية، لخيط متشابك لا أقدر وحدي علي حل عقده، هل حرية الإبداع مطلقة؟

لا تتسرع أرجوك، فكر جيدًا، هل يوجد أي حرية مُطلقة لا تتحكم بها موازين القوة؟، هل حرية التعبير مطلقة؟ أم تصبح مطلقة فقط إن شملت مواضيع وتجاهلت أخرى، هل يوجد ما يمسي بحرية الإبداع؟ ألا تُلاحظ معي الأجندات التي تقطر من جميع أعمال الغرب حتى أعمال الأطفال منها، المحزن أنها صارت هنا أيضا تعبث بعقولنا. لا أدري أهي مؤامرة أم أنه الانبهار الدائم بالغرب والتقليد الأعمى.

في النهاية تجد من يدعون حرية التعبير لا يتقبلون النقد، بل يعللون دائمًا بأن (أعمالهم تُخاطب فئة معينة) والمقصود طبعًا إنها أكبر من استيعابك المحدود، إني أرى هذه الحجة عبقرية في واقع الأمر، فبها ينضم جميع الناقدين إلي الفئة التي لا يخاطبها صناع العمل، وجميع الراضيين إلي الفئة المفكرة المختارة.

أترك الآن بين يديك نهاية الخيط ومعه العقدة الأخيرة، من يحدد الحد الفاصل بين أن يعكس الفن الواقع وبين أن يشكله؟.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا