27 أكتوبر 2023

بين الخلود والمعنى: رحلة الإنسان الدائبة للوصول للأبدية

«قامت ذيتيس بغمر ابنها آخيل في نهر ستيكس ليصبح منيعًا ضد الموت، لكن لم تطل المياه كعب قدمه اليسرى الذي امسكته أمه منه، والذي كان سبب موته بسهم مسموم فيما بعد»

لطالما شغلت فكرة الخلود أذهان البشر عبر التاريخ، من أقدم الأساطير إلى أفلام الخيال السينمائية، أثارت هذه الفكرة الجدل والاهتمام، بداية من الفاكهة المحرمة التي تمنح الحياة الأبدية لمن يأكلها، مرورًا بجلجامش ونبتة الشباب الدائم الموعودة والإسكندر الأكبر ونبع الحياة الذي شغل خلده وبُحث عنه كثيرًا وصولًا لـ اللورد فولدمورت الشرير الشهير في سلسلة أفلام هاري بوتر الذي قسم روحه إلى أقسام صغيرة ليصبح منيعًا ضد الموت، لكن ماذا لو تحقق حلمه وأصبح بالفعل منيعًا ضد الموت؟ ماذا لو لم تسرق الأفعى تلك النبتة من جلجامش أو طالت قطرات النهر كعب آخيل؟ هل ستصبح الحياة كما أرادوا؟ سيتمتعون بها إلى ما لا نهاية ، أم -كما ظن الكثير من المفكرين- ستصبح الحياة بلا معنى؟

الخلود في اللغة هو الحياة الأبدية، سواء في صورة فيزيائية جسدية أو روحية لمدة غير محدودة، لكننا لسنا هنا لنقاش الخلود الروحي الوارد في الأديان، أو حتى الخلود الحاسوبي الذي طرحه بعض العلماء والذي يشمل وضع أفكار الشخص ومعتقداته وتفاصيل شخصيته وربطها بالذكاء الاصطناعي، ليصبح خالدًا إلكترونيا بعد موته؛ بل الخلود الجسدي الذي يمكن تعريفه ببقاء الإنسان على قيد الحياة للأبد بلا تغير أو ضرر، وهو مفهوم يعكس الرغبة الإنسانية الجارفة للبقاء حيًا بأي ثمن، ولا يمكننا هاهُنا أن نُجزم هل هذا البقاء رغبة في الحياة ومتعها أم خوفًا وجزعًا من الموت والمجهول.

في الحياة -سواء أكانت خالدة أو محدودة- هنالك مفهوم لا يمكننا تجاهله، وهو المعنى، لقد كان المعنى شغلًا شاغلًا للمفكرين والفلاسفة، بل كان هو المحور الأساسي للأفكار الفلسفية واللاهوتية والعلمية على مر التاريخ. مما تكتسب الحياة معناها؟  يرى أفلاطون أن معنى الحياة في أن تكتسب الحكمة والفهم وتستخدمها لعيش حياة جيدة. ويرى أرسطو  أن معنى الحياة يأتي من أن يطور الإنسان من فضائله الفكرية والأخلاقية إلى أقصى إمكاناتها. وكذلك الرؤى الفلسفية والدينية التي تعتبر الحياة تستمد معناها من معاني الخالق والإيمان به وبأوامره. وعلى النقيض ترى المدرسة العبثية أن الوجود بلا معنى؛ بل إنه أمر سخيف في حد ذاته أو بأقل تقدير الوجود معناه مُبهم ويصعب على العقل فهمه. بينما جاءت المدرسة الإبيقورية بمفهوم أوسط بين المعاني السامية والعبث المطلق، لترى أن الحياة تكتسب معناها من اللذات الحسية، وأن التمتع هو الهدف النهائي والوحيد للإنسان على الأرض.

على الرغم من وجود الكثير من الاختلافات بين الأشخاص والتوجهات الفلسفية في فهم المعنى من الحياة؛ إلا إن معنى الحياة كمفهوم لا يمكن أن نضعه على الرف عند التحدث عن الخلود، برغم إن الأساطير القديمة والقصص الغابرة لم تتحدث عن تلك النقطة. فقد أراد جلجامش أن يصل لنبتة الشباب الدائم عندما رأى مصير صديقه إنكيدو، وربما أراد الإسكندر الوصول لنبع الحياة ليحصل على المُلك الخالد للدنيا، وكذلك أراد فولدمورت على الأرجح. لكن لم تتناول أي من هذه القصص عما سيحدث بعد ذلك، بعد الوصول إلى الخلود. فقد سرقت الأفعى النبتة من جلجامش أثناء استحمامه. وقام هاري بوتر بالتغلب على فولدمورت. ووافت المنية الإسكندر قبل وصوله للنبع. ووجه أبولو الأسهم ناحية كعب آخيل. لذلك سنحاول نسج بعض الأفكار من اتجاهات مختلفة لنرسم شكلًا لما قد تؤول إليه الحياة إذا صرنا خالدين.

يرى البعض أن الحياة ستكون أكثر قيمة وجمالًا إن كنا خالدين، سنمتلك آلاف الفرص، أو للدقة هنا سنمتلك عدد لانهائي من الفرص لتحقيق الأهداف التي لن تسعفنا الحياة الفانية في تحقيقها، مما قد يجعل الحياة أكثر إثارة ويزيدها شغفًا. كذلك الفرص اللامتناهية للتعلم والاكتشاف -لا متناهية حقًا!- فبالتأكيد مع كل هذا الوقت ستجد الكثير والكثير لتتعلمه وتكتشفه والكثير من الخبرات والتجارب الجديدة والتعلم من خبرات الأمم الفانية من قبل ونقل تلك الخبرات وتحسينها في مستقبل لا نهاية له. بالتأكيد لن نستطيع أن نغفل أيضًا عن كم المتع التي ستتواجد لدينا، وكما تحدثنا سابقًا عن المدرسة الإبيقورية والتي اتخذت اللذة والمتع كهدف أسمى للوجود، فبالتأكيد مع حياة لانهائية ربما نتصور مُتعًا لا حصر لها، خاصة مع وجود مناعة من الفناء كهذه فلا وجود لأمراض أو حوادث أو آلام على الأرجح.

ولكن بالرغم من كون هذه نظرة متفائلة لما يمكن أن تصير إليه الأحوال لو كُنا خالدين، وترى أن المجتمع سيصبح أفضل، إلا إنها لا تأخذ بعين الاعتبار العواقب الاجتماعية والاقتصادية لما قد يحدث لو توصلنا لهذا الحلم البعيد. 

يعتقد الكثيرون أن الحياة تستمد معناها من الأهداف التي نسعى إليها، فلذلك طالما امتلكت هدفًا ستسعد في حياتك سواء أكانت أبدية أو فانية، والذي بدوره سيجعل سؤالًا جديدًا يدور في أذهاننا وهو هل ستظل الأهداف ذات قيمة إذا لم تكن هنالك نهاية؟ ألن يتغير إدراك الإنسان للحياة إذا كانت بلا نهاية؟ هل سيستمتع بها كما استمتع من قبل لأنه أدرك أنها لن تدوم؟ أم سيزهد فيها لأنها لن تمثل له قيمة ؟ فلقد كانت المغامرات تكتسب تشويقها لاحتماليات المخاطرات فيها؟ فهل سيبقى ذلك التشويق موجودًا إذا لم تكن المخاطرة حاضرة، إذا لم يوجد احتمال ولو ضئيل للضرر؟ علاوة على ما سبق، قد يؤدي البقاء على قيد الحياة للأبد إلى الاستياء والملل، ولن يصبح للوقت معنى أو هدف، فلمَ أسارع لتجربة شيء ما وأنا امتلك العمر وما بعده لفعل ذلك؟ 

هنالك جانب آخر قد لا يلتفت إليه الكثيرون، وهو كيف سيصبح المجتمع الخالد؟ يرى البعض أن المجتمع ستتقطع أشلاؤه وتُزال روابطه، فعلى الأرجح سيميل هؤلاء الخالدون للعيش كما يحلو لهم بعيدًا عن أية أعراف أو قوانين أو أخلاقيات ارتضاها هذا المجتمع لنفسه مما بدوره قد يفكك الحوار الإنساني بين البشر، ونحن هنا لا نتحدث عن أزمات سكانية طاحنة على الأرض أو حتى على الفضاء الفسيح الذي سنكتشفه وقتها كنتيجة لازدياد أعداد البشر المتزايد، بل على أزمات إنسانية خالصة قادرة على الفتك بالمجتمع من جذوره. فلن تفيد أعداد البشر إذا لم يتواجد المجتمع.

يمكننا الوصول إلى نقطة قد تتبادر إلى ذهن الكثيرين، برغم الخوف من الموت والمجهول، إلا إنه ربما يكون الفناء هو أكثر ما يمنح الحياة طلة وجمالًا، أو على أقل تقدير ما يمنحها معنى، فمحدودية الموارد وأقصد هنا أهم الموارد وهو الوقت، قد يُضفى إحساسًا ودافعية للمضي قدمُا وبذل المجهود لتحقيق الأهداف المختلفة، بالإضافة إلى أن وجود نهاية سيعزز وعينا بأهمية اختياراتنا في الحياة فعند إدراكنا أن الحياة لا محالة إلى زوال؛ سنصبح أكثر حرصًا على الاقتراب مما يزيدنا سعادة والابتعاد عما يصيبنا بالشقاء. كذلك تضفي النهاية احترامًا وتبجيلًا أكثر لحياة الآخرين، فتكون حياة الآخرين قيمة كالمعادن النفيسة التي نخشى فناءها، والذي بدوره سيؤثر تأثيرًا إيجابيًا على الروابط الإنسانية والمجتمعية بين الناس.

الأضداد أدل على المعاني من المرادفات، على الأرجح هذا ما يصف الصراع بين المعنى والخلود، فمعنى الحياة قد يكون معتمدًا على نهايتها، وتكون تلك النهاية رغم الخوف منها هي التي تضفي لها بريقها المعهود والذي بنوره أغوى الكثيرين للبحث عن مناجم لا نهاية لها منه. لن نستطيع الوصول لإجابة نهائية لهذا التساؤل فلم يصل إليه أحد من قبل ليخبرنا إذا ما كانت شذرات أفكارنا هذه صحيحة، ولكنه بالتأكيد يجعلنا ننظر إلى الحياة والموت بصورة مختلفة تغير أفكارنا وتوجهاتنا، وإن كانت النهاية الحتمية للحياة هي الحقيقة الوحيدة فيها، إلا أن وجودها يغفل عنه الكثير والذي بدوره يؤثر على اختياراته في هذه الحياة، بل قد يسعى للبحث عن الخلود ليمتلك حيوات فوق حياته وينسى أن يعيش حياته الأولى تلك كما ينبغي.

إلى أن يخبرنا أحدهم أن ذيتيس غمرت ابنها آخيل من شعره وليس كعبه الأيسر، وأنه أفلت من  سهم طروادة المسموم، فلن نحصل على الإجابة النهائية لهذا التساؤل، لكن يبقى الخيار الأمثل هو أن نعيش الحياة بشجاعة وحماس حتى نصل لتلك الإجابة، كما فعل آخيل من قبل.

2 التعليقات

  1. Menna

    جميل 👏

    الرد
  2. مصطفي بيومي

    عاااش يا اتش عالمي

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا