استيقظتُ ذات يوم بعد نوم مضطرب، وأنا أتثاءب، سحبتُ الهاتف من جانبي ثم ظللت أتصفح بعض مقاطع الفيديو القصيرة؛ فمللتُ منها وقمتُ من على السرير، ذهبتُ للمطبخ لأقوم بعمل قهوة، فلم أجد «الولّاعة»، وكان زر الإشعال الذاتي في البوتجاز لا يعمل منذ فترة. فنظرتُ إلى الشقة من حولي، وخطرتْ على بالي فكرة رائعة؛ وهي أن أتصل بأم عبده، لكي تنظف المنزل، واتصلتُ بها وطلبتُ منها أن تأتي وتجلب معها بعض الساندويتشات وكوب القهوة، وطلبت منها ألا تنسى أن تجلب معها ولّاعة.
جلستُ قليلًا على الأريكة، وفتحتُ إحدى منصات الأفلام على التلفاز، وظللت أبحث في الترشيحات التي يرشحها التطبيق لأجلي، حتى وجدته يرشح لي وثائقي عن إنسان الكهف. قمت بتشغيله، وظللت جالسًا أشاهد معاناة هذا الإنسان، وحمدت الله أنني لم أعد مضطرًا للقيام بما يقوم به الآن، وأن حياتي أصبحت أسهل. ثم ظللت شاردًا في الفيلم، حتى مللت وأغلقتُه. وتسألت مرة أخرى: «هل حياتي أصبحت فعلًا أسهل؟».
عندما أفكر في الإنسان القديم، فإنني أتصور إنسانًا أدنى مني في القيمة والعقل والوسائل المتاحة، وكيف لا أفكر بهذا؟! وحياتي أسهل من حياة أغنى قيصر في روما قديمًا، وأمتلك ما لم يمتلكه إمبراطور في الصين، أو فرعون في مصر؛ فلمْ ينمْ منهم أحد على سرير مريح مثل الذي أنام عليه، ولم يملك أحد في قصره حكيماً مثل جوجل، ولم يجد أحدهم ملايين الأعمال الفنية بضغطة زر مثلما هي موجودة عندي الآن.
لم يعد يُطلب منك أن تقوم بأي شيء، أو أن تفعل أي شيء. تُريد غذاء؟ خذ هذا الغذاء الذي صُنع خصيصًا لأجلك في 5 دقائق فقط، مع ابتسامة مُصطنعة من الموظف، ستذهب للمنزل لتأكل، فستشعر بالملل، ولن تستطيع أن تظل تأكل في صمت، يبدو أن عقلك لم يعتد على هذا الأمر؛ ستبحث الآن عن فيلم أو مسلسل يُسليك، لن تتكلف عناء البحث حتى، ستُرشح لك خوارزميات دقيقة ما الذي يعجبك من الأفلام والمسلسلات، وتتطور تلك الخوارزميات بشكل مستمر؛ لتلائمك أكثر فأكثر، وإن رأيت شيئًا دعاك للتفكير، فستذهب لتبحث عنه على الإنترنت، فستجد في أول نتائج البحث التي صنعت لأجلك أيضاً عنوان أول فيديو «ملخص ما تبحث عنه في 30 ثانية فقط»، وأنت تشاهد هذا الفيديو ستأتي لك إعلانات لمنتجات قد فكرت فيها مُسبقًا، لا تقلق لم تعد بحاجة إلى النزول والسؤال عليها في المتاجر والمحلات، ستأتي إليك مُغلفة بشكل قلب لونه أحمر في مدة أقل من ثلاث أيام، والشحن مجاني.
وبالطبع أنت بحاجة إلى عملٍ لكي يُغطي تكاليفك المادية، لن تبرح من مكانك ولن تذهب لأي بيئة عمل، فقط ستعمل وأنت في منزلك أمام شاشة سوداء، وإن مللت من منزلك ونويت أن تذهب لمكان آخر ليس عليك أن تتعب و تحزم حقائبك لتسافر له، كل الأمر أنك ستشتري نظارة الواقع الافتراضي، وسيقوم أحد مكانك بتلك التجربة، لتستمتع بها أنت.
لم يعد هناك أي سبب يدفعك للخروج من منزلك، إنها حياة الأحلام أليس كذلك؟
لكني لا أظن أن حياتنا باتت أسهل فعلًا، لا أظن أننا نسير بشكل تقدمي نحو حياة أكثر سهولة، ربما يبدو هذا بشكل ظاهري جدًا، لكن في الحقيقة أشعر أن حياتنا باتت سهلة إلى حد الصعوبة، إلى حد أننا فقدنا كل معنى.
هل تعتقد أن تلك هي الحياة التي تَصورها الفلاسفة القدماء عن حياة إنسان القرن الواحد والعشرين؟ هل فكروا أن هذا ما سيؤول إليه الأمر في النهاية: أن نُعامَل مثل الأطفال الصغيرة التي يخاف عليها أهلها من أن تجرب شيئًا، أو مثل شخصٍ ذي إعاقة عقلية يظنون أن اختيارته دومًا خاطئة؟
فكر كيف سيؤثر هذا على حياة الفرد الاجتماعية على الأقل، فهو سيخلق لكل واحد تصورات سريعة ومُعاقة عن العلاقات، فلن يكون عندك أي تصور لبناء علاقة مع صديق أو شريك خطوة بخطوة، أنت فقط تريد أن يصير هذا صديقك الأقرب الذي يحبك ويضحي بحياته لأجلك في 30 ثانية فقط بدون أن تقدم أنت من ناحيتك أي شيء، وأن تقابل تلك الفتاة التي رشحتها لك تطبيقات المواعدة، ويعشق كل منكما الآخر في أول موعد!
لمَ لا وأنت ترى كل العالم يتعامل معك بهذا الشكل؟ ويكررون تلك العبارات الرنانة: «هذا المنتج لأجلك فقط»، «لأجل سعادتك». إنك نجم هوليود الأول في عالمك الذي بنوه لك، فليس غريبًا أن تنتظر هذا من صديق أو حبيبة. وهذا ليس فقط على المستوى الاجتماعي، لكن على مستوى الفرد ذاته أيضًا.
في عام 1949 كتب الميثولوجي الأمريكي العظيم جوزيف كامبل كتاب «البطل ذو الألف وجه» الذي يتحدث فيه عن تحليل لنمط رحلة الأبطال في الأساطير والأديان، وقد لاحظ جوزيف في قصة البطل أنه في كل مرة بعد أن يقبل البطل نداء المغامرة عليه أن يواجه الكثير من الصعاب والوحوش، لكي يصل إلى ما يبغاه، وفي النهاية تعود الأمور إلى مجاريها مرة أخرى. لكن لماذا اُختزِلت رحلة الإنسان الحديث فقط في الوصول؟ لماذا لم يعد قادرًا على خوض مغامرة أو رحلة حقيقية ليستمتع ويصل إلى نهايته المرجوة، وينال راحة جزاء مشقته في الوصول إليها، ليس لأنه يقضي طول يومه على الأريكة.
لا بد أن مواجهة البطل للصعاب في كل مرة كان لها سبب، ولم تكن من محض العبث، ففي كل قصة يكون لها دور واضح في تأثير شخصيته وفي احتكاك البطل بها، وإكسابه الحكمة الكافية ليتعامل بها عندما يصل إلى نهاية الرحلة، من أين إذًا ستجلب الحكمة والخبرة وأنت قد اختزلت الرحلة في الوصول؟
لذلك فكما حظيت بما لم يحظى به الإنسان قديمًا، فإن عليك أن تتحمل المسؤولية وتبدأ بتجهيز سيفك، وتجمع ما يكفيك من زاد وماء لتخوض بنفسك رحلة البطل، ولن تواجه تلك المرة آلهة البحر أو ساحرًا يتقن السحر الأسود أو كلاب بثلاثة رؤوس أو تنانين تنفث النار، ستواجه فقط النظام، بكل شاشاته الرقمية، بكل ما يدفعك إلى إغلاق فقاعتك أكثر وأكثر، والأهم أنك ستواجه أصعب من كل تلك الوحوش، الشخص الذي بُني هذا النظام بالكامل لأجله، إنه أنت!
سيكون عليك مواجهة ذاتك الظاهرية في سبيل تلك المغامرة لتصل إلى ذاتك الحقيقية التي بداخلك المردومة بتراب هذا العصر
لا أقول أن تقوم بإنشاء نادي قتال مثلما كان الأمر في فيلم «fight club»، لكن اخلع نظارات الواقع الافتراضي تلك، وقم وأنشئ صداقات حقيقية وأحب حبًا حقيقيًا بدون اللجوء لتطبيقات المواعدة وهي تُرشح لك شخصًا ما، وتحملو سويًا عبء الطريق، وادخل السينما وشاهد فيلمًا أعجبك اسمه، بدون اللجوء لتقييمات، نعم ستخرج لتكتشف أن الفيلم لم يعجبك جدًا؛ لكنك قد حظيت أنت بحرية الاختيار، قد استطعت أن تثبت لنفسك أنك لست مثل طفل رضيع، أنك أنت وحدك من يخوض رحلتك، اذهب في مغامرات حقيقية، ودع خربشات الطريق تعلم على جسدك فإنها وسام الشرف، أو كما سمعت رجلًا عجوزًا يقول: «يارب أموت وتراب السكة على رجلي» إنه رجل قد فهم ما تعنيه الحياة.
وتعلم من الجعران الفرعوني، كما تعلم منه المصريون القدماء، وأجعل لنفسك ولادة جديدة، بعثًا جديدًا وحقيقيًا في عالم ملئ بالتزييف، دع الحياة تمر من خلالك، وتذوق عناءها ومُرها؛ لكي تستمتع بحق بطعم الراحة المُكتسبة.
قطع حبل أفكاري صوت رنات جرس المنزل، يبدو أن أم عبده قد وصلت، قمت لأفتح لها وسألتني لماذا جعلتها تنتظر كل هذا الوقت ولم أجد ما أجيبها، فتوترتُ قليلًا ثم سألتها على ولاَعة، فامتعض وجهها وقالت أنها نسيت، لكنها أخرجت علبة كبريت قديمة من الحقيبة، وأشارت إليها مُتسائلة هل ستفي تلك بالغرض، فأخذت العلبة منها وأنا أنظر إليها بفرح وقلت لها: «إنها بالضبط ما كنت أبحث عنه»، وحككت عود الثقاب في العلبة فاشتعلت النار، ونظرت إلى النار مبتسماً ثم قلت لها: «يبدو أني سأساعدك في تنظيف المنزل اليوم».





0 تعليق