1 ديسمبر 2023

البحث عن واقع بديل

البحث عن واقع بديل

جاءت الفلسفة بمحاولات لحل بعض المشكلات والمسائل الفكرية التي تتعلق بفهم الإنسان لنفسه ولحياته. وعلى مر الزمان، كثيرًا ما لجأ الإنسان إلى الخرافة والقصة، وحتى إلى عوالم المُثُل الفكرية في محاولات التمثيل والفهم للواقع، فكان من المثير للتأمل أن الإنسان غالبًا ما يخرج من نطاق حياته أثناء محاولاته لفهمها، وأن يخرج من عامٍّ إلى أعم، ومن شامل إلى أشمل، وأن يحاول أن يجعل هذا العالم بعضًا من كل آخر لا ندرك كنهه ولا نستوعبه كاملًا. فما سبب هذا الخروج وما الذي قد يدعو الإنسان للبحث عن واقع آخر وبدائل أخرى غير ما يمثُل أمام عينيه؟

مُثُل أفلاطونية

يجيبنا أفلاطون عن المرجع، المكان الأصلي الذي تنشأ منه كل صورة -مشوهة بالضرورة- على الأرض. بأن هذا المنشأ هو عالم المُثُل.

حيث للموجودات مثل عليا وصور أعلى وأكثر إتقانًا، للحيوانات مثلًا صورة أصلية يؤخذ عنها نسخ تحيا في حياتنا. وللإنسان كذلك مثال أعلى، وحتى لأفكاره، فللصدق مثال أعلى وللأمانة مثال أعلى.

وبالضرورة، فإن ما نحياه ونختبره في حياتنا اليومية هو النسخة المشوهة، هو الصورة قليلة الجودة عن واقع أفضل يوجد خارج جدران هذا الكهف. فكيف لنا أن نحكم أن تجربتنا في الحياة ليست بالجودة الكافية وأنها في كل محاولات الفهم ينقصها شيء ما لتكتمل؟

والسؤال الأهم هو ماذا يفيدنا هذا العالم صاحب المثل والصور الأعلى؟ ولماذا عليه أن يوجد؟

عالم المثل لأفلاطون هو الخلاص، هو عزاءه عن كل نقص يوجد بالعالم الحقيقي، ولا يمكن أن نلجأ لفكرة الخلاص هذه إلا بالتصور باستحقاقية الحياة للمثالية ثم الثورة تبعًا على كل ما هو غير مثالي.

ولكن من أين يأتي هذا الإيمان بالمثالية في الحياة والبحث عنها؟

في الأسطورة، جعل الإنسان آلهة بصفات مركزة؛ إله الجمال وإله الخير والنماء… إلخ، فكانت هي أيضًا مُثلًا وجعل لها عالمها وقوانينها الخاصة، وفي كل الثقافات، جعل هذه الصفات في صورة آلهة، جعلهم منزهين. مثاليين. وعالمهم هو العالم الأصلي، وهو غالبًا ما ينتهي إليه عالم البشر، الذي هو -مرة أخرى- أدنى وأقل كمالًا من عالم الآلهة.

هل يؤمن الإنسان أنه مخطئ وأنه يستحق العقاب على خطئه؟ وهل يكون هذا العقاب بالقبح في الواقع دليلًا على الجمال البشري من الداخل؟

البحث عن المثالية

تذهب بعض الأفكار إلى جعل الإنسان كائنًا مخلوقًا من المثالية، وجعل الدنيا قاصرة، وكون الإنسان مثاليًا فهو دائم البحث عما يشبه ما بداخله من كمال، لهذا، عندما لا يجده في دنياه فهو يتصوره في مُثُل أو في أسطورة.

لكن هذا يعني بالتبعية بخيرية الإنسان، لأن كل ما هو مثالي خير بطبيعة الحال. وهذا يضعنا مع صدام آخر مع جميع الشرور في الدنيا وحقيقة وجود هذا الشر الخالص لذاته؛ من أين تأتي الشرور وما هو تعريف ما يمكن اعتباره شرًا؟ لكن هذا سؤالًا آخر لا يتسع له الحديث هنا.

بحث العقل المعطوب عن الواقع:

بالنسبة للمصابين بالأمراض النفسية، فالواقع البديل هو ما يعرفونه من حياة. يعرف المصاب بالفصام مثلًا أن ما يراه وما يسمعه هو هلاوس لا وجود لها، لكن هذا لا ينفي كونه يراها رأي العين. هو فقط يتعلم كيف يفرق بين هلاوسه وبين الواقع. ولكن ما الحد الفاصل؟ 

تبدأ الهلاوس عادة بسماع أصوات تخبر المريض بأن يفعل شيئًا ما أو تخبره بحقيقة وهمية. في البداية، يقول المرضى، أنهم لا يدركون أن هذا مرضًا أو أن هناك خطب ما بهم، الأصوات التي يسمعونها يظنونها أصوات تفكيرهم الصاخب، هكذا كان الوضع دائمًا. ومن منا لا يملك مونولوجًا داخليًا.

حتى يبدأ الأمر في التطور والزيادة المضطردة، وهم حتى هذا الحين لا يدركون أنهم مرضى، وإنما فقط يزعجهم هذا الصوت. 

مع أول هلوسة بصرية، يفقد المصاب القدرة على إدراك واقعه وفصل هلاوسه عما يعرفه حقًا. 

بعض الناس ترى حشرات؛ تعلو جسدها كله عناكب، تتحرك تحت جلودهم. 

والبعض يرى نارًا تستعر، تحرق منزله، ولا سبيل لإخماد الوهم. 

وكأن الأصل عند العقل البشري هو الواقع البديل. هو الهذيان أو التصورات. كان غريبًا أن يكون رد فعل العقل البشري المصاب أن ينتج واقعًا آخرًا وحياة غير الحياة.

في جميع الثقافات وبغض النظر عن وجود المرض النفسي، نجد أن الإنسان دائمًا ما يرنو إلى حياة غيره، ربما هي حياة شخص يرنو بدوره إلى حياة من يتمنى.

وكأن التطلع لحياة أخرى ولواقع بديل شيء محوري في تكويننا، شيء من طبيعتنا، نولد به، ونموت به كذلك.

«العشب أكثر اخضرارًا على الجانب الآخر»، العشب دائمًا أكثر اخضرارًا.

حقًا تكمن المشكلة في لا محدودية اختيارات الإنسان ومحدودية حياته. نخاف أن يفوتنا شيء ما، ليس لعظمة ما يمكن أن يفوتنا، ولكن لأجل فكرة أن يفوتنا شيء.

جميعنا تمنى أن يعيش زمنه وزمن غيره، أن يراقص حبيبته وحبيبة غيره، أن يجوع وأن يشبع، أن يرى من كل شيء متضادين. نريد التجربة، والخوض فيها، والشعور بتفاصيلها.

يحدث الصراع عندما يدرك الإنسان أنه -وعلى الأغلب- لن يعيش إلا واقعه. لن يتذوق جميع التجارب ولن يعزف على جميع أوتار الحيوات الممكنة. فلا يجد بديلاً إلا التصور. التصور بوجود واقع بديل، واقع متغير يناسب ما ينتجه خياله من تجارب يود لو كانت ملكه. فما لا نملك له سبيلاً في الواقع، سنجده في الخيال وفي المُثُل وفي الأسطورة خصبًا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا