من هوايات الإنسان: تعقيد الحياة ثم الشكوى من صعوبتها. ومن ضمن طرقنا لتعقيد الحياة؛ خلق احتياجات غير حقيقية وتصديق أنها ضرورة لا يمكن للحياة أن تستمر دون تلبيتها. إن السعي لشيء لا نحتاج إليه هو إهدار للوقت والجهد وبالتالي الحياة، ورغم هذا يعيش الكثير من أجل أشياء لا يحتاجونها ويتركون فراغًا لاحتياجات حقيقية بداخلهم.
ألمس في حديثي مع الناس احتياجًا للوصول لليقين يظهر في عبارات مختلفة يبدأ معظمها بـ: “كيف أتأكد …؟ و “كيف أُثبت…؟” تُسأل هذه الأسئلة كما لو كانت هناك مشكلة. لكني أود أن أرجع خطوة للوراء وأسأل هل هي مشكلة حقًا؟ هل هناك مشكلة إن لم نتأكد؟ ما المشكلة إن لم تكن لدينا إثباتات؟ هل نحتاج حقًا إلى اليقين؟
أرى أن اليقين هو احتياج مصطنع وليس متأصلًا في الإنسان وأن السعي إليه يقارب العبث. وهنا أفرق بين السعي بمعنى ذلك التوجه الهادئ نحو مثل أعلى يلهمنا كالحقيقة والحكمة، مقابل ذلك البحث القلِق لشخص فقد شيئًا لن يستريح إلا بإيجاده، ذلك البحث المتملِّك، الذي يريد الإمساك بالأشياء في يديه. هذا البحث القلِق يجعل العيش مستحيلًا. يخلق شعورًا دائمًا بالعوز، بطول الطريق وعدم جدواه، حالة من الانتظار الدائم، انتظار الحكمة والسعادة والمعنى والقيمة. كأننا نستيقظ كل يوم لندرك أننا لم نصل بعد ونعاود الكرة آملين أن نستيقظ غدًا لواقع مختلف. ويتم تنغيص كل ما نفعل بسؤال: “كيف أتأكد أن هذا هو الطريق الصحيح؟” وهو سؤال يمس كل شيء في حياتنا من عقيدتنا الدينية، لمواقفنا السياسية، لاختياراتنا العملية وعلاقاتنا العاطفية. فتفقد كل المساعي طعمها، لا يعد الاستمتاع بها ممكنًا. يصبح الاستيقاظ مستحيلًا والنوم مستحيلًا وما بينهما لا يُطاق إلا بفعل المُشتتات.
أظن أن ما يحتاجه الإنسان فعلًا هو الشعور بالسكينة والرضا عن اختياراته وأفعاله وذلك يتطلب إيمانًا وليس يقينًا. لكن كيف يختلف الإيمان عن اليقين؟
في الإيمان نوع من القناعة. أن يكتفي المرء بما يمتلك من حقيقة. أن يرضى بها ويعيش من خلالها. الإيمان هو موقف من لا يملك الحقيقة ويدرك ذلك تمامًا ولا يزعجه الأمر. من يملك الحقيقة لا يحتاج لإيمان ومن يؤمن لا يملك الحقيقة. الإيمان واليقين متنافيان.
أن تعيش بلا يقين هو أن تؤمن. هو أن تخاطر بهذه الحياة دون ضمانات ولا يهم أن تكون هناك ضمانات. قد يبدو الأمر كنوع من المقامرة لكنه مسألة ثقة وهي مسألة نفسية أكثر من كونها مسألة معرفية. والأزمة التي يمر بها الكثيرون في بحثهم عن الحقيقة هي أزمة نفسية وليست فكرية ولن تحلها مئات الأوراق البحثية والحجج المنمقة التي تُخرس كل من يناقضها.
السعي لليقين هو سعي للوصول لحقيقة لا تقبل التفنيد. حقيقة يكون غيرها خاطئ. أرض صلبة لا تهتز. لكن الإيمان لا يشترط هذا ولا يحتاجه. المؤمن لا يحتاج لتحصين حقيقته من أي ثغرات، المؤمن لا يحتاج أن يكون غيره على خطأ ليصلُح إيمانه. الإيمان لا يهدده احتمالية خطئي أو إمكانية صواب الآخر. الإيمان ليس أرضًا صلبة لا تهتز ولكن سفينة تحملنا في وسط أمواج الحياة. سفينة صلبة بما يكفي لحملنا لكنها ليست حصينة تمامًا فقد يسحبها تيار أو تحملها موجة وقد تقترب من البر أو تبتعد.
يحتاج المرء أن يضمن قوة وتماسك سفينته حتى لا تتحطم في أول عاصفة. لكنها مهما بلغت من قوة ستظل مجرد سفينة. إنها وسيلة، وسيلةٌ لا بد منها ما دمنا في عرض البحر.
لكن لسان حال الكثير من الناس اليوم يقول “إما أرضًا صلبة أو لا شيء. إما البر أو الغرق في البحر” أرى هذا كموقف نفسىي يحمل في جوفه قدر كبير من التطرف. ربما كان هذا نتيجة تأثرنا بأساليب العلم التجريبي الجافة حيث الأمور حاسمة بقدر كبير ورغبتنا في محاكاة هذا الوضوح في كل نواحي الحياة. لكن الحياة ليست بهذا الوضوح ولا تقبل هذه الدرجة من الحسم. إن الكون مليء بالمفارفات حتى في العالم الفيزيائي حيث يكون جسمٌ ما موجةً وجسيمًا في آن واحد. إنهما حقيقتان يمكن أن تتعايشا وليس من الضروري أن تلغي إحداهما الأخرى. وليس هذا بتناقضٍ لأن هناك واقع يستوعب الحقيقتين، كلاهما جزء من حقيقة أكبر.
لماذا لا ينطبق هذا على الأسئلة الأكثر تجريدًا والأعمق بالنسبة لنا؟ لماذا لا يمكن أن تتعايش حقيقتان؟ لماذا لا يمكن أن تكون الأديان جميعها صائبة؟ لم لا؟ هل صواب معتقدي يتوقف على خطأ المعتقدات الأخرى؟ ماذا لو كانت هناك حقيقة أكبر تستوعب الحقائق التي تبدو متضاربة؟
يقول بعض الحكماء في الشرق أن الله موجود وغير موجود وقد ينتفض بعضنا من هذا الكلام لأنه كُفر، سواء كفر بعقيدة دينية أو كفر بمبدأ عدم التناقض الأرسطي. لكن ليس هذا الموقف إنكارًا لوجود الله ولا هو نتيجة ضعف فكري، بل هو إشارة لتجاوز الإله لثنائية الوجود وعدم الوجود. أنه موقف لا يستند صاحبه على الأرض الصلبة للمنطق ولا العقيدة الصارمة وهو موقف غير مريح وغير حاسم بشكل كافٍ بالنسبة للكثير منا اليوم.
إن الثنائيات (والتعدديات) المتخاصمة تضع الإنسان أمام عبء لا يُحتمل للاختيار. إحساس دائم بأننا على مفترق طرق. وهذه الطرق لا رجعة فيها ولا يمكن أن تتلاقى ولا تتقاطع. وعلينا أن نختار هذا الاختيار المصيري.
مفترق الطرق هذا مزدحم جدًا. يقف الكثير هنا في انتظار دليل أو إثبات يدفعهم لأخذ خطوة في أحد الاتجاهات. أظن أننا قد ننتظر العمر كله ولن يكون هناك دليل كافي. هنا لن تسعفك إلا حكمة الأجداد ولا شيء غيرها: «اتبع قلبك».
أظن أننا كبشر في محاولاتنا لاستيعاب الحياة قمنا باختزالها واختزال أنفسنا بشكل مخل. فلا حقيقة الوجود أو معنى الحياة أمور بسيطة يمكن الإجابة عنها إجابات قاطعة يمكن احتواءها في معادلة أو أطروحة. ولا نحن حواسيب آلية لا تفهم سوى صفر وواحد.
نحن نحاول اختزال العالم إلى حد يجعلنا نشعر أننا نملكه ونتحكم فيه. لكن من حين لآخر تأتي تلك الكوارث التي تصيب العالم الكبير أو عالمنا الشخصي لتذكرنا بحجمنا وبجهلنا، تذكرنا أننا لا يمكن أن نتحدى الموت، أننا لا يمكن أن نمتلك قلوب الآخرين، أننا لا نملك قلوبنا حتى، أن الزمن لا يتوقف. حينها لا تفيدنا نظرياتنا ولا أدلتنا ولا إثباتاتنا المنيعة. حينها سنحتاج للحب والجمال والخير، سنحتاج أن نؤمن، أن نثق، وكما قلت هذه مسألة نفسية أو دعوني أقول وجدانية وليست مسألة فكرية.
ربما نبحث أبعد مما يجب، ربما لن نجد معنى الحياة في أطروحات الفلاسفة أو العلماء، ربما نجده في قصيدة أو مقطوعة موسيقية أو فيلم، أو حتى في مشهد في الطريق ينبض بالمعنى. وربما إن وجدناه فلن نحتاج لأن نتأكد منه أو أن نثبته لأحد.
ما أقترحه هو أن نهتم بالأسلوب والمنهج. ألا نهتم بالوصول للبر بل أن نحاول أن نكون صناع سفن وملّاحين ماهرين، أن نبنى وأن نُبحر جيدًا وقد نصل للبر يومًا أو قد لا نصل. لكننا سنكون قد عشنا.





الحياة حقاً كسفينة وما علينا إلا نكون بحارين ماهرين.
شكرا
المقال لمسني فعلا