الأسطورة ليست قصة زائفة، بل هي قصة حقيقية، لكنها تنتمي لعالم مُغاير، مختلف كليًا عن عالمنا، خارج زماننا ومكاننا اللامتمايزان. قصة حافلة بالمعنى. تحكي قصة تفجُّر القدسي، فالأسطورة هي الوحيّ الأول، تروي حدثًا من الزمن البدئي (زمن البدايات) فتحكي كيف جاءت حقيقة للوجود بفضل مآثر اجترحتها(اقترفتها) كائنات عليا، أشخاصها كائنات فائقة نعرفهم بما فعلوه في الأزمنة القوية، إن الأسطورة تُميط اللثام عن قدسية أعمالهم، أعمالهم الخارقة، إنها تسرد حكاية خلق، سواء كان خلق الكون، أو كيفية وجود جزيرة أو نبات، وليس كهذا التفجر للقدسي ما يؤسس للعالم ويجعله على ما هو عليه. تحكي النموذج المثالي لكل نوع من الفعل.
الأسطورة تعني تاريخًا مقدسًا وبالتالي فهو تاريخ حقيقي، فأساطير الكون تحكي كيف جاء الكون إلى الوجود، وهي حقيقة. بل إن الزائف هو الأحداث اليومية التي نعيشها ونراها ونسمعها، إن هذه الأمور ليست ذات قيمة لأنها تنتمي لـ«عالم كل يوم». وما نطلق عليه التاريخ اليوم ما هو إلا قصة لا ترتقي لكونها حتى زائفة.
أتوقف لحظات وأتساءل كيف كانت الأسطورة حقيقة وكيف كانت الأحداث اليومية التي نشاهدها بأم عيننا مجرد قصص لا تمت للحقيقة بصلة؟ للحظة أشعر بأن شيئًا عميقًا بداخلي مؤمن بذلك، ولكن عقلي يرفض أن يصدق، هل هي بسبب بدائية هذا النوع من التفكير؟ أفكر كيف قد أُحدِّث صديق بهذا؟ أخشى أن يظنني مخبولًا!
إنها العلاقة مع الحقيقة، العلاقة مع المقدس، عند «الشيروكي» يميّزون بين الأساطير المقدسة والتي تحكي نشأة الكون، خلق النجوم، أصل الموت والفناء، وبين القصص الدنيوية التي تفسر مثلًا غرائب تشريحية أو فيزيولوجية معينة لدى الحيوانات1.
الأسطورة لا تنتسب لعالم كل يوم، إنها قصص «مختلفة جذريًا»، إن كل ما ترويه الأساطير يُعنى بجوهر الإنسان، على حين أن الحواديت والخرافات ترجع إلى حوادث يومية، حتى حين أحدثت اختلافات في العالم (كالخصائص التشريحية والفيزيولوجية لدى حيوانات معينة) فإنها لم تغيّر شيئًا في الشرط البشري، لم تغير حالة الإنسان، لم تحرره من بشريته، لم تحرك روحه.
هاك تمييز آخر لما هو حقيقي، إنه يتعلق بكل ما جعله على ما هو عليه، يتعلق بكل ما هو باقٍ بداخل الإنسان، ما هو دائم وأبدي، يتعلق بكل ما يمس الإنسان وبكل ما كوّنه وجوديًا وبما يميزه، فيأكل بهذه الطريقة ويمشي بهذه الطريقة ويمارس الجنس بهذه الطريقة.
ولكن الأسطورة أيضًا تطبع في الإنسان رؤية للعالم فتحكي كيف أصبح الإنسان فانيًا، وكيف صار ذكرًا وأنثى، عضوًا في جماعة، مجبرًا على الالتزام بقانون أكبر وقواعد معينة، تحكي أصل النباتات وأصل الحيوانات وأصل لعالم، الإنسان والعالم على ما هما عليه اليوم لأن كائنات عليا أبدت عن فعالية مبدعة في البدايات، فالإنسان مثلما هو اليوم ما هو إلا نتيجة مباشرة لهذه الحوادث الميطيقية (Mythical)، لقد كونته الحوادث. إذا كان هناك قبيلة تعيش على الصيد، فما ذلك إلا لأن كائنًا أعلى، قام في الأزمنة بتعليم أسلافهم كيف يصيدون السمك ويشوونه، والأسطورة تروي قصة الصيدة الأولى التي صادها ذلك الكائن الفائق2.
تخيل أن الإنسان نتيجة لسلسلة من الحوادث المقدسة، حدثت في الزمن البدئي! معنى هذا أنه نتاج تاريخ مقدس، وأشخاص الأحداث ليسوا بشرًا، إنه ينسب نفسه لعالم آخر يتخطى عالمه الدنيوي، وحيث ينسب نفسه له فهو يعيش من أجل أن يعود لأصله، من أجل أن يستعيد ما فقد، إن بكل بساطة مؤمن بوجود عالم آخر. أما إنسان العصر الحديث فيعتبر أيضًا نفسه نتاج مسار التاريخ العالمي، التاريخ العالمي الذي صنعه البشر وإراداتهم وليس إرادات القوى الفائقة أو الآلهة، إنه يتجرد من المقدس ولا يرى حقيقة مطلقة، فينسب نفسه لنفسه وينكر المقدس.
الإنسان القديم كان يعيش وفقًا لأسطورة، أن يعيش الإنسان وفقًا لأسطورة هو أن يؤمن أن هناك حقيقة متجاوزة، أن هناك سردية تفسر العالم وتجعل لأحداثه معنى، أن يؤمن أن هناك ما هو مقدس وعظيم وستكون حياته محاولة للعود الأبدي، أن هناك كائنات أعلى تنتمي لخارج عالمنا، وأن الحقيقة تنتمي لهذا العالم الفائق، وأن للإنسان أصلًا ينتمي للمقدس. أن تعيش وفقًا لأسطورة هو إيمان يشكل رؤيتك للعالم، ويجعلك تتصرف من خلال هذا الإيمان فوفقًا لأي أسطورة نعيش؟
«تنطوي معايشة الأسطورة على خبرة دينية حقيقية، من حيث تميّزها عن الخبرة العادية التي نختبرها في حياتنا اليومية. وترجع «دينية» هذه الخبرة إلى كونها تُحيّن الحوادث المجيدة ذات الأهمية، وتجعلنا نشهد من جديد الأعمال الخلاقة البدائية، ونتوقف عن الوجود في عالم كل يوم»3
الطقوس لتحيين الأسطورة:
لم يكن الإنسان يتذكر الأسطورة فقط، بل يعيد تحيينها (استحضارها)، يعيدها للحياة بقوة الطقوس، المهم بالنسبة له أن يعرف الأساطير لا لأن الأساطير تتيح له تفسيرًا للعالم ولأسلوب وجوده فيه، بل لأن تتيح له إذ يتذكرها ويُحيّنها، قدرة على تكرار ما فعلته الآلهة والأسلاف الفائقين. إن معرفة الأسطورة تعني تعلم سر أصل الأشياء، بمعنى آخر لا يتعلم المرء كيف جاءت الأشياء إلى الوجود وحسب، وإنما كيف يجدها وكيف يجعلها تظهر إلى الوجود عندما تختفي، إنها تعلمه كيف يكرر بوادر الخلق التي ابتدرتها الكائنات العليا، وتبعًا لذلك يضمنون تكاثر هذا الحيوان أو ذاك النبات4
إنها سر، معرفة من طراز باطني ليس لأي أحد أن يعرفها، سيسيء استغلالها أو سيسخر منها، إنها ليست مجرد معلومة، بل هي معرفة مصحوبة بأجواء سحرية-دينية، حين تُتلى أسطورة الأصل أو يحتفل بها يُفسح المجال لكي يشيع الجو المقدس الذي جرت فيه هذه الأحداث العجيبة، إن الزمن المقدس زمن «قوي» يتميز بحضور فعال وقوي، وبتلاوة الأسطورة يُصارُ إلى استعادة هذا الزمن الأسطوري، إن معرفة أصل حيوان أو نبات أو طريدة تساوي اكتساب قوة سحرية عليه، بفضلها نخلقه بقوة الإرادة من جديد، ففي تيمور عندما يُزرع حقل للرز يأتي إلى الحقل شخصٌ يعرف التقاليد الميطيقية المتعلقة بالأرز، يمضي الليل كله في الحقل قابعًا في كوخ، يتلو الأساطير التي تفسر كيف حدث امتلاك الرز (أسطورة الأصل)… بتلاوة أسطورة الأصل، يجبر الرز على أن يطلع طلوعًا حسنًا، قويًا ممتلئًا مثلما كان عندما ظهر أول مرة، لا يذكّره بالطريقة التي خُلق بها بغية «تعليمه»، بل تعليمه كيف يجب أن يسلك، يجبره سحريًا على العودة إلى الأصل، على تكرار خلقه النموذجي5.
تكمن الفعالية من وراء تلاوة الأسطورة طقسيًا في تحيينها للزمن الميطيقي. هي الكلمات التي بفضلها جاء العالم إلى الوجود، كلمات مبدعة، محملة بقدرة مقدسة. كلمات ينطقها الناس في أثناء أداء طقس إخصاب رحم عقيم، وفي أثناء أداء طقس شفاء الجسد والروح، بمناسبة الموت والحرب وخلافه، بل وأيضًا تُستخدم هذه الكلمات التي بفضلها بدّد إيو الظلمات بالنور، تُستخدم أيضًا في الطقوس المعدة لإدخال البهجة على القلوب الحزينة المُحطمة (ألا يذكرنا هذا بشيء من ثقافتنا وأدياننا؟) وفي معالجة العجز والشيخوخة، وفي جميع الظروف الأخرى التي تدفع الإنسان إلى اليأس، إن الأسطورة الكوسموغونية تستخدم باعتبارها نموذج لكل أنواع «لخلق»: لإنجاب طفل أو لإعادة تأسيس وضع عسكري قلق، أو لإعادة التوازن لنفس استولت عليها الكآبة واستبد بها اليأس6. نحن أمام أساطير تحكي حقائق تختلف في قوتها، هذه الأساطير يُصار إلى تحيينها عن طريق طقوس، يتم فيها تلاوة الأسطورة والانغماس في الامتلاء البدئي، فتخيل مريضًا يُترك لكي يشيع فيه القوى الهائلة التي جعلت الخلق ممكنًا، ما زال هذا يذكرني بشيء!
هناك طقوس تجديد العالم وطقوس ضمان موسم ممتاز وطقوس للحمل ولخروج الطفل للعالم، ولأول أكلة يأكلها وأول مرة يشرب، وطقوس للولادة الجديدة، وطقوس لتجديد العالم كل عام، وطقوس تتويج، وطقوس تلقين الشباب أسرار الرجولة، وما أحوجنا لهذه الأخيرة.
لا أظن أن طقوسنا بعيدة تمامًا عن هذا الاعتقاد بأن لها قوة وأنها قادمة من عالم آخر ولكن ما الغرض منها، ماذا تُحيّن حين نقوم بها وهل نتذكر ذلك؟ ربما سأخمن أن إسماعيل حين فُدي بكبش عظيم، عرفنا أن للإنسان أصلان، أصل يشترك فيه مع الحيوان وأصل آخر يشترك فيه مع الآلهة، ولابد أن يستحضر كل عام أن أصله الحيواني لابد أن يذبح فداء للأصل الإلهي، ربما سيذكرنا الصيام بأن الإنسان يجب أن يتحرر من رغباته واستنفاده للموارد داخله وخارجه، وأن يتذكر أن الروح لا تأكل إلا من حيث يجوع الجسد ويضنى، ربما نتذكر بأن لنا أصلًا لا يأكل ولا يستهلك؟ أصلٌ قادر على الصبر، وعلى الصيام عن فُحش الكلام، ولكن ليس فقط لنتذكر ونقول، بل لنعيد تلك اللحظة التي كان فيها الكائن الفائق على وشك الذبح من أبيه ففداه الله، يجب أن نعيد ونعيش تلك اللحظة المكثفة والمتفجرة بالمقدس، وكأنه دخل في عالمنا أو امتزج به فجعل جزءًا من عالمنا ومنّا مقدسًا، لقد مُنِحنا أن تجلى المقدس فينا وفي عالمنا. إن الطقوس ما هي إلا إعادة وتكرار وتحيين لتلك اللحظة البدئية، لحظة التفجر، فهل نستعيد في رمضان اللحظة التي سطت فيها الروح على الجسد؟ هل الوضوء عتبة للدخول في حضرة المقدس؟ هل نستشعر حقًا بالرهبة في حضرة المقدس؟ أم هي كلمات جوفاء نقولها؟ هل هناك طقوس للولادة الجديدة؟ هل الحج نوع من الولادة الجديدة؟ لا أظن أن طقوسنا حية بداخلنا؛ فالأسطورة التي نعيش وفقًا لها اليوم لا تُعبر عن المقدس.
وفقًا لأي أسطورة نعيش:
إن الإنسان الذي يحمل القدسية بداخله يرى أن الأفعال الأصلية يمكن تكرارها بقوة الطقوس، يمكن استعادة الزمن الأصلي، أزمنة التجلي، لأن الزمن حقًا وهم بهذا المعنى، الزمن هو المحمل بالقوة الروحية، أما الإنسان الخاوي الخالي من القدسية فيرى استحالة هذا؛ إن أوجه النشاط البشري كالمأكل والجنس والعمل بالنسبة للإنسان الأول هي أفعال لها مغزى ديني لأن من ابتدأها كائنات عليا، والإنسان الحديث أخذ الطقوس ونزل بها إلى أفعال فيزيولوجية، فالعبادة أصبحت مجرد حركات لا تحمل معنى وراءها، والأماكن المقدسة فقدت جلالها لأن الإنسان لا يروح إليها وهو يريد أن يتحرر من عالم كل يوم، بل يجلب معه عالم كل يوم، ولا يخلع نعليه (إن فهمت مقصدي) على عتبة المقدس.
إن الإنسان الحديث يسلك مسلكين كلاهما أبعد ما يكون عن المقدس، فهناك الإنسان المتدين الحديث والذي بالطبع يرى الأمور متمايزة، فهناك أحجار مقدسة وهناك أحجار عادية، وهناك الشجرة المقدسة وهناك الشجرة التي تنتمي لعالمنا، وهناك المكان العادي وهناك الجبل المقدس والبقعة المشرفة، ولكن وعلى الرغم أنه يؤمن بهذا، إلا أنه ينسى ولا يستحضر تلك اللحظة من خلال الطقوس بل أصبح الطقس والأسطورة كلاهما منفصلًا ومنعزلًا عن الآخر، وبالتالي أصبح طقس الصيام هو الطقس الأكثر استدعاء للشهوات والاستهلاك، ويعكس كل ما لا يمت بالتحكم بالشهوات، وأصبحت الأسطورة تعبر عن وقائع حدثت هنا في عالمنا في زمننا، فأصبح من طبيعة «كل يوم»، ليس حدثًا من طبيعة مختلفة تتجاوز الزمان والمكان كبعدين نعرفهما. أما الإنسان الحديث الغير متدين فإنه بطبيعة الحال ما زال يقدس شيئًا أو يعطيه أهمية ولكنه أصبح يعطي القداسة لما كان الإنسان القديم يعتبره زائفًا، إنه يعطي القداسة للحظة ميلاده، لعمله ومصدر دخله، يقدس المال، ويعطي القداسة لغرائزه ويدافع عن التعبير عنها، بينما حتى طقوس الجنس الجماعي عند البدائيين، لم تكن تندُ عن غرائز بقدر ما هي محاكاة لفعل مقدس، لقد كان دينيًا بامتياز. الإنسان الحديث يدنس المقدس الحقيقي ويسبه بقدر ما يعتبره بلا وجود، وبقدر ما هو خاو منه.
ثم إذا كان الإنسان ينزع القدسية عن العالم، وينكر أن له أصلًا متجاوزًا، يصير هو نفسه [الإنسان] مصدر القيم (قيمه هو!)، وإذا كان الإنسان ليس له أصلًا متجاوزًا، يصبح العقل هو المعيار، الذي ينكر بطبيعة الحال كل ما هو خارج مداه، حينها
تصبح الحقيقة نسبية أو لا وجود لها حتى، حينها تتبدل القيم، ويستعاض عنها بأنظمة، فالقانون سيحل محل العدل وسننسى العدل، والصوابية السياسية ستحل محل الأخلاق، وحرية إطلاق الشهوات تحل محل التحرر من الشهوات، لن تكون للقيم والأخلاق أهمية إلا في إطار الحفاظ على ما هو مادي واقتصادي، سندعم الأخلاق فقط لأنها تجعل الشعوب تسدد الضرائب، وسنكتشف لاحقًا أننا نظن أن الدين والأخلاق هو اختراع بشري محض غرضه السيطرة والحفاظ على نظام متماسك. ستكون الإنسانية مثل الدين في النظام العلماني، يمكنك أن تمارسها في منزلك أو في عطلة نهاية الأسبوع، سيحدث انقلاب كامل على الإنسان والإنسانية، وستكون للعبودية أشكال أخرى، سيحدث هذا الانقلاب من نفس المنبع الذي يحاول أن يحرر الإنسان من سلطة السماء.
«الإنسان غير الديني يرفض الوجود المفارق ويقبل نسبية الحقيقة، ويحدث له أن يشك حتى في معنى الوجود… إن ازدهار الإنسان غير الديني إنما يحدث فقط في المجتمعات الغربية الحديثة. إن الإنسان يخلق نفسه ولا يصل إلى خلق نفسه تمامًا بقدر ما يتجرد من القداسة ويجرد العالم منها. فالقدسي هو العقبة الكؤود أمام حريته، لن يصير هو نفسه إلا أن يثوب إلى رشده جذريًا. لن يصير حرًا حقًا إلا أن يقتل الإله الأخير» 7
أقول أن الإنسان يعيش وفقًا لأسطورة لأنه حتى في أكثر المجتمعات التي تنزع القدسية، ما زالت لا تعطي حق قتل الإنسان للتسلية لأن الحياة الإنسانية مقدسة، وما زالت قاعة القضاء والجامعات أماكن لها حرمتها. الفرق أن الإنسان أصبح مرجعية ذاته وهو الذي يمنح القداسة ويمنعها، ونتساءل من أى أسطورة أو خرافة استمد الإنسان شرعيته في إنالتنا القداسة أو إمساكها عنا؟
من المهم أن نوضح الفرق بين ما نعنيه بالأسطورة والخرافة. إن الأسطورة تُجلي أعيننا عن حقيقة، تشرح كما ذكرت كيف جاءت حقيقة ما للوجود. أما الخرافة فهي إنكار الحقيقة، كل ما يبعدنا عن مصدرنا وأصلنا، كل ما يوهمنا بأن الحقيقة نسبية، كل ما يدعي أن المقدس ليس له وجود، وأن المقدس هو ما يقرر البشر أنه مقدس ويتفقون عليه، إن هذه خرافة. وما أكثر الخرافات التي نعيش وفقًا لها!
فهناك خرافة أن الإنسان محور الكون، أن المال يجلب كل شيء، قد تكون خرافة الإنكار، إنكار الحقيقة، إنكار القدسية، إنكار ما هو أعلى من الإنسان، إنكار ما هو أعلى من العقل، إنكار ما هو خارج الملموس والمحسوس، قد تكون خرافة التقدم والتحضر! أو أن العلم هو الحقيقة! الكثير من الخرافات التي نصدقها ونعيش وفقًا لها ولكن أكثرها إفكًا وافتئاتًا هو انفصال السماء عن الأرض.
الإنسان يعيش دومًا وفقًا لسردية، فإما أن يختارها تنضح بالمقدس، وإما وعاء خاويًا وتكون حينها مجرد خرافة.
«إنها [الأسطورة] حكاية تعيد الحياة إلى حقيقة أصلية وتستجيب لحاجة دينية عميقة وتطلعات أخلاقية وواجبات أوامر على المستوى الإجتماعي. في الحضارات البدائية، الأسطورة تملأ وظيفة لا غنى عنها، تفسر وتقنن المعتقدات، وتحامي عن المبادئ الأخلاقية وتفرضها، الأسطورة ليست تخريفًا لا طائل من ورائه، بل حقيقة حية، وصياغة حقيقية للدين البدائي وللحكمة العملية، جميع هذه الأساطير تعبير عن حقيقة أصلية، أكبر وأغنى من الواقع الراهن»8.
- مرسيا إلياد، مظاهر الأسطورة، ترجمة نهاد خياطة، دمشق، دار كنعان، ١٩٩١.
- نفس المصدر السابق.
- نفس المصدر السابق.
- نفس المصدر السابق.
- نفس المصدر السابق.
- نفس المصدر السابق.
- مرسيا إلياد، المقدس والدنيوي، ترجمة نهاد خياطة، دمشق، العربي، ١٩٨٧.
- مرسيا إلياد، مظاهر الأسطورة، ترجمة نهاد خياطة، دمشق، دار كنعان، ١٩٩١.





0 تعليق