9 أبريل 2024

كيف تجدّد ليلة العيد الأملَ فينا؟

العيد

مقدّمة

تتزيّن الشوارع والبيوت كلّ عام في مناسبات بعينها تعبيرًا عن مظاهر الاحتفال بحلول عيدٍ ما، كما تتجهّز أماكن العبادة أيضًا في حال كان ذلك العيد دينيًا، ورغم كون تلك الأعياد ذات طبيعة دوريّة إلّا إنّ هذا لا ينقص من بريقها إنقاصًا كبيرًا، فتظل الشوارع تتزيّن كل عام لتلك المناسبات مهما كانت باقي أيام العام باهتة أو تعيسة.

هل نحن مدفوعون في احتفالاتنا بالأعياد بقوة العادة فقط أو بسبب كون الاحتفال بالأعياد موروثًا اجتماعيًا ما؟ أم أنّ ليلة العيد فيها ما يمكنه تجديد الأمل فينا حقًا؟ ولمَ تحثّنا الأديان على إحياء الأعياد والأيام المميّزة من خلال طقوسٍ وشعائر معيّنة؟ وكيف تؤثّر تلك الطقوس فينا ولم تكتسب شعورًا مميّزًا خلال الأعياد والمناسبات؟

لا تتطرّق هذه المقالة إلى سبب احتياج الإنسان إلى اعتناق ديانة أو فلسفة ما تصدر عنها الطقوس التي يمارسها وتوفّر له منظارًا يرى من خلاله الكون، بل سنكتفي هنا بما قاله عزمي بشارة باعتباره من قناعات الكاتب ونقطة انطلاق هذه المقالة: «الوجود أمر رائع، ولا يبدو أنّ الحياة اليوميّة تشكّل إجابة كافية عنه. والدين والفلسفة يبحثان عن أمرٍ ما أكثر شموليّة يملأ وجود الإنسان معنًى».

مكانة الطقوس في الدين

في كتاب «دين الإنسان» يشرح فراس السواح أنّ للدين ثلاث مكوّنات لا غنى عنها هي المعتقد والطقس والأسطورة، ويؤكّد على كون المعتقد -رغم محوريّته في تكوين الدين- غير كافٍ للإبقاء على الدين من دون الطقوس. في السياق ذاته يتحدّث السير جيمس فريزر في كتابه «الغصن الذهبي» عن وجود مكونين أساسيين للدين هما الإيمان والعمل. يرى فريزر أنّ الإيمان في هذا السياق يشير إلى إيمان الإنسان بوجود قوى عليا في الكون، بحيث يكون المكوّن الثاني للدين هو العمل على كسب رضاها؛ ويحدّد الطقوس التي تتوسّل إلى قوى عليا باعتبارها العلامة الفارقة في تمييز الدين عن السحر.

في سياق المعتقدات الدينيّة القديمة لدى السكان الأصليين في الأمريكتين على سبيل المثال، مثلّت بداية العام الجديد مناسبة هامّة يُحتفل بها من خلال ما يسمّى طقوس تجديد العالم، وهي طقوس يعاد خلق وولادة العالم من خلالها بالنسبة لممارسيها. يوضّح ميرسيا إلياد إنّه من خلال طقوس تجديد العالم فإنّ العالم «يعود… أكثر أمنًا واستقرارًا، يعود مولودًا من جديد، ليس هذا وحسب، وإنما يعود عالمًا قدَّسه حضور الخالدين فيه رمزيًّا» والذين يتجسدّون من خلال ترديد كلماتهم وتصرفاتهم، أي من خلال ما نسميه الطقوس.

احتياج الإنسان للطقوس 

ربما تبدو ممارسات السكان الأصليين في الأمريكتين بعيدة عن ظرفينا الزماني والمكاني الحاليين، إلّا إنّ ثمّة ما هو مشترك بين طقوس تجديد العالم وأيّ طقس ديني نمارسه اليوم وهو التوق إلى الزمن القدسي والاتصال به. يقول إلياد في هذا الصدد: «إنّ الإنسان المتديّن يشعر بالحاجة لأن يغرق دوريًا في الزمن المقدّس غير القابل للتدمير. وبالنسبة له، إنّ هذا الزمن المقدّس هو الذي يجعل الزمن الآخر العادي ممكنًا والفترة التي يجري فيها كل وجود بشري».

يمكن فهم الزمن المقدّس على أنّه صورة من الزمن ليس لها تقويم ولا تنتمي للماضي أو الحاضر التاريخيين كما تتحدّث عنهما كتب التاريخ أو نشرات الأخبار، بل هو صورة من الزمن فيه وخلاله تقع أحداث الأساطير المؤسسّة لأي دين، وحيث أنّ أي عيد ديني يوافق حدثًا مقدّسًا من تلك الأحداث فطقوس الاحتفال بذلك العيد تنقل ممارسيها إلى الزمن المقدّس الذي جرى فيه هذا الحدث الأسطوري. على الأرجح ليس المقصود هنا انتقال ممارسي الطقوس إلى الزمن المقدّس بشكل يشابه آلة زمن ما أو ما إلى ذلك، بل هو أقرب لانتقال وجداني مشابه لذلك المصاحب لدخول الإنسان إلى دار العبادة التي هي مكان مقدّس، انتقالٌ ليس مرتبطًا بجغرافيّة المكان أو بموعد الدخول إليه، بل بهالته القدسية الحاضرة في كل زمان ومكان.

يؤطّر السواح الفرق بين المعتقد والطقس -وكلاهما من المكوّنات الأساسيّة للدين- في قوله: «إذا كان المعتقد مجموعة من الأفكار المتعلّقة بعالم المقدسات، فإنّ الطقس مجموعة من الأفعال المتعلقة بأسلوب التعامل مع ذلك العالم، إنه اقتحام على المقدس وفتحُ قنوات اتصال دائمة معه». في ذات الإطار المتعلّق بالتواصل مع ما هو مقدّس، فإن الطقوس توفر للإنسان فرصة يستطيع من خلالها الاحتكاك بمفاهيم دينيّة مجردة تبدو شديدة البعد عن حياته اليوميّة، حيث تتيح الطقوس له الوصول إلى تلك المفاهيم بطريقة محسوسة من خلال ما أسماه دافيد نابير «التخلّي عن الطغيان المعرفي في سبيل الحصول على تجربة دينيّة حقيقيّة». تتيح الطقوس الوصول إلى التجربة الدينيّة للجميع بلا استثناء بما أنّها لا تعتمد بشكل أساسي على ملكات عقليّة أو فكريّة، على عكس ما يتطلّبه فهم المعتقد مثلًا من معرفة أو دراسة.

ظلال العيد

تمتلك الطقوس سحرًا حقيقيًا يجذب البشر إليها، كما أنّ سحر الطقوس يتضاعف عند أدائها ضمن جماعات، مما يمنحها قوة كبيرة على حشد الناس حولها ومن خلالها، الأمر الذي عادة ما يتلازم مع الأعياد والمناسبات التي قد تدفع حتى غير المتدينين إلى أداء الطقوس الدينيّة خلال تلك الفترات حتى وإن كانوا غير مواظبين عليها في بقيّة الأوقات، ومع انتقال الخبرة الدينيّة من المستوى الفردي إلى الجمعي يتولّد ما أسماه فراس السواح «الطقس المنظم» والذي يصفه بكونه «أقوى أشكال التعبير عن الخبرة الدينية».

على نطاق المجتمعات تمتلك الطقوس القدرة على تأجيج مشاعر الجماهير ودفعهم في اتجاه تحويل هذه المشاعر إلى أفعال، وحال استغلالها من أشخاص أو مجموعات راغبة في السيطرة على الحشود وتوجيهها فالطقوس سلاح خطر لجأ ويلجأ إليه العديد ممن ارتكبوا أبشع الفظائع تاريخيًّا. لكن من الناحية الأخرى يرى كارل يونج في الطقوس المنظمّة على مستوى المجتمع وسيلة حماية للأفراد مما قد يقاسونه نتيجة لتعرّضهم لتجربة دينيّة فرديّة مباشرة. يستهلّ توفيق الحكيم مجموعته القصصيّة «أرني الله» بقصّة قصيرة تحمل الاسم ذاته، يوضّح فيها الأديب تصوّره لما قد يحدث إذا تمكّن إنسان ما من الوصول بتجربته الدينيّة في السمو إلى حدّ رؤية الله، حيث يفقد بطل القصة عقله وينسى هويّته وذويه، ولا يعود كما كان أبدًا بعد التجربة.

بالإضافة إلى ما سبق، تمتلك الطقوس أيضًا خطر تفريغها للتجربة الدينيّة من جوهرها بحيث تقتصر الأخيرة على ظواهر وممارسات شكليّة، بالتوازي مع التجاهل التام لجانبي العقيدة والإيمان في الدين، بحيث تتحوّل تلك الممارسات في نهاية الأمر إلى ما يشبه وصفة سحريّة يرشحها البعض للوصول إلى حالة صفاء ذهني أو ارتقاء روحي زائف. من أبرز الأمثلة على ذلك الممارسات المرتبطة بالتأمل أو الصوفيّة، والتي اُستهلكت في سياقات تجاريّة وعلمانيّة تمامًا حتى اكتسبت سمعة سيئة مرتبطة بكونها زائفة وخالية من المعنى، المعنى الذي يندفع الإنسان تجاه الدين وطقوسه بحثًا عنه منذ البداية.

خاتمة

تمتلك الأعياد خصوصيّة ما بداخلنا تصاحبنا منذ الطفولة ولا تتركنا إذا اشتدّ عودنا بل على العكس، فتجد الأطفال والأجداد الأكثر حرصًا على طقوس الأعياد وعلى الأغلب الأكثر ابتهاجًا بها، وفي كل عيد نجتمع سويّة لأداء طقوسٍ معيّنة متفق عليها مسبقًا لكنّها تبدو في كل مرّة كأنها جديدة، ورغم أنّ الطقوس ذاتها قد لا يقتصر أداؤها على أيام العيد إلّا إنّ أداءنا لها منفردين يختلف كلّ الاختلاف عن أدائنا لها مجتمعين، وفي هذا الوصف من الحقيقة قدر ما فيه من الشاعريّة. 

تخلق الملابس المتشابهة والحركات والإيماءات الجماعية والأصوات المترنّمة بذات الإيقاع المتناغم تجربة يصبو الإنسان إلى تكرارها دوريًا أو كلما سنحت له الفرصة، رغم عدم قدرته غالبًا على صياغة تأثيرها عليه من خلال الكلمات. تساهم الأعياد الدينيّة -ودور العبادة- في تجديد شعورنا تجاه تلك الطقوس فتخرج من إطار كونها عادة أو حركات نؤديها بلا تأثير وجداني، وننتقل بهذه الطقوس من حيّز العادي إلى المقدّس من حيث الزمان والمكان. 

يجدّد العيد وطقوسه تجربتنا الدينيّة ويبث فيها الروح من جديد، تلك التجربة التي من خلالها نسترجع الشعور بوجود معانٍ أكبر وأسمى مما نقابله في حياتنا اليومية العادية، الحياة التي قد يذوب في زحام أحداثها أي معنى نقبض عليه فيتسرب من بين أيدينا، ومع استرجاعنا لما يعنيه وجود معنى مقدّس نصبو إليه ويتجاوز المادي الذي نراه، يتجدّد الأمل فينا في ليلة العيد.

 

  • أحاول تطويع الكلمات وأجدُها أنجح من صوتي في إيصال ما يدور في خُلدي، وأحبُّ الإطلّاع على ما ينجح الآخرون من مختلف الأماكن والأزمان في تطويعه من كلماتٍ أو لقطاتٍ أو ألوانٍ أو ألحان.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا