هل يسلّم الإنسان بذاته وفكره وإرادته الحرة لغيره من البشر أو حتى لآلة في مقابل الشعور بالراحة؟
أو يسلّم نفسه في مقابل عدم الشعور بالألم والثقل الوجودي (النابع من وجوده في الكون) فقط؟
والحقيقة التي أخشاها أننا على شفا تحول حرفي إلى عصر الإنسان المكون من لحم ودماء ولكنه آلي بامتياز.
ودليلي على هذا هي النسب المخيفة لاستهلاك الأدوية النفسية التي تصيب الإنسان بالخدر النفسى.
عندما تنام على يدك اليسرى طيلة الليل وتصحو فجأة من الألم ولا تشعر بيدك فيصيبك الذعر؛ لأن يدك موجودة لكنك لا تشعر بها ولا تقدر على تحريكها، فتغمزها وتحركها حتى تعود إلى الحياة.
أو عندما تذهب إلى طبيب الأسنان فيعطيك جرعة مخدرة ويصاب نصف فكك السفلي بالخدر فلا تشعر به.
ربما أغلبنا شعر بهذا النوع من الخدر،
وربما أيضًا أغلبنا شعر بنوع من الخدر النفسي سواء في حالة الصدمة أو حالة طارئة تستدعي التصرف البطولي دون أخذ المشاعر لحظيًا في الاعتبار.
ولكن هل لك أن تعيش حياتك تحت اختيار أن تكون مخدرًا نفسيًا؟
الأدوية المضادة للاكتئاب المشهورة على مستوى الأدوية النفسية التي تجعل الإنسان في تلك الحالة المستمرة من الخدر النفسي. والموقف المثير للانتباه أن نسبة الأشخاص التي تستخدم هذا الدواء أو ما يشابهه من تأثير قد تجاوزت أربعين بالمائة من الشباب في الولايات المتحدة فقط، هنالك شخص بين كل ثلاثة أشخاص يتعاطى أدوية نفسية.
وهذا يأخذنا من أيدينا ويلقي بنا نحو طرح أسئلة أكثر صعوبة، وسرد إجابات حين نبدأها سطحية ومن ثم نتعمق.
ماذا قد يكون الدافع الذي يجعل الإنسان تحت تأثير دواء مثل هذا؟
نبدأ بالإجابة السريعة الأكثر سطحية، وهي أوامر الطبيب النفسي بوصف هذا الدواء؛ للتحكم في أعراض مرض معين، فليكن اضطراب الشخصية الحدية أو الهستيرية أو اضطراب القلق العام.
إلى أي مدى «أمر الطبيب» في مسألة غامضة مثل النفس البشرية مستوجب الطاعة؟
هل هذا الطبيب هو نفسه يمتلك القدر الكافي من الاتزان؟
ماذا يعرف هذا الطبيب عن النفس، عن نفسه أو عن أنفس الأخرين حتى يخدرها؟
ولنتأمل موعد علاجي بين مريض «نفسى» وطبيب «نفسى» حتى نعرف كيف نجيب على هذه الأسئلة. فبداية يحجز المريض موعده ويدفع مقابل ذلك ما يقارب يومية 3 رجال بنّائين، ويهم على عيادة أ.د فلان ويحضر الموعد.
يبدأ السؤال عن الأحوال وهي أسئلة ملغمة لاستخراج أعراض محفوظة ومكتوبة في دستور الطب النفسى، (DSM)
(Diagnostic and statistical manual of psychiatric disorders)
وهو كتاب يجمع كل ما أجمع عليه الأطباء النفسيون أنه مرض، وقد نرى اليوم اضطراب الشخصية الحدية مرضًا، وغَدًا يكون من سيتصف بأعراض هذا المرض كامل العقل. كما كانت المثلية الجنسية يومًا ما مرضًا في هذا الدستور في نسخته الثالثة، والآن في نسخته الخامسة هي مجرد شيء طبيعى. ويكون التنقيب عن التقلب المزاجي السريع، والقرارات الفجائية، والتحولات الحياتية من نقيض إلى آخر، وأعراض القلق، والأفكار الانتحارية، واضطرابات النوم، والشهية، والرغبة الجنسية… إلخ.
ويكتفي الطبيب باستخراج عددًا معينًا من الأعراض التي قد تشترك في أكثر من مرض وسريعًا ما يربطها بتشخيص من دستور التشخيصات الـ«DSM» ويضع الإنسان في علبة تشخيص معين، ويتركه مع روشتة كُتبت على عجاله، يظهر فيها أول ثلاثة أحرف فقط من كل دواء وبقية الكلمة خط افقي يفك شفرته الصيدلي القابع تحت العيادة.
هل حقاً هذا الدستور معيار كافٍ لتعليب الإنسان بمرض نفسي معين؟
هل اتفاق جماعة من البشر حتى وإن كانوا مختصين يجعل الشيء محل الإجماع تشريع مقدس؟
والحق إن معيارًا مزاجيًا يتم التحكم به من قبل سياسيين واقتصاديين وبعض الأطباء، ولهذا فهو محل انتقاد ومحل تشكك دائم، ويستحق دراسة منفصلة لما يحمله من تفاصيل وأبعاد سياسية واقتصادية.
والشيء الآخر، هو ذلك الطبيب النفسي الذي يضع نفسه في محل مقارنة مع زملائه الأطباء من مختلف التخصصات، وهذه المقارنة من منطلقين، أحدهما «الفيزيتا» أو الأتعاب التي يحصل عليها، والأخرى الطريقة المتبعة في التشخيص. ومن حيث الأتعاب التي يتقاضاها من كل مريض، فهو لا يملك الوقت أن يتحدث مع مرضاه بالساعات ليفهم الجذور الحقيقية للمرض، فهو خريج كلية الطب البشرى، درس في الكلية ما درسه زميله طبيب النساء والولادة، وطبيب الصدر الذي يجري الكشف على ٥٠ مريض في 4 ساعات في عيادته الخاصة متقاضيًا أجره سريعًا والجراح الذي يتقاضى أتعابه على عملية واحدة عدة ألوف من الجنيهات، وبذلك فهو يتبع النهج الطبي التجاري الشائع. وليس المجال هنا لنقد هذا النهج التجاري لممارسة الطب؛ بل يتم طرحه فقط،
ومن هذا المنطلق فهو لا يختلف عن اترابه في المهنة وقد يكون من منظوره الشخصي ذلك هو العدل.
أما النقطة الأخرى فهي مرتبطة بكيفية ومعيار تشخيص المرض النفسي، وذلك حيث يجد أنه من السهل تشخيص نزلة البرد عن طريق أعراض محددة مثل الرشح والتهاب الحلق… إلخ، أو الزائدة الدودية عن طريق وجود ألم في الجزء السفلي الأيمن من البطن مع وجود ارتفاع في كرات الدم البيضاء… إلخ.
فيجد أنه من الت«طبيعى» -وذلك من وجهة نظره الطبية العلمية الخاصة وليس من وجهة نظر الطبيعة- أن يُشخِّص المرض النفسي من هذا المنطلق، تجمّع من الأعراض يؤدي إلى تشخيص محدد يحتاج إلى علاج موصوف مسبقًا، تاركًا هنا محل السؤال عن معيار التشخيص وهو الـ«DSM» وتاركًا الأسباب الحقيقية وراء هذه الأعراض مكتفيًا بأسباب سطحية من جينات وهرمونات ونواقل عصبية غير مدروسة بشكل كافٍ.
فهل هناك في النفس مشكلة ما أدت لهذا الخلل في تلك النواقل العصبية والهرمونات؟ أم حدوث تلك التغيرات هو السبب الأول والمطلق لتلك الأعراض دون وجود أسباب نفسية فكرية وشعورية مسببة لعدم اتزان كيمياء المخ؟
بشكل آخر، هل التغيرات في نسب النواقل العصبية والهرمونات هي عَرَض ضمن أعراض المرض النفسي، أم هي السبب؟
وهذه نقطة جوهرية في وجهة النظر للمرض النفسي، فتبنِّي فكرة أن هذه التغيرات الدماغية هي المسبب الرئيسي المطلق للمرض، وتحدث نتيجة تداخل عناصر كيميائية ووراثية چينية فقط، دون رغبة أو دافع أو حافز من الإنسان نفسه في حدوث تلك الأعراض التي تسمى مرضًا نفسيًا، تجعل الإنسان في حالة لا حول له ولا قوة فيها، فيحدث المرض دون إرادة منه، وهو غير متحكم في حدوثه، بل هو مفعول به فقط، مسلوب الإرادة، وتوابع هذه الفكرة خطيرة، حيث إن الخطأ الذي لم اكن أنا المتسبب في حدوثه، ليس على مسؤولية إصلاحه.
ولنتأمل طرحًا آخرًا ووجهة نظر مغايرة لظهور تلك الأعراض وما قد يسفر عنه من نتيجة، وهو أن اللاوعي الإنساني يرسل رسائل مشفرة في شكل ما نسميه «الأعراض»، مثل الرغبة في الموت المتمثلة في فقدان الشهية والأفكار الانتحارية وحالات اللاحركة والسكون، لينبه العقل الواعي للإنسان أن هناك مشكلة ما، فقدان المعنى وفقدان قيمة الحياة وقيمة الأشياء، وانتشار الظلم ومعضلة الألم وثقل الوجود، ومن هنا تكون تلك «الأعراض» بمثابة كشّاف ومرشد ومعلم يريد أن يكشف لك عن أجزاء داخل نفسك، أنت لم تكتشفها بعد، أو ربما لا تريد أن تكتشفها. وهنا يكون الإنسان حرًا، يلبِّى دعوة النداء ويدخل في رحلة طويلة ربما يرشده طبيب نفسي حقيقي أو مُربٍّ فاضل أو أخ كبير مهتم بالإنسان وصلاحه، يحاول هو أيضًا اكتشاف النفس بداخله، فتكون حياته عبارة عن طريق نحو اكتشاف الذات المليئة بالاكتشافات غير السارة والسارة، اكتشاف أراضي المجهول المصحوبة بالخوف والقلق، وعدم وجود أراضٍ صلبة، ومن الممكن أن يرفض الإنسان دعوة هذا الصديق الكشاف، ويرضى فقط بتلك الحبة التي تعطيه إحساس الخدر.
وهنا أضيف على مقولة الأديب نجيب محفوظ أن آفة حارتنا الكسل والنسيان.
ربما تكون هذه حقًا مثالًا للأمراض النفسية: الكسل، يبحث العالم الآن عن ما يزيل الألم ويحقق الرغبة ويشبع اللذة الآن وهنا، دون طرح السؤال حول إن كان هذا مفيد أم ضار، أخلاقي أم غير أخلاقي.
لماذا على الإنسان أن يتجرع مرارة الشعور بالألم والبحث في المجهول، في طريق قد يستغرق سنوات حياته؟ لماذا يتكبد هذا العناء عدة سنوات وفي يده الآن وهنا تلك الحبة المخدرة المخلصة من الشعور الحزين والثقيل، وأيضًا المفرح والخفيف؟ ويكون الفكر متبلد بطيء لا يساعد الإنسان في الفحص والتأمل وتكوين وجهة نظر، يكون الإنسان بلا ملامح.
الشبيه الجراحي لتلك الحالة هو عملية استئصال النفس.
ولكن تلك الحبة ضرورية جدًا لرؤوس الاموال، فهنالك صناعة كاملة تعادل ميزانيات دول حول تلك الحبة، ولقد أوضح الطبيب النفسي «باسيل ڤاندركوك» في كتابه «الجسد لا ينسى – علامات الصدمة» أن نتائج أبحاثه في علاج صدمات الطفولة «التروما» أفدت إلى أن العلاج بعدة طرق، مثل التناغم مع الطبيعة واليوجا والعلاج المعرفي وعدة طرق أخرى كثيرة، هي الأصلح والأفضل من استخدام الأدوية الكيميائية المضادة للقلق والاكتئاب، وتفادي أعراضها الجانبية المرعبة مثل اضطراب الشهية واختلال الوزن وزيادة الأفكار الانتحارية وحالات فقدان التركيز وضعف الذاكرة، ولكن العلاج بالطرق الطبيعية يأخذ وقتًا طويلًا، فتمت محاربة أبحاثه والتضييق على نشرها وعلى محاولاته في العلاج وتهديده بسحب رخصة مزاولة المهنة. لأن أبحاث كتلك هي بمثابة تهديد للمليارات الموضوعة في صناعة أدوية المرض النفسى، فلا عجب أن ترى أن شركة فايزر الأمريكية أكثر مبيعاتها الآن هو دواء بروزاك المضاد للاكتئاب بعد أن كان الفياجرا في العقد المنصرم.
وهذه ليست دعوة لرفض الأدوية وحرق الشركات، بل دعوة للتعقل في الاستخدام، مثلًا فى حالات مرضى الذهان فى الحالات الشديدة لا نعرف أي طريقة أخرى سوى الأدوية المضادة للذهان، أو في حالات الانفعالات الشعورية المتفجرة ربما يكون هنالك دور لتلك الأدوية المخدرة بشكل مؤقت، لكن النقد الموجه هنا هو الاستمرارية على هذا النوع من الدواء لفترات طويلة أو حتى العمر كله، كما موجه إلى النسبة غير المعقولة التي يأمر بها الطبيب بوصف أدوية مثبطة ومخدرة نفسيًا. هذا النقد بمثابة دعوة للرجوع للحالة الإنسانية التي جبلتنا عليها الطبيعة، لاكتشاف الإنسان وقدراته وليس لتخديره وسجنه.
يتضح من الطرح أن هنالك ميكروسكوب و تيليسكوب يمكننا أن نرى من خلالهما المرض النفسي.
نظرة الميكروسكوب، هي النظرة الثاقبة الدقيقة المادية التي ترينا كيفية حدوث العلة، وأي تغيير كيميائي قد طرأ ليسبب تلك الحالة، لكنه لا ينظر إلى الإنسان كإنسان، من أين أتى وبماذا تريد أن تخبره نفسه عما به، ماذا يرى في الوجود؟ كيف يرى الوجود؟ وكيف يتعامل معه؟ تلك النظرة تحول الإنسان إلى ترس غير سليم في ماكينة الكوكب، فلا يوجد ما نعجب منه عندما نرى أن بند رئيسي في تشخيص أي مرض نفسي تبعًا لدستور الـ«DSM» هي «loss of function»
فقدان الوظيفة، لقد تحول الإنسان إلى وحدة وظيفية، إذا اختلت وظيفة تلك الوحدة في العمل أو المنزل أو المجتمع، يصبح مريضًا نفسيًا، ويمكن أن يستكمل النقد هنا بأن تلك النظرة المادية أصبحت نظرة متطرفة عقائدية نابعة من تقديس العلم والتدين به، ولا تختلف أي اختلاف عن نظرة المتطرفين دينيًا في عصور أوروبا الوسطى لأي شخص مختلف أو تبدو عليه «الأعراض» فسريعًا ما يتم وصمه بال«ملبوس» وإن لم يكف عن «الأعراض» فيتم التخلص منه، كما كانت النظرة للنساء اللواتي يظهر عليهن «الأعراض» عندما تفقد السيدة وظيفتها في المنزل بسبب الاكتئاب والحزن، كانت سريعًا ما يتم وصمها بالساحرة وتحرق على العامود. الآن في ظل عصر الصوابية والعالم الديمقراطي الحر المهتم بحقوق الانسان لأقصى الدرجات، لا يصح حرق تلك السيدة، بل نصف لها بأمر الطبيب حبة تجعلها مستقرة ومكبلة لا تشعر، بالكاد تفكر، متخبطة الشهية ومختلة التركيز فاقدة للذاكرة، والسؤال هنا، أليس هذا حرق في زي القرن الواحد والعشرين!
وربما يأتي ما هو أسوأ وذلك في السؤال الذي طُرِح في مستهل الحديث، هل يُسلِّم الإنسان بذاته وفكره وإرادته الحرة للآلة في مقابل الشعور بالراحة أو حتى في مقابل التخلص من الألم؟
التطور التكنولوچي أصبح قطارًا قضيبه ظهر الإنسان غايته التقدم والرخاء المادي. في الأشهر المنصرمة طرأت أول تجربة لزراعة الشريحة الدماغية من شركة «nuralink» في دماغ أول إنسان، نحن نرى أفلام الخيال العلمي على أرض الواقع، وفي مقابلة سابقة مع إيلون ماسك المدير التنفيذي للشركة، صرح بأن تلك الشريحة يمكنها مجابهة المرض النفسي عن طريق تغيير نسب وتركيزات النواقل العصبية أو كيمياء الدماغ البشري.
وهنا سوف أترك المخاوف الشخصية والهواجس الطبية خاصتي تتكلم.
عندما يريد أن يكون مستيقظًا وهو بحاجة للنوم، فيمسك بالهاتف الجوال و يفتح التطبيق الخاص بالشريحة و يعدل نسبة الناقل العصبي «GABA»، أو عندما يريد أن يبرمج دماغه على أداء وظيفة سخيفة لا يريدها فيصحو صباحًا و يعطي لنفسه جرعة دوبامين فيشعر بالإنجاز والمكافأة، ينطلق إلى شارع الشركات ويصعد ويجلس على مقعده ويعطي لنفسه جرعة أخرى، بعدما ينجز مهمة وضيعة أو ينهي تصميمًا سخيفًا غير راضٍ عنه يعطي لنفسه جرعة أخرى. ومع تناوب الأيام دون أي محفز خارجي لقد صار هناك ارتباط شرطي بين هذا العمل العقيم وإحساس المكافأة. نحن هنا نتكلم عن الإنسان يتحكم في نواقله العصبية أي إنسان يبرمج نفسه، ماذا إذا كان هذا التحكم من رب العمل أو المدير التنفيذي في الشركة أو في أيدي السياسيين، وتكون الانتخابات الديمقراطية فيما بعد عن من سوف يتحكم في شرائح الشعوب؟
عندما يريد الإنسان أن يضحك وأن يشعر بإحساس النشوة في سهرة مع مجموعة غير لطفاء من الأصدقاء، ولكنها إجازة نهاية الأسبوع ويريد الجميع إحساس النشوة فيزيد نسبة السيريتونين التي تقارب مفعول الهيروين. ماذا عن الإنسان بعدما يقتل أخيه الإنسان في الحرب، فيمسك بجواله الخاص ويفتح التطبيق المخصص بالشريحة ويزيد نسبة السيريتونين، فيشعر أنه جيد ويستحضر الأفكار التي تساعده على وجود هذا الشعور، ماذا لو تحكم في الشريحة قائد الفيلق في الحرب؟ ماذا لو اخترق العدو النظام وأصبح المتحكم في أدمغتنا؟ ماذا لو… إلخ.
سوف يكون هذا أسوأ فيلم خيال علمي، ويكون آن ذاك فيلم «the matrix» هو الواقع الذي نحياه.
ربما تكون مخاوفي الشخصية من المجهول هي سبب هذه الهواجس، وفي تلك الحالة أكون أنقد ما أنا عليه بالفعل، ولكن إحصائيات الإقبال على استخدام الأدوية التي تكاد تفعل ما سوف تفعله الشريحة بالضبط مخيف، النهم التكنولوچي خرج عن حدود السيطرة، الرغبة في القوة والهيمنة والسيطرة أصبحت بلا حد، ما الذي يمنع أن يكون تحت يدي زر أتحكم به في أدمغة مجموعة من البشر، وأنا بالفعل تحت يدي زر آخر (زر القنبلة النووية) أستطيع أن أدمر به مجموعة أخرى من البشر؟
عصر السهولة واللحظية والكسل، ينبئ بما هو قادم، يوم أن يُقبل الإنسان على الخلاص من النفس ويصبح كائنًا آليًا وظيفيًا.
وبالعودة للنظرة الميكروسكوبية، فهذا سوف يكون مبررًا في حينه؛ لأنه يعالج «الأعراض»، يعالج المرض النفسي.
أما النظرة التيليسكوبية، فهي مغايرة تمامًا، ولعلنا نجد تشابهًا بين تلك النظرة ونظرة بعض رواد علم النفس الحديث مثل كارل يونج، وأدلر، وإدوارد إدنجر، وروبرت موور؛ فننظر هنا للنفس البشرية على أنها كائن صاحب طبيعة خاصة مختلفة عن جلدنا وأعضائنا الداخلية، لكنها ليست بالقدر المختلف كثيرًا، فعندما يمرض الجسد يكون الألم، وإذا تألمنا فنحن حقًا ممتنين لذلك الألم الذي يركز انتباهنا نحو ما هو مريض، فيصبح لدينا الإرادة في علاج الجزء المريض، وكلما لجأ الإنسان إلى المسكنات والمخدرات كلما تقدم المرض وأصبح أكثر صعوبة في العلاج، كما تؤثر تلك المسكنات على الأعضاء السليمة فتؤدي إلى فشل كلوي وكبدي وتقرحات في المعدة، بالتبعية، بينما النفس هي التي تتألم. الأدوية التي تصيب بالخدر لا تُفعّل إلا راحة لحظية من الألم، وتصيبنا بفواجع في المستقبل بطريقة ظاهرية من أعراضها الجانبية، أو بطريقة باطنة في النفس تجعل تلك الأعراض تترسخ في شكل مرضٍ عضال لا يسهل للنفس علاجه، هنالك نداء لأن يبصر الإنسان إلى ما يؤلمه، ما هي تلك الأفكار التي تدمره، من أين تنبع تلك المشاعر القاسية التي تؤرقه؟ وربما تساعدنا بعض النظريات في علم النفس الحديث عن طريق تفنيد أجزاء النفس وتجميعها بشكل متسق مثل نظرية يونج عن الفردنة أو الـ«individuation»
أن تكون جميع أجزاء نفس الإنسان الدائر بينها ما صنع الحداد والتي ليست على وفاق منسجمة ومتجانسة ومتسقة، فيصبح الإنسان فردًا، وحدة واحدة، غير منقسم أو مشتت. ولكن كل هذه النظريات هي وليد جديد يمكنها المساعدة لكنها ليست مقدسة، ومن هذا المنطلق التيليسكوبي تكون الأمراض النفسية مختلفة كثيًرًا عن دستور الـ«DSM»، قد يكون الكسل الذي يمنع الإنسان من اكتشاف ذاته أو الخوف الذي يكبل الإنسان في قبوه السائد والرائج ويجعله غير قادر على اكتشاف حدائق وشموس المجهول، الحقد النابع عن الغيرة من كل إنسان يحاول أن يكون فردًا، الأفكار العبثية عن العالم والأقدار وعدم جدوى الكون والوجود الذي يجعل كل الأشياء ضبابية ونسبية، فيتساوي الثمين بالغث، والنبيل بالخسيس، ولا أعتقد أن محاولاتي تلك فالحة أيضًا في تصنيف المرض النفسي، لكن ما أعتقد أن النفس البشرية من عين التيليسكوب غير مكتشفة وترجو من بني الإنسان أن يكشفوا عنها فيكتشفوا أنفسهم والعالم.





يؤسفني قراءة مثل هذا المقال في هذا الزمن، فمازال هناك فهناك فرق شاسع بين المحتوى العربي والعالمي فيما يتعلق بالصحة العقلية.
مع استخدام مكرر للكثير من الكلمات القديمة مثل تعاطي، الحبوب المهدئة والمخدرة، وغيرها الكثير مما يدفع الكثير ممن يعانون إلى الخوف من طلب المساعدة أو تلقي العلاج.
ولكن كل من يتكلم بالرهبة والسلب عن هذا المجال، هم أشخاص لا يعرفون المعاناة الحقيقية للوحدة والخوف، ولا يؤمنون بأن تلك المعاناة الطويلة لها المقدرة على سلب الإنسان حياته أو تدميره.
وأود القول أيضا بأن القلق مثلا، والوسواس والاكتئاب لا يقلون أهمية بمكان عن الذهان وغيره، كل مافي الأمر بأن هؤلاء المساكين يقاتلون مرضهم بمفردهم حتى يأخذهم الانتحار، بينما يعيش غيرهم طويلا بسلام نفسي أكبر، معتقدين أنهم أقوياء في مواجهة الحياة، غير مدركين أن المرض النفسي الحقيقي لم يصبهم بالشلل، بعد أن نصحوا الناس بالابتعاد عن تلقي المساعدة الحقيقية.