فتحتُ مسودة هذه المقالة قبل وفاة الفنان الكبير صلاح السعدني بساعات قليلة وكانت مصادفة صادمة، وأحزنني الخبر للدرجة التي جعلتني هجرت المقالة لشهور، ولكن الرحلة الفعلية للهوية بدأت منذ عامين تقريبًا عندما نُشِر الجزء الأول من المقالة: «حسن أرابيسك وسؤال الهوية بعد ٣٠ عامًا».
وكما هي الكتابة عادة، تجعلك أحيانًا تتوقف عن التفكير في أمر ما بعدما تكتبه وتشعر أنك ألممت بكل جوانبه، ولكن في مرات كثيرة تشعر أن كتابتك حول فكرةٍ ما أصبحت لعنة تطاردك، تفكر فيها دومًا، تستوقفك الحياة لتختبر ما تعتقده ومدى إيمانك به، وتنزع عنك كل ادعاءٍ ادعيته عن نفسك، ولذلك فقد أصبحت لعنتي الهوية، أتساءل عنها دومًا ما هي؟ وهل هويتي تختلف عن هوية مصر؟ ولماذا أصلًا يشغلني هذا التساؤل حول الهوية؟ ولماذا يستهويني موضوع الهوية في أعمال أسامة أنور عكاشة؟ وغيرها من التساؤلات.
لا يعنيني منها في هذه المقالة سوى سؤال: ما هي الهوية؟
ما هي الهوية المصرية
دعونا نعطي مثالًا عن نوع محدد من الهوية وهي الهوية المصرية، وهي غالبًا أكثر ما نعنيه حين نتحدث عن الهوية وهي ما أضعه نصب عيني في هذه المقالة، وهنا قد نسأل: ما الذي يجعلنا ننظر لطبقة من المجتمع ونقول بأنها لا تعبر عن الهوية المصرية؟ أو أنها ليست من مصر ولكنها من (EGYPT)؟ ما الذي يجعلنا نقول عن شخص إنه مصري أصيل؟ وشخص تاني نشعر إنه أجنبي على الرغم إنه مكتوب على بطاقته مصري؟
الهوية المصرية مصطلح بيُطلق عادة للتعبير عن اللي بنعتبره بيمثل مصر من وجهة نظرنا، وغالبا بنشوفها في هيئة عربية الفول بالمقارنة مع مطعم زوبا مثلًا، مش لفرق السعر ولكن لفرق الجمهور والطعم والروح.
بنشوفها في الفرق بين حي الرحاب وحي عابدين، بين المعمار القديم اللي بيراعي الجمال والزخرفة وبين المعمار اللي بيراعي فقط كمية الربح.
ولكن هل ممكن اختزال الهوية في الأشكال دي؟ مش يمكن يكون الكومباوند هو تعبير عن الهوية ولكن بشكل حديث؟
الهوية والماهية: أين يتقاطع الجوهري مع ما هو شكلي؟
الهوية (Identity) لغويًا مأخوذة من الضمير هُو، ومعناها من هو الإنسان، أو من هو إنسان بعينه؟ والهوية تختلف عن الماهية (Essence)، فهذه الأخيرة هي تعريف للإنسان وجوهره الحقيقي أو طبيعته الأساسية، فمثلًا القول بأن الإنسان حيوان عاقل متكلم، ماهية تنطبق على كل إنسان -وكذلك أي تعريف آخر للإنسان- بحيث إذا انتفى هذا التعريف أو ذاك انتفى معه كون الإنسان إنسانًا، ودخل في حيز مجال آخر.
أما الهوية فهي ما يميز فرد بعينه عن غيره داخل الماهية الواحدة التي تجمعهم، وربما تجمع الهوية بين مجموعة من البشر يسكنون في مكان أو تجمعهم صفات جسدية ونفسية معينة أو تاريخ معين أو ديانة واحدة، مثل المصريين أو الرجال أو اليهود أو السود مثلًا، وذلك لا ينفي أن لهم ماهية يشتركون فيها مع الجنس البشري. الهوية إذن ليست جوهر وليست مشتركة بين كل البشر، حيث الماهية هي ما تمثل جوهر البشرية الجامع لها. الهوية نزوع نحو التفردن والفردية، هي ما يميز هؤلاء المتحدون في الجوهر عن بعضهم، هو ما يجعلهم مختلفين، باختصار، الماهية تشير إلى الطبيعة الجوهرية للشيء، بينما الهوية تشير إلى الصفات أو الخصائص التي تميز هذا الشيء عن الآخرين وتحدد هويته.
ولكن الهوية – وقد يبدو هذا تناقضًا- تعتبر أيضًا جوهرًا من حيث كونها تُميّز مجموعة من الأشخاص أو فرد بعينه بحيث أصبحنا نطلق عليه فردًا أي متفردًا لأن به صفات تفرده عن غيره، بحيث إذا انتفت هذه الصفات أصبح مجرد إنسان ونسخة من غيره، وهو ما يتنافى مع الواقع الذي نرى أن كل شخص فيه متفرد.. فريد.. متميز.. أوحد.. له بصمة لا تشبهها أي بصمة أخرى.
يعني لو رسمنا الموضوع هنرسم مجموعة من الدواير داخل بعض، وفي الدايرة الخارجية هتكون هوية مشتركة مع قدر كبير من الناس بتميزهم بقدر كبير عن غيرهم من الناس، زي مثلًا المصريين، في دايرة داخلية أكتر هيكون حي عابدين، وفي الدايرة الداخلية أكتر هيكون شخص واحد، بحيث لو انتفت هذه الدايرة، أصبح الشخص كأنه مش موجود، هوا مجرد شخص متشابه بالكامل مع أي حد من عابدين.
مش عاوز يبان كلامي تحايل أو نوع من التلاعب، بس دي بالنسبة لي مفارقة الهوية، إنها مش جوهر مشترك ومش مجرد شكل ظاهري يمكن استبداله بشكل آخر، لأ، هي جوهر بالقدر اللي بيخليها مزيج لا يمكن إنه يتطابق مع غيره، ولكل مجموعة هوية ولكل فرد هوية.
بين المكان والتقاليد: كيف تُولد الهوية؟
الهوية جزء كبير منها مش اختياري، بل بيتعلق بالمكان اللي اتولدنا فيه، بالعادات والتقاليد والثقافة ومنظومة الأخلاق المجتمعية اللي اتورثت لينا، وممكن نثور عليها، ولكن من قلب نفس العادات والتقاليد عشان ده احنا، الهوية بتتعلق بالديانة والثقافة اللي بيعتنقها المجتمع.
فالهوية إذن مش اختراع جديد، بل هي اللي شكِّلتنا ونحتتنا لنصبح ما نحن عليه اليوم، الهوية هي اللي بنفهمه وبنتفاعل معاه وبنشعر إنه الأقرب لوجداننا، لإن ده اللي اتربينا عليه، وده اللي بيعمله اللي بنحبهم، هي اللي بتشكل طريقة تفكيرنا وطريقة استيعابنا، اللي بتشكل مشاعرنا وقيمنا، اللغة اللي نفهمها واللي بنفكر في إطارها وبنشعر من خلالها. حتى ولو تغيرت الأفكار تفضل الهوية مزروعة بالداخل وتتفاعل بشكل تلقائي مع ما يشبهها.
إحنا مثلًا شعب يحب النكتة ودي حاجة بتجري في عروقنا، ده جزء من هويتنا ولما بقول كده، فأنا أقصد إن النكتة من مفردات الطريق اللي بنسلكه عشان نوصل لنفسنا، إننا مثلا شعب بنوصف بالسلام والتسامح، عكس شعوب تانية بتتوصف بالعصبية والانتقامية والغضب مثل الفرنجة أو الأتراك أو اليابانيين، ولذلك بتجد إن طريقهم في المقاومة والثورات والحروب وأسبابها بتختلف عننا احنا المصريين، اللي بنجنح للسلم ومنلجأش للحرب إلا بعد ما نرمي كل اللي في إيدينا من حلول. واحنا مثلًا كمصريين لينا سمات معينة، لسه بتميزنا زي الدم الخفيف، والطيبة والإيمان العميق، ونفحات من الحضارة، وقدرة طويلة على الصبر والتحمل، واللين والتعاطف، المركزية نحو السلطة بسبب نهر النيل، التدين البسيط أو التدين بالفطرة وأنا بقولها وأنا فاهم كويس ما تعرضت ليه الجملة دي من استهزاء واستنكار كنت أنا شخصيًا جزء منه، ولكني فعلًا بأعنيها، المصري هو إنسان ديني بامتياز.
الطريق إلى الروح هو الهوية، الهوية التي تشكل الإنسان، هي ما تجعله يصل لنفسه.
فكأنه يمشي من خلال هويته ليصل إلى ماهيته.
والطرق للوصول إلى الروح تتعدد -ربما تدفع هذه الجملة إلى الاعتقاد أنه يمكن أن أسلك أي طريق ولكن الحقيقة غير ذلك بل معنى ذلك أن لكل إنسان طريق يجب أن يتخذه لأن هذا ما توجبه عليه هويته ولأنه طريقه الفريد الذي يناسب شخصيته الفريدة- والديانات تتعدد والثقافات، ولذلك كان لزامًا أن يسلك الطريق الذي اُختير له بناءً على مكان مولده وديانته ولغته وطبيعته وتربيته ومستواه الاجتماعي وخلافه، وهذا الطريق ليس إجباريًا فالإنسان يتمتع بحرية الإرادة ولكنه يتمتع بها لكي يختار ما يجب اختياره، والهوية هي المزيج الذي يشكله مجتمع واحد، البصمة بتاعة مجتمع معين، وجدانه وروحه وطابعه، الاحساس ده اللي بيوصلك لما ترجع بلدك أو لما الناس بتيجي بلدك وتحكيهولك، ولذلك بنلاقي الهوية المصرية هي هوية غنية جدًا لأنها قدرت تعصر ثقافات كتير وحضارات كتير وأفكار كتير، هي هوية متسامحة للغاية وحتى احتضانها للتيارات المتطرفة كان بدافع من تسامحها بس ده مش موضوعنا.
ولذلك هشوف إن مهم جدًا إن الإنسان يحاول يفهم هويته عشان يعرف ماهيته لإنه زي ما قولنا الهوية بتعكس إزاي يُدرك الشخص نفسه، الهوية هي الطريق للماهية وأي طريق هيسلكه الإنسان بعيد عن هويته هشوف إنه هيكون مُضلِل، وهيكون صعب وطويل، وهيكون عندي السؤال الأساسي وهو سؤال مفروض يسأله كل شخص بيبحث عن ماهيته وهو: ليه رافض هويتك؟
لو تطرقنا للمصطلحات الرواقية هنلاقي الهوية هي اللي في إيدك أو اللي في تحكمك، هي الأدوات اللي عندك واللغة والثقافة والتربية والديانة والحي والشارع ومعارفك ومواهبك وما جُبِلت عليه وكونك ذكر أو أنثى.
وده اللي لازم تستخدمه، حتى لو ده مضني ومرفوض بالنسبالك حاليًا ولو تعرضت هذه الهوية للتشويه والطمس، ولكن حتى في وسط كل ده، الهوية هتعّرف الإنسان كتير عن نفسه، لإنه مش لازم الطريق يبقى وردي، كتير الطرق المظلمة بتخلي الإنسان يختبر نفسه وبالتالي يعرف إمكانياته ويحدد ما هو عليه وما يجب أن يكون عليه.
بس النهارده بنواجه مشكلة كبيرة كنت أشرت إليها بالأعلى وهي عن انمساخ الهوية وميوعتها وبعيدًا عن أسباب ده، أظن كلنا عندنا الإحساس بتاع إن مصر بتتغير واحنا كمصريين مبقيناش زي زمان وكتير من العادات اللي بيجيلنا تجاهها شعور بالنوستالجيا زي الطبق اللي طالع نازل في رمضان ولمات العائلة الكبيرة، ولعب البلي في الشارع وموائد الرحمن والتراحم بين أبناء الشارع الواحد ودور الأم والأب والمعلم في المدرسة وتآلف الإخوة واستمرار العلاقات الزوجية، وغيرها كتير حاجات بدأت تختفي وتضمر، وبدأت تظهر حاجات غريبة علينا زي كل اللي بيحصل في مجال التربية والتعليم واللانش بوكس والمدارس الانترناشونال والأطفال اللي ماسكين موبايلات وقاعدين على النت وخناقات الساحل بتاعة كل سنة ومهرجان الجونة والأفراح اللي بقت على الطراز الغربي والspeeches والمساكنة وحاجات تانية كتير -والحقيقة أنا هنا مش بحاول أكون مع أو ضد- وفي ظل كل ده الواحد بيرجع يسأل نفسه تاني هل هي دي الهوية ولا دي مش تبعنا؟
هنا هنرجع تاني نقول إن الهوية هي الصفات والخصائص التي تميز شيئًا ما عن الآخرين، سواء كانت هذه الأشياء أفرادًا أو مجموعات أو منظمات وغالبًا بتكون ليها متعلقة بالثقافة، أو القومية، أو الهوية الشخصية، ولذلك أقدر أقول إن اللي بنعتبره بيميزنا كمصريين هو ده الهوية واللي شايفين إنه مستورد جاهز هو مش هوية ولا يمت لينا بصلة، بل ربما أقول إنه دفاع نفسي مننا كوطن منسحق تحت هوية مادية غربية قوية، فاحنا بنعيش زيهم.
طب ما حد هيسألني ليه اعتبرنا إن اللي فات زي طبق رمضان اللي طالع نازل ده من ضمن الهوية؟ الحقيقة لسببين:
السبب الأول: إن الأشكال دي متسقة مع ما يبدو على المصريين من كرم وتراحم وحميمية، وهنا على أد ما المعيار ده ذاتي جدًا إلا إنه موضوعي اوي لإن أي حد عنده اهتمام بموضوع الهوية هيشوف إن دي أفعال لا يمكن تتنافى مع الهوية المصرية.
السبب الثاني: إن الهوية بتفترض فعل فِضل مستمر لفترة وأصبح يمارسه الجميع تقريبًا داخل إطار معين وتقبلناه واعتبرناه كمان جزء مننا وعيب لو متعملش، وتاني على الرغم من ذاتيته إلا إن إجماع الكل في منطقة معينة بيجعله شبه موضوعي.
“حسن أرابيسك”: مثال حي عن الهوية المصرية
يمكن دي واحدة من القضايا اللي بيناقشها مسلسل «حسن أرابيسك» عن إيه اللي بينتمي لينا وإيه اللي مش بينتمي لينا، والرسالة اللي بيوجهها حسن أرابيسك النعماني الصغير في آخر المسلسل لما بيقول “لازم نعرف احنا مين عشان نعرف احنا عايزين إيه؟” وده جه بعد ما قرر يهد الفيلا اللي كانت بترمز للبزرميط اللي عايشينه، حبة من هنا على حبة من هنا، واللي كان مستحيل ترمز للهوية المصرية اللي بتعصر كل دخيل إليها وبتطلع منه المناسب ليها وبتلفظ بقوة كل شيء آخر.
احنا مين بقا؟ إيه اللي بيميزنا كمصريين عن غيرنا؟ إيه هي الهوية المصرية دي؟
الإجابة على السؤال ده بإطلاقية صعب للغاية، ولكن بالاستناد على مسلسل أرابيسك بنشوف نوعين من البني آدمين، نوع بيمثل الهوية المصرية زي الدكتور وفائي وعدولة والأسطا عمارة وطبعًا حسن، ونمط بيمثل رمضان الخضري ورولّا وبركسام وغيرهم، والفرق الجوهري بينهم هو الانتماء لمجموعة من القيم اللي انتمى ليها كل فريق منهم، فريق بينتمي للمجتمع ولشيء متجاوز لمصلحته، وفريق بينتمي ويتمركز حوالين نفسه ومصلحته.
دي ممكن تكون السمة الأساسية للهوية المصرية، وعلى الرغم إني بطلق تصريح مش مبني على أساس موضوعي ولكنه مع ذلك يظل موضوعي لإنه الحاجة اللي بنلاقيها مشتركة في كل المظاهر اللي بنقول عليها مصرية حتى بدون ما نفكر فيها بشكل كافي، زي: التراحم والتكاتف بين أبناء الحي والمنطقة، الجدعنة، الدم الخفيف، الروح الحلوة، التسامح، التدين والإيمان العميق، ودي حاجة أقدر أقولها بكل ثقة إن الإنسان المصري، إنسان ديني بامتياز، اللين ورفض التشدد أو التعصب، الصبر الطويل والميل للاستقرار، الأرض عنده زي العرض.. بنلاقيهم كلهم بيلفوا في فلك حضاري، وده مش غريب لإن مصر إرثها الحضاري والروحي هو الأغنى والأكثر تجذرًا، ولذلك بنلاقي الهوية المصرية هي هوية روحية حضارية وكل السمات اللي فاتت بتنبع من ده، وروحية هنا أقصد بيها تحديدًا إن فيه حاجة تانية غير العالم المادي ده.
بتلاقي أصابع الكف الخمسة مطبوعة بالدم على حيطة في حي شعبي تعبيرًا عن الخوف من الحسد، بتلاقي معاملة الناس للموتى وزيارة المقابر حتى في الأعياد بتدل إنهم بيعتبروهم عايشين معاهم، وبيعتبروا الموت أو الأبدية هو المكافأة الكبرى اللي هينولوها حتى لو حياتهم صعبة، فهي فترة وتعدي، بتلاقي علاقة المصريين بالأوليا والقديسين هي علاقة حب وتبرك بأبطال تخطوا الهموم اليومية وكان ليهم قضية، أشخاص نقدر نقول عليهم أشخاص مقدسين، حبهم نفسه لآل البيت هو حب لناس عاشوا حياة طيبة وعادلة، وحبهم للسيدة العدرا ومارجرجس كذلك، تعلق المصريين بكل ما هو غير مادي وإيمانهم المتأصل منذ العصور القديمة بكل ما هو قدسي وتقديسهم لأشخاص لمسوا هذا القدسي، بقول إن دي حاجة مُميزة جدًا للمصريين، ده أقدر أقول المحور للهوية المصرية وإن كان بياخد أشكال تانية بس بيظل موجود، مثلًا واحدة من الأشكال دي إن الإنسان المصري دايمًا له مركز، سواء المركز ده هوا مسجد سيدنا الحسين أو قيمة زي المجتمع أو قضيةٍ ما زي العروبة أو الوطنية أو الجيرة أو الحق أو العدل أو الدين، فالهوية المصرية مرتبطة بكل ما هو متجاوز لمصلحة الإنسان الفردية، هوية دينية أو هوية روحية والمصري إنسان ديني بامتياز، بمعنى إنه عنده إيمان قوي بما فوق العالم المادي.
طبعًا كل سمة من السمات اللي ذكرتها فوق وليها الضل بتاعها زي مثلًا إن الجدعنة ضلها الفهلوة والفتي، وحب الأرض بيطلع من وراه الجشع اللي عند الفلاحين في وضع اليد على أراضي قرايبهم والعلاقات الحميمية بييجي من وراها انعدام الخصوصية.
ولكن يتضح بردو إن القيم دي بدأت تختفي وتظهر حاجات تانية كلنا عارفين إن الظروف الصعبة سبب فيها ولكن مش قادر أقول إن القيم دي اتشالت تمامًا من السوفت وير بتاعنا، يمكن بتاخد أشكال مختلفة، يمكن تحت وطأة الظروف الإقتصادية بقى صعب إنها تفضل مكملة.
فالهوية هي اللي بتميز جماعة من البشر عن جماعة أخرى بحيث يبدو للعَيَان بوضوح الفرق بينهم، ولكن السؤال دايمًا هيفضل سؤال مفتوح إيه هي الهوية المصرية، ولو حد ظن إنه جاوب أو هيجاوب عن السؤال ده فهوا غافل ومفهمش حاجة عن الهوية.
وفي المجمل بنلاقي في إن حسن أرابيسك متمركز حوالين مجتمعه، مهموم بمشاكله، عينه على ماضيه وعلى إرثه المتمثل في الورشة والحرفة اللي تركها أجداده في عقله وفي كيانه، معرفة بتتورث من جيل لجيل، بيرفض حسن إنه يسعّرها بالرخيص لإنها مميزة ومختلفة، حسن متمركز حوالين الجمال حتى لو مش هياكل وحوالين الحق حتى لو هيزعل أقرب الناس ليه، كل ده موجود بشكل فطري عند حسن، وعلى المقابل منه رضوخ الباقيين أو على الأقل تمزقهم بين القيم دي وبين الأفكار الجديدة علينا، المادية اللي بتخلي الواحد باصص لمصلحته وبس، بتجعل جوه الإنسان نوع من الخواء.
ولكن مننساش أن حسن بردو هوا المركز بما يمتلك من قيم، حسن هوا رمانة الميزان.. الحادي.. الرمز.. اللي كل أهل المنطقة بيسمعوا كلامه وأحيانًا كمان بيخافوا منه وبيحبوه.
أسامة أنور عكاشة كان قفل المسلسل على نداء أمل بنسمعه على لسان الدرويش وهوا بيقول حسن طالع.. حسن راجع.. حسن جي، ولكن الحقيقة معنديش دلوقتي أمل زيه ولا عندي حتى أمل زي لما كتبت المقالة الأولى من سنتين، أظن حسن مات بوفاة صلاح السعدني، وبوفاة كل الناس الجميلة اللي كانت عايشة لغيرها، الناس الأصيلة اللي بيقولهم سيد حجاب: «أهلك يا تهلك.. ده انتا بالناس تكون».
في النهاية.. المقالة دي محاولة ليست إلا، ولكن المهم إننا نفضل دايمًا فاتحين سؤال الهوية، وإننا منغفلش عنه بالذات في الزمن ده اللي بيحاول يميع كل حاجة وبيخلي كل الناس نسخ من بعض وبيجعل كل المجتمعات يبقى عندها ثقافة واحدة وأفكار واحدة وأيديولوجيات منسوخة وأي أفكار تانية مختلفة عنها هي بالضرورة غبية ومتخلفة ورجعية…
هويتنا فيها قيمة وعصارة لحضارة عظيمة، المهم إننا نرجع نشوفها بعيون أجدادنا، ونترك عدسة الحداثة جانبًا لمرة.. لعل وعسى





0 تعليق