-١-
مسلسل «أرابيسك… أيام حسن النعماني» هو كوميديا شعبية بتمشي في سياق شخصية رئيسية واحدة، كل العمل بيخدِّم عليها وكل الشخصيات مرتبطة بيه، زي ما قال وفائي هو رمانة الميزان، الشخص اللي نقدر نقول ملك الحتة، «زينهم السماحي» بتاع ليالي الحلمية، شخص من زمن تاني، عاصر في مراهقته التجربة الناصرية، أربعيني عايش في بداية التسعينات، خاض حرب أكتوبر وانتصر ومعلق دايماً صورته وهو بيستلم نجمة سيناء، ولكن الزمن والظروف جت عليه، لقى نفسه مع التغيرات اللي حصلت في المجتمع بعد الحرب في زمن مش بتاعه، حاسس بالغرابة.
أسامة أنور عكاشة جعل من حسن النعماني أيقونة بتعبر عن البطل المصري، بكل تناقضاته وصراعاته الداخلية والخارجية، خلق من حسن أسطورة بتفسّر جزء من تكوين جيل بحاله، صراع الجيل وصراع التقاليد، وصراع حضارات، بين حضارة قديمة عريقة وحضارة جديدة مهيمنة، وصراع الأحياء الشعبية القديمة والأصيلة، وصراع بين الحفاظ على القيم والأخلاق في كفة وبين سطوة المادة وطغيان الفلوس في الكفة التانية، وبين الفن والتجارة، وبين الأصيل والمغشوش، الصراع بين الواجب والمصلحة، الصراع بين الحس المجتمعي وبين «يلا نفسي»، بين النفوس الضعيفة والنفوس الأصيلة، والأهم من كل ده صراع الهوية، حسن مين؟ واحنا فين من حسن النعماني.
الصراع ده بتتجلى صوره وبشكل صريح، وكلها محورها حسن النعماني «أرابيسك»، وأظن إن الصراع ده هو اللي بيكشف جوهر عمل أسامة أنور عكاشة، بيكشف إيه اللي بيحاول يقوله ويوصله، وهنا لازم نستطرد في ذكر الأمثلة عشان الفكرة تبان، وعشان كل صراع منهم هو بيعبر عن قيم ومعاني، فمثلًا: صراعه مع أخوه الصغير حسني واللي من جيل مختلف عن جيل حسن. بيحاول يقنع حسن يبيع الورشة، وحسني اللي بيؤدي دوره الفنان الجميل هشام سليم، بيمثّل جيله في صراع مع جيل حسن أخوه الكبير، لأنهم مختلفين تمامًا، على الرغم إن الفرق بينهم تقريبًا ٢٠ سنة، إلا إن الفترة دي اللي بيدور فيها المسلسل هي كانت فترة شهدت تحول كبير في المجتمع المصري، تصدع في استمراريته، فخلقت جيلين، جيل أصيل عين على المستقبل وعين على الماضي يستمد منه ويستند عليه، وجيل أصغر متمرد، عينه على المستقبل وبيبيع الماضي والحاضر، مش فاهم إن الورشة هي تراث أجدادنا، الصنعة اللي سابوها لينا، الأرابيسك، الحرفة اللي بتعرّفنا، وبترسم هويتنا.
حسني مش شايف اللي حسن شايفه، وعاوز يكون الكبير بس ميعرفش يكون الكبير، لأنه مش واعي بقيمة الموروث وهيبيعه بالفلوس، المتوارث من زمن الزمن، واللي جيل بيسلمه لجيل، بيقرر إنه هيبيع نصيبه فيه، في التراث أو في الورشة عشان يفتح مكتب كبير بتاعه لوحده، بعيد عن حسن، كتعبير عن فترة التفكك والتفسخ الإجتماعي، بعد السبعينات.
ومن أهم الصراعات اللي بيعرضها أسامة أنور عكاشة، هو صراع حسن مع عدوه اللدود ونقيضه «رمضان الخضري»، رمضان الخضري اللي فتح تجارة نبوليا وبيكسب كتير، وماسك السبحة في ايده دايمًا، بيشتري كل حاجة بالفلوس، وميعرفش الأصول، والأسطا حسن الفنان، حرفي الأرابيسك بيرفض يشاركه أو حتى يبقى زيه على الرغم من نجاح رمضان الخضري وفشل حسن.
الثنائية دي بين حسن ورمضان بتستمر معانا طول المسلسل، العداوة بين القيم والفن والأصول والأخلاق والواجب في كفة، وبين الفلوس والتجارة وقلة الأصل والمصلحة الشخصية في الكفة التانية، الفرق بينهم زي الفرق بين الزبون اللي بيقدّر الفن والجمال، وبين الزبون الطياري اللي بيستخسر واللي عينه تزيغ على طقم الصالون المذهب، حسن مش تاجر بيبيع شغله وتحفه الفنية لأي حد والسلام، لأ، حسن بيقابل الزبون الأول عشان يعرف إذا كان بيقدّر الفن ولا لأ، وإذا كان ينفع حسن يديله فنه ولا لأ، فالموضوع مش فلوس وخد وهات، لأ… حسن بيرفض في البداية عرض من صديقه المهندس شريف ظاظا ومبيخضعش لإلحاح أخوه حسني، بإنه يعمل شغل لشركة أجنبية عشان كان شاكك إنها إسرائيلية، مع إن معايير الزمن بتقول إن فيه سلام، وإنك ملكش دعوة بالزبون، انتا مهمتك تبيع وخلاص، بس حسن القضية بالنسباله قضية قيم.
الثنائية بين حسن ورمضان بتبان في طابع البيت والورشة بتاعة كل واحد فيهم، بتلاقي خلفية رمضان الخضري كلها نبوليا جديدة مذهبة، وتلاقي بيت «حسن أرابيسك» قديم وحجارته قديمة وكل الديكور أرابيسك فريد وأصيل، وبنشوف إن حسن بيعلم الصنايعية الفن ورمضان الخضري بيشتريهم بالفلوس، لأن زي ما حسن قاله: «العوج فيك من زمان يا خضري».
وحسن ورث عن جدوده صنعة الأرابيسك، وصنايعي معروف بفنه وقدرته لدرجة إن مفيش حد يقدر ينافسه في الصنعة، شهم ويعتبر فتوة الحتة، اللي بيقف مع الحق والعدل، زي ما وفائي قال: “بيشوف الصح ويحسه ويروحله …”، بيقف مع الضعيف، ومش بيهمه يتحبس ولا يتسجن، حسن مش شايف غير الصح وبيحاول يعمله، بس في نفس الوقت، ليه أخطاءه الفادحة لأنه مش ملاك، ولكن اللي بيميزه واللي خلاه في منزلة البطل الشعبي المصري هو حسه بالمجتمع، وبوصلته الأخلاقية، حسن مش عايش لنفسه، حسن عايش للناس وبالناس، وزي ما سيد حجاب بيقول في التتر:
“دنياك سكك .. حافظ على مسلكك
وامسك في نفسك .. لا العلل تمسكك
وتقع في خية تملكك… تهلكك
أهلك .. يا تِهلك .. ده انتا بالناس تكون”.
وأسامة أنور عكاشة خلال المسلسل كأنه بيميّز نمطين في الحياة، فبتظهر شخصيات تانية زي الأسطا عمارة، والست عدولة اللي حسن بيقول: «عدولة دي آخر حتة في الصنف اللي خلص ،، ومعدتش منه، زيها زي حاجات كتير بنتلفت حوالينا دلوقتي منلقيهاش، زي الحاجات الأصيلة، اللي لهفها مننا السر في العشرين سنة اللي فاتوا، زي الأرابيسك يا حسني، الأرابيسك الأصلي، شغل الخشب والصدف والنحاس المشغول، النمنمة اليدوي، اللي بتطلع من ايد صنايعي فنان، تحف .. تحف متتكررش، مش شغل البلاستيك والاسطمبات، وبعدين الأرابيسك مش بس في الخشب، والصدف والنحاس، لأ في البني آدمين كمان …”، ويمكن تحديدا الجملة دي، بتلخص المسلسل كله، بتبين نمطين من الناس، نمط عدولة الأصيل والي عايش لغيره، ونمط عايش لنفسه وملامحه متشوهة، وفيه نمط أرابيسك.
وفائي: مش الزلزال يا دكتور .. حالة الفركشة اللي انتا ملاحظها في الشارع -ولو انك جديد عليه- سببها إن الرباط ساب.
برهان: الرباط !! رباط ايه اللي ساب؟
: الشخصية اللي بتلم الناس وتشدهم.. رمانة الميزان اللي بتتقل.. وتحفظ التوازن.
: امممم.. قصدك شخص بعينه يعني.. ولا رمز؟
: ما هو الشخص بيبقى رمز والشخص هنا حسن النعماني مع كل أخطائه، وحالات الفقدان اللي بتجيله أحيانا لكن شخصية. عنده القدرة يلم الناس ويخليهم يحبوه، ويحترموه، وأحيانا يخافوا منه، وهو بحسه الطبيعي، بيشوف الصح ويحسه ويروحله.. وهما وراه.
: تقصد يعني صفة القيادة… الكاريزما؟
: بلا كاريزما بلا كرمبة، هي كده من غير ما نسميها ولا نزوّقها.
ولما الشخصية دي تغيب لأي سبب.. البوصلة تعطل.. والكل يخبّط في بعضه. زي قافلة جمال من غير دليل.. من غير حادي.. حتوه في الصحرا، وكل جمل هيمشي في اتجاه.
: ااااااه، فهمت.
حسن… حادي، دليل مش دكتور.
الخان مش محتاج طبيعة نووية، بينه وبين الطبيعة النووية مسافة طويلة.. صحرا.. وقافلة جمال.. وحادي.
حسن النعماني هو الحادي.
حسن هو شخصية الإنسان المصري الأصيل مش مثقف و مكملش تعليمه للجامعة، ولكنه فنان بالفطرة، فاهم جوهر الأمور بالسليقة، شخصيته زي فنه بالفطرة، مفيش اسطمبات، رمانة الميزان اللي بتوزن كل حاجة، في عالم، الشر فيه تفشى، ولكن حسن بوصلته لسه شغالة. لما أستاذ وفائي تعب وودوه المستشفى، المستشفى كانت استثماري وطلبوا فلوس وإلا هيطردوا المريض بره المستشفى في حالته الخطيرة دي، حسن تدخل ودفع الفلوس وسأل الدكتور عن حالة المريض، الدكتور سأل حسن عن علاقته بالمريض، حسن قاله جاري، هنا الدكتور اتفاجئ. وقاله: يا أخي أنا بقالي ١٠ سنين، ساكن في برج على النيل، معرفش اسم الجار اللي جنبي، يمكن لو قابلته صدفة في الأسانسير مكلموش حتى مقلوش صباح الخير.
حسن رد وقاله: بس لسه فيه فمصر حاجات حلوة اوي باقية، حلوة اوي يعني بس في مصر اللي بصحيح، عارفها يا دكتور!
الدكتور: أنا طول عمرى عايش في مصر.
حسن: بس متعرفهاش، للأسف متعرفهاش، زيك زي اللي عاشوا بعيد عنها.
بس يظل الصراع الأساسي هو صراع داخلي عند حسن، بين الماضي اللي بيبكي على أيامه وبين المستقبل اللي اتخطف منه، لما مراته بنت خاله خطفت ابنه واتجوزت الدكش، وده راجل غني جاب فلوسه من الخليج، ومن إحساسه المستمر بالغرابة وإن الزمن ده مش زمنه، مش زمن الحلو والصح، زي ما قال الأسطى عمارة: «الحلو والصح سوقهم جبر يا أسطى، ماعادلهمش زباين، الوقت ده مش وقتهم، ديه مش أيام حسن النعماني، لاء، ديه أيام رمضان الخضرى».
حسن كان ليه اسم مميز جداً بيعبر عن الجانب التاني في شخصيته، ومزاجه المتقلب وحالات الفقدان اللي بتجيله، كان اسمه حسن “أبو كيفه” حسن ضيع عمره بين الصرمحة الصبح بعد ما بيصحى متأخر، وبين لعب الكوتشينة على القهوة مع شلة الكيف، وبعدين يطلع على البرج يكمل قعدة الحشيش هناك للصبح، بس على الرغم من حالات الفقدان والضياع اللي بيعدي بيها حسن واللي وفائي وصفها، يظل حسن هو البطل اللي بيقدر يلم الناس لأنه رمز، لأنه مش محدود جوه نفسه وبس، حتى وسط شعوره بالضياع والظلم والاحباط والفشل، والهروب الدائم من نفسه، مهتم بحل مشاكل غيره، ولذلك بيتقاله دايمًا: «فوق بقا لروحك وبطل تحل مشاكل الناس وانتبه لمشاكلك».
والنوع ده من الشخصيات اللي زي حسن، بيخلينا نرجع لفكرة فلسفية بتظهر عند أفلاطون وهي فكرة الطبايع، وبتقول إن الناس مش كلهم عندهم نفس الطبيعة، والطبيعة هنا نقدر نقول عليها إطار الوعي، ففي ناس إطار وعيهم مبيتخطاش حدودهم، وإطار اهتمامهم محدود، ممكن يكون همّه منصب على نفسه أو على دايرتهم القريبة سواء عيلتهم أو أصدقاءهم، وفيه ناس إطار وعيهم أوسع، ورؤيتهم ومجال اهتمامهم بيكون أكبر، فبنلاقي منهم ناس مهتمة بالمجتمع وبقيمه، وعاوزين يصلّحوه أو يغيّروه، ومش بالضرورة إن فيه حد منهم وحش وحد حلو، بس هو مجرد طبيعة مختلفة من شخص لآخر، بتخلي شخص أصلح وأنسب إنه يكون الكبير وإنه يستحق لقب البطل، لأنه شايف أكتر، وفكرة الشخص اللي شايف أو اللي واعي ومهتم بالمجتمع وعاوز يصلحه، أو يغيره، فكرة البطل المثالي دي بيعرضها المبدع أسامة أنور عكاشة في أغلب أعماله.
ويقول «سيد حجاب» لحسن:
إن درت ضهرك للزمن يتركك
لكن سنابك مُهرته تفركك
وإن درت وشك للحياة تسبكك
والخير يجيك بالكوم وهمك يهون
ويرفرف العمر الجميل الحنون
-٢-
وحسن وسط كل الصراع ده ووسط الإحباط والظلم اللي حاسس بيه، أخيرًا لقى الفرصة اللي يحقق بيها حلم حياته وتنتشله من الضياع، وتخليه يحط فيها من روحه، فتح انطلاقة زي ما بيقول، فتح الانطلاقة اللي بحق وحقيق، تخليه يصنع تحفة تخلِّد فنه واسمه، وترجّع اللي ضاع أو تعوضه عنه، وتخليه يرجع تاني حسن بتاع زمان قبل الضياع والإحباط، وأهي جت من دكتور «برهان» ومراته دكتور «ممتاز محل» اللي قرروا إنهم يخلوا الڤيلا بتاعتهم، بتعبر عن تاريخ مصر الطويل: بهو فرعوني، حديقة روماني، وقاعة شرقية أرابيسك.
الفيلا بتاعتهم هي سردية مشوهة لعالِم مصري بيحب الفن ويقتنيه، عاش أغلب عمره بره.. في أمريكا.. الغرب، عالِم مستغرب، والاستغراب من الغرب والغربة مش الغرابة، مصري ممزق بين تأثره بالغرب وتقدمه وثقافته المهيمنة عليه، ومثله الأعلى هو أمريكا، وكبيره إنه يشوف بلده نسخة منها، وبين حبه لبلده، بس لسه مش عارف يندمج ويدوب فيها، الفقر والتخلف والشعوذة عاملين فاصل بينه وبين بلده، ولذلك هو لسه مش فاهم أي حاجة -زي ما أستاذ وفائي قال- هوا لسه بيدور على مصر في التاريخ ومش لاقي شخصية محددة نقدر نقول عليها الشخصية المصرية، ووفائي بيقوله إنه عمره ما هيفيد بلده بقرش تعريفة لأنه ميعرفهاش، لذلك لما رجع هو ومراته قرروا يبنوا الفيلا إياها، وهي محاولة لجمع تاريخ مصر كلها باختلاف حضاراته في مكان واحد، حاجة تعبر عن مصر، الشخصية المصرية والهوية المصرية، لما تدخلها تقول: اه، دي مصر، وهنا بيظهر سؤال عكاشة المحوري، سؤال الهوية المصرية، إيه مصر دي؟
الأتراك لما غزوا مصر على إيد سليم خدوا من مصر كل الفنانيين والحرفيين بما فيهم جد حسن الكبير. وبيقول عكاشة على لسان الأستاذ وفائي المثقف وابن البلد، والأب الروحي لحسن: “مظبوط يا حسن، ودي أكبر جريمة ارتكبها السلطان سليم والسلاطين اللي بعده، جردوا مصر من كل فنانينها اللي عملوا التحف العظيمة في عصر المماليك، وشحنوهم على تركيا، كانوا زي سرب الجراد اللي بيحط على أرض خضرا يمسحها وميسيبش فيها عود أخضر، وده الفرق بين المماليك والتراكوة، المماليك استقروا في مصر، واعتبروها بلدهم، وابتدوا يبنوا ويشجعوا الفنانين والصنايعية، والحقيقة كانوا بيسابقوا بعض وكل واحد فيهم عاوز يعمل حاجة جميلة باسمه، عشان كدا سابوا لنا كنز في العمارة وفنون النقش والزخرفة لغاية النهاردة مالية مصر”.
وده كان الزلزال الأول، بداية الانهيار الثقافي والأخلاقي، وبداية ضياعنا، علامة فارقة في تاريخنا، اللي أسامة أنور عكاشة بدأ المسلسل بيها في شكل حكاية، بس كان فيه الزلزال التاني، اللي كشف هشاشة الشخصية المصرية الجديدة، الزلزال اللي هد البيوت الضعيفة، بس مهدش البيوت الأصيلة، كسر النفوس الضعيفة، بس مقدرش على النفوس العفيفة، غيّر ذمم الناس، وهنا تقول الفنانة العبقرية هدى سلطان «أم حسن النعماني» اللي أظن كانت بتتكلم على لسان مصر: «لما حصل الزلزال أنا مخفتش على البيت ده، لأني عارفه انه أصيل ومتأسس، وحسن ابني زي البيت ده وقديم زيه».
في إشارة إن الزلزال مكنش زلزال ٩٢ وبس، لأ، الزلزال كان هزتنا احنا، وحيرتنا، وتمزعنا وتمزقنا بين العادات القديمة وثقافتنا، وبين الثقافة الجديدة الغربية، وفي حوار يعتبر أهم حوارت المسلسل بين الأستاذ وفائي ودكتور برهان، بدأ بسبب الصراع وعدم الإنسجام بين بركسام بنت دكتور برهان اللي اتربت في أمريكا، وبين حسني النعماني ابن خان دوادار.
بيقول دكتور برهان: هياخدوا شوية وقت، لازم يصطدموا ببعض في البداية شوية ، لحد ما تدوب بالتدريج عوامل الإختلاف القيمي بين الثقافتين.
بيقوله الأستاذ: وهتدوب لصالح أي ثقافة؟
:بالتأكيد لصالح الثقافة الأقوى.
:ثقافتنا احنا يعني.
:تفتكر ثقافتنا احنا الأقوى!!
مش بيوافق برهان على ده.
بيبان تمزعه بين الثقافات، برهان مش متشرب ثقافته، ومتمزع بين رغبته الكبيرة، في إنه يعيش في بلده وبين إنه مش عارف يدوب في نسيجها، ودكتور برهان مش لوحده، بنلاقي كل النماذج اللي حسن بيخوض معاها صراعات، زي رمضان الخضري، ودكتور المستشفى الاستثماري اللي عايش في برج على النيل، و«رولا» البنت المتمردة على «خان دويدار» المنطقة الشعبية بعاداتها المتخلفة والقديمة، و«الدكش»، و«عتوقة» تاجر الآثار اللي بيبيع ويشتري في اللي سابه الجدود لينا، وصُحاب المزاج اللي بيهربوا، وكلهم أنماط من الناس عندها تشوهات اجتماعية، مش بتعبر أبدًا عن روح الشخصية المصرية، اللي زي ما قولنا متصلة بالقديم، والأنماط دي لو مدينا الخط بتاعها هنقدر نفهم كتير من اللي موجود دلوقتي من تشوهات في المجتمع، سواء متمثلة في شخصيات أو في انهيار أخلاقي، أو تفكك مجتمعي.
كل الأحداث والشخصيات دي بتوصل للذروة، وبتخلي المشاهد مستني البطل «حسن» يطلع التحفة الفنية اللي هيبدعها ويقدمها للدكتور برهان ومراته الدكتورة ممتاز، ويخلد اسمه في عمل فني يستمر لأجيال لدرجة إن الفيلا تكون زي بيت السحيمي، أثرية، ويحقق حسن حلم حياته، وتكون نهاية المسلسل سعيدة وجميلة، بس فجأة بياخد منعطف مختلف.
حسن بحسه الطبيعي والفطري، وببوصلته السليمة، بيقرر إن الفيلا مينفعش تكون بزرميط، مينفعش تكون سلطة، روماني على فرعوني على عربي، لازم يكون في وحدة بتجمعها في نسيج واحد متسق، بيعبر عن الشخصية المصرية.
فجأة الفيلا بتتهد، ومبينتش الأحداث اوي مين اللي وقعها هل فعلًا توابع الزلزال ولا حسن اللي هدها، ومش مهم نعرف مين اللي هدها، المهم ان ده كان مفروض يحصل، في إشارة إلى إن هويتنا مينفعش نتعامل معاها بشكل منفصل حسب تاريخها، والحقب اللي عدت عليها والحضارات والثقافات اللي سابت أثرها فينا، ونتعامل معاها انها سلطة، شوية فرعوني على شوية يوناني على شوية عربي، هوبا يطلّعلِنا الشخصية المصرية.
والهوية مرتبطة بالانتماء لما هو أصيل فينا، وأصيل في مصر، قرار بالانتماء لما هو قيّم، وده اللي مصر كانت بتقدمه، وبيظهر في حق الجيرة، وإن الناس لبعضيها، وإن الإنسان يُعلي قيمة الروح على المادة، والقرار ده بالانتماء موجود بشكل فطري عند حسن، وعلى المقابل منه رضوخ الباقيين أو على الأقل تمزقهم بين القيم دي وبين الأفكار الجديدة علينا، المادية اللي بتخلي الواحد باصص لمصلحته وبس، بتجعل جوه الإنسان نوع من الخواء، وده بيبان في العلاقة بين برهان ومراته، علاقة بتتسم بالموات، وبالخواء المعنوي، والتعاسة، عاوزين يشغلوا نفسهم ويهربوا من حياتهم، عشان تنتج منتج غربي متمثل في بركسام اللي حاسة دايمًا بالملل، ومتعرفش حاجة عن مصر.
والمقترح اللي بيقدمه عكاشة إننا نفهم تاريخنا ونعرف حقيقة مصر، وساعتها هنعرف هويتنا، ونعرف احنا عاوزين ايه، يا إما نشتغل باللي معانا واللي بإيدينا اللي بالنسبة لعكاشة هو المزيج اللي موجود عند «حسن» فنان أرابيسك اللي وراث الصنعة أو خلينا نقول وراث الثقافة والشخصية المصرية، وممكن كمان كحل تالت ناخد من الغرب ونهضم ونتقدم زي ما هما عملوا لما خدوا مننا، بس المهم نحدد احنا مين عشان نعرف احنا عاوزين ايه، واحنا مين هنا بتقول ان حتى الهوية صراع على جميع المستويات.
لأن اللي حصل إن الزلزال هز هويتنا، والتوابع خلّت الأساسات تميل فالشخصية المصرية تقع خالص، زي ما حسن بيقول في المشهد الختامي: «إنما المهم والمهم اوي، نعرف احنا مين وأصلنا ايه، ساعة ما نعرف احنا مين هنعرف احنا عايزين ايه ونبدأ ونتكل على الله
لأنه حصل…
جه الزلزال اتهزت الفيلا… جات التوابع، الأساس فيّص، وقّعت الفيلا… لكن نرجع ونقول الحمد لله عشان نبتدي مع مصر من أول وجديد ونبتدي على مية بيضا إن شاء الله».
وفي النهاية بيختتم المسلسل بنداء بيطلقه الدرويش متنبئًا بالأمل والمستقبل في بعث الشخصية المصرية من جديد وبيقول: “حسن طالع .. حسن راجع .. حسن جي”.
بس امتى حسن هيرجع؟ وامتى هتظهر الشخصية المصرية دي وامتى ننفض التراب عن هويتنا؟ خصوصًا بعد تلاتين سنة من الزلزال، امتى يخرج البطل الحقيقي اللي شايف بره نفسه، وعايش للناس ومهتم بأمور المجتمع، وبيفهم في الأصول، وميقبلش بالأمر الواقع، وباللي موجود، ويفرض اللي هو شايفه صح، ويقول الحق ولو على رقبته، والأهم من إننا نسأل «امتى حسن يرجع؟»، نسأل «ازاي نرجّع حسن؟»





عبقري