الكلام عن «البقاء» ممكن إنه يصحي جوانا ذكريات ونزعات مختلفة.
ذكريات ونزعات بنلاقيها في أي مكان: من أول الكتب والأفلام «الكارثية» المعتادة، واللي بنتابع فيها شخصيات بتدافع عن حياتها (ودي عادةً بتبقى أفلام هوليوود اللي فيها الأموات الأحياء أو الزومبي زي «I Am Legend»،«World War Z»، إلخ…) لحد الاتجاه الجديد في الأنشطة الخارجية، واللي «البقاء» فيها هو مهارات معينة محتاجينها في البرية.
لو هنضيف كمان قشرة علمية وثقافية للمفهوم ده، هنفتكر على طول أهميته في النظرة «المالتوسية» للبقاء الإنساني (نسبة إلى توماس مالتوس باحث اقتصادي وسكاني مشهور بنظرياته عن التكاثر السكاني)، واللي أعاد استخدامها «داروين» في فرضيته عن الانتقاء الطبيعي، واللي بدورها تم إعادة صياغتها على إيد «هربرت سبنسر» بتعبيره الشهير «البقاء للأصلح».
لكن مفهوم البقاء احتمال يكون أقل وضوحًا في الساحة الاجتماعوسياسية، كنقد عالمي للأوضاع الاجتماعية اللي ناس كتير مجبرة تعيش فيها، واللي يمكن أحسن تجسيد ليها هو مفهوم الاغتراب (بالمعنى الماركسي؛ الاغتراب هو حالة انفصال الإنسان عن إنسانيته؛ هي عملية بيصبح فيها الشخص شخص آخر، لدرجة إنه ممكن ينقلب على نفسه بشكلٍ ما).
من السهل إننا نلاحظ إن مصطلح «البقاء» بيُستخدم بمعاني مختلفة تمامًا. بس بالنسبة للفيلسوف، الهدف مش تحليل فكرة البقاء من منطلق أي نظرية معينة لوحدها، سواء كانت تقنية أو علمية أو اجتماعية.
التركيز الفلسفي معناه إننا مهتمين بالمفاهيم، وإزاي التمييز ما بينها يقدر يساعدنا نكتشف أفكار جديدة، أو حتى ننقح الأفكار اللي عندنا. في السياق ده، الأمثلة اللي اخترناها بالفعل بتطرح بعض الأسئلة، لو أخدناها كلها في عين الاعتبار.
المثير للفضول هو إننا لو بصينا على التلات مجالات اللي بيتكلموا عن البقاء -التقني والعلمي والاجتماعي- هنلاقيهم بيعيدوا إنتاج التعريف الأرسطي للنشاط:
- بويسيس [poiesis] أو الخلق (نشاط هدفه إن الواحد يوجِد حاجة مكنتش موجودة قبل كده).
- ثيوريا [theoria] أو التفكر (نشاط هدفه الوصول للحقيقة).
- براكسيس [praxis] أو التطبيق (إنك تَعْمَل، والنشاط ده هو في حد ذاته الهدف من نفسه).
البقاء في البرية بيهدف لخلق شيء مكنش موجود قبل كده: إنسان قادر يعيش في بيئة بتهدد حياته.
البقاء بالمعنى البيولوجي بيهدف لتحقيق الذات، والأهم من ده استدامة الذات، بقاء الهوية واستمرارها مع مرور الزمن (وثبات الهوية عبر الزمن هي أبسط تعبير عن الحقيقة الدائمة: أ = أ عند أي نقطة في الزمن).
البقاء بالمعنى الاجتماعي أو الاجتماعوسياسي، لما مش بيتم ربطه بالنوع العلمي (زي النظريات الخطيرة والمثيرة للجدل اللي بتخص «الداروينية الاجتماعية»)، مبيهدفش لشيء إلا نفسه: هي الدنيا كده، الناس بتبقَى لمجرد إن ده اللي هما بيعملوه (مع ملاحظة إن هدف إدامة الهوية واستمرارها مش بينطبق هنا، لأن لما الناس بتبقى مغتربة، بيبقوا مختلفين بشكل جذري عن اللي كانوا عليه قبل ما يدخلوا في «وضعية البقاء»).
وبكدة نلاقي نفسنا قصاد ٣ رؤى مختلفة للبقاء:
١- رؤية منفعية (البقاء لازم يحقق هدف عملي).
٢- رؤية غائية (البقاء لازم يؤدي لغاية أخلاقية أو وجودية).
٣- رؤية آلية (البقاء مجرد آلية عمرنا ما هنقدر نهرب منها).
ساعات الرؤى دي بتتداخل، زي مثلًا في حالة «الداروينية الاجتماعية» (في الحالة دي هي غائية وآلية). الرؤى المختلفة دي عن البقاء لازم تتاخد في الاعتبار، لأنها هي اللي هتعدِّل أو تشكل المفاهيم اللي بنربطها بيه، وبالتالي أفكارنا عن نفسنا وعن العالم وعن الأحداث اللي بتحصل.
لكن على الرغم من كل ده، لازال فيه عنصر مشترك بيأثر على التلات مجالات دول: مسألة الإرادة الحرة. الحقيقة إحنا ممكن نسأل نفسنا إذا كنا فعلًا أحرار في اختيار بقاءنا ولا ﻷ؟
وعلشان نِظهر المشكلة أكتر وأكتر، خلينا نسأل نفسنا إذا ينفع تكون فيه حياة، بأي شكل كان، من غير بقاء؟
جايز بطبيعتنا نميل أكتر لاختيار سكة الحتمية واحنا بنفكر في السؤال ده. بالذات لو بنفكر في البقاء البيولوجي أو الاجتماعي.
أما اللي مهتمين بالبقاء في البرية (اللي بيتسموا «البقائيين») هيميلوا أكتر لإنهم يقولوا إن البقاء هو اختيار حر، بس بعد شوية نخورة غالبًا بنلاقيهم بيقولوا إنهم حاسين إنهم مضطرين يروحوا لبيئة بتهدد الحياة، وكأن المدينة سلبت منهم أسلوب حياة طبيعي جدًا، وده اللي بيحاولوا يستعيدوه بتركهم للمدينة.
الحتمية المطلقة، زي ما في الأغلب بنكتشف، بتؤدي -بالبلدي- لحارة سد، لأنها بتفرّغ الحوار من أي سبب للاستمرار فيه.
يعني لو كل حاجة حتمية تمامًا، يبقى ليه نحاول نفهم أو نمنطق أفعالنا؟
عشان كده بنميل في إجاباتنا عادةً لإننا نسيب فرصة للإرادة الحرة، حتى ولو بدرجات متفاوتة.
وهنا بييجي العنصر المشترك التاني، واللي نقدر نعتبره أكثر أهمية وإشكالية: المسألة الأخلاقية. وده هيعتمد على قد إيه شايفين إننا عندنا إرادة حرة.
إحنا مش بنحاول بس إننا نعدد المشاكل الأخلاقية بشكل نظري: مشاكل البقاء (واللي بيتعمل بفكرة البقاء) حقيقية جدًا.
مثلًا، فكرة قد إيه الإنسان ممكن ينحرف، تحت ظروف شديدة القسوة، المفروض تهمنا جدًا في مجتمعنا.
عادةً بنشتكي إن الناس في بلدنا بتميل لإنها تغش بعضها. لكن لما بنحط في اعتبارنا حالة البقاء العالمية اللي معظم الناس محطوطة فيها، المعادلة بتتغير، وبنبدأ نسأل نفسنا من أول وجديد -من غير تبرير ﻷي جريمة أو الدعوة لأي نوع من النسبية الأخلاقية- قد إيه كان عندهم قدر من الاختيارات الحرة أصلًا.
ودي فرصة برضو لتناول بعض الفصول «المظلمة» في الفلسفة الحديثة والمعاصرة: مش بس ظهور «الداروينية الاجتماعية» (واللي تعتبر رؤية متطرفة وجديدة نسبيًا) لكن كمان كل الأفكار المتمحورة حوالين العبارة اللاتينية «homo homini lupus est» واللي معناها «الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان»، زي ما بنلاقيها في كتابات «توماس هوبز».
مرة تانية، ومن غير ما بالضرورة نكون بندعم رؤية «روسو» إن «الإنسان صالح بطبيعته»، لازم نتفكّر ونبذل شوية مجهود في التفكير بشكل نقدي في طرف النقيض التاني: إن الإنسان بطبيعته بيصارع بأنانية من أجل بقاؤه الشخصي.
ده هيودينا للتساؤل عن إذا المفروض نسعى للبقاء بأي ثمن؟
مش القصد البقاء في أوضح معاني ليه (زي البقاء على قيد الحياة من حادثة مثلًا) لكن لما بيتضمن عوامل تانية، لما الخط الفاصل بين الخير والشر بيكون أقل وضوحًا.
في الفجوات المبهمة دي بقى تحديدًا بنلاقي نفسنا قدام أبسط وأصعب الأسئلة: في نهاية المطاف، لما بنتكلم عن البقاء، إيه هو بالظبط اللي بنحاول نبقيه؟
لأن أكيد منقدرش ناخد الموضوع على إنه قالب واحد. وبالفعل، وفي خلفية تفكُرنا في مسألة البقاء، هنلاقي نفسنا بنخبط في سؤال عن الكينونة واحنا بنسأل نفسنا «هو إيه اللي بيبقى؟» هل هو جسدنا؟ ولا هي نفسنا ؟ ولا روحنا؟
لو حد بيدور على البقاء مهما كان الثمن، ده هيحط التركيز على إيه اللي ممكن يستاهل البقاء للدرجة دي، وهيسلط الضوء على الطريقة اللي الشخص ده بيشوف بيها للعالم.
بعض الناس بتفضَّل الطريقة التبسيطية لاختزال البقاء في المادة وبس. وناس تانية عندها حدس إن البقاء مرتبط أكتر بمفاهيم زي الأبدية واللازمنية.
النوعين دول من الناس هيبقى عندهم أفكار مختلفة تمامًا عن كيفية «البقاء بأي ثمن». في الحقيقة، الطريقة اللي بنواجه بيها البقاء وبنتعامل معاه هي في نهاية المطاف كاشف ممتاز لإحنا مين فعلًا.





0 تعليق