كثير من المناقشات أصبحت تنتهي باستخدام عبارة :«دي حرية شخصية» ليصبح الرد على هذه الجملة يبدو وكأنه انتهاك واضح لحرية شخص آخر، مما يجعل موضوع «الحرية الشخصية» من المواضيع الشائكة والحساسة، على الرغم من انتشاره على نطاق واسع، ويمكن أن يقال أن موضوع الحرية الشخصية أصبح مشابهًا لحق الفيتو، من حيث وصم أي شخص يبدي رأيه وكأنه يعارض حرية شخص ما بأنه سلطوي وأبوي ويحاول التحكم في الآخرين، والعكس أيضًا، فشخص يتحدث كثيرًا عن أهمية الحرية الشخصية، قد يتم اتهامه بأنه يحاول هدم المجتمع ويعمل على انهيار قيمه وأخلاقه.
سنحاول تناول موضوع «الحرية الشخصية» بشكل هادئ وبعيدًا عن الحساسيات ومحاولات تصيّد الأخطاء، ودراسة هذا المفهوم من زوايا مختلفة في محاولة للوصول إلى جذوره، والخروج من الازدواجية وتسطيح الأفكار، وماذا يمكن أن يعني بالنسبة لنا، وهل له أبعاد أخرى قد تغيّر في نظرتنا.
ولنبدأ بسؤال بسيط: «ما هي الحرية؟» أو «ما الحالة التي يُمكنني فيها وصف نفسي أو شخص ما بأنه حر؟» نعم قد لا تبدو الإجابة بهذه البساطة، ولكن مطالبة الناس بحريتهم، يعطي انطباعًا بأنها حقًا بهذه البساطة، ولكن هل الحرية بهذه البساطة؟ هل يمكن اختزالها في “إني أعمل اللي أنا عاوزه”؟ وهل هذا شيء إيجابي؟
أنواع الحرية:
تناول أشعيا برلين Isaiah Berlin -أحد المفكرين المعاصرين- مسألة الحرية في محاضرة له في نهاية الخمسينات ميّز فيها بين نوعين من الحرية: الحرية السلبية والحرية الإيجابية، وسلبي وإيجابي هنا لا تعني جيد وغير جيد، ولكن تعني انتظار لفعل خارجي، أو مبادرة بدافع داخلي.
فالحرية السلبية هي الحرية النابعة من غياب العوائق، والعوائق هنا ترمز لعنصر خارجي، بمعنى أنه إذا أُزيلت العوائق الخارجية من أمامي، فسأنال حريتي، أما الحرية الإيجابية فترتبط بما يفعله الإنسان، وقدرته على السيطرة على النفس، وعلى الاختيار.
ولكي نميّز بين نوعي الحرية هاتين، فلنحاول تصور شخص يمشي في الشارع، وفجأة قرر أن يدخل في شارع إلى اليمين ثم شارع آخر إلى اليسار، فوجد مطعمًا للوجبات السريعة، فدخل وتناول وجبة. إن نظرةً من بعيد لهذا الشخص تجعله يبدو كشخص حر؛ لا أحد أجبره على شيء أو منعه، ومن منطلق الحرية السلبية نستطيع القول أن هذا الشخص حر لأنه لم يواجه أية عوائق في طريقه؛ ولكن من منظور الحرية الإيجابية فمن الصعب الحكم إذا كان حرًا أم لا، إلا عندما نعرف ما الذي يحركه، فلو فرضنا أن هذا الشخص مدمن للوجبات السريعة، وأنها تؤثر بشكل سيئ على صحته، حينها نرى أن هذا الشخص مدفوع بقوة أن يفعل شيئًا هو نفسه لا يريده، ويرى أنه لا بد وأن يقلع عن هذا السلوك المضر. حالة الإجبار هنا لم تكن خارجية، ولكن كان هناك إجبار داخلي. وبالتالي لا نستطيع وصفه بأنه شخص حر، ولو افترضنا أن محلات الوجبات السريعة تضع إعلاناتها في كل مكان، وأنه رأى الإعلان فشعر بالاحتياج للطعام، سنتساءل: إلى أي مدى تم التأثير على إرادته ليتصرف بتلك الطريقة؟
لدينا الآن فكرة عن كيفية تناول المسألة، فلا يكفي النظر للموضوع من الخارج، وتحديد ما إذا كان شخصًا ما حرًا أم مجبرًا، فقط لأن أحدًا لم يقيده ويجبره على ارتياد مكان معين.
الحرية السلبية والقيود الخارجية:
مفهومنا عن الحرية يماثل مفهوم الحرية السلبية، إنه أقرب لفكرة أن هناك أغلال تحبسني، وهناك احتياج لكسرها والتحرر، بمعنى أن ما يمنع عنا حريتنا هي عناصر خارجية.
وفكرة الحرية المعتمدة على التخلص من القيود، تساعدنا أن نفهم المسألة من منطلق اجتماعي، فهذا مرتبط بفهمنا لثقافتنا، أما على المستوى الفردي فهذا الفهم قاصر للغاية، خصوصًا إذا كان الشخص يتوق ويتطلع لأن يكون حرًا.
من ناحية ما، لو أن حريتي معتمدة على أن يتركني الآخرين وشأني، فإلى أي مدى تعتبر هذه حرية؟ ومن هنا يمكن أن ندرك أن ما يفعله الكثير من المطالبين بالحرية هو القول: ” سيبوني سيبوني”، ولو هذا كل ما أفعله، فهذا يعني أن الأمر بالكامل ليس رهنًا بي، ولكنه رهن شخص آخر حسب إرادته، فحتى لو أعطاني حريتي، فربما يسلبها مني في وقت لاحق، فالأمر ليس معتمدًا عليّ بالكامل، والتركيز على هذا الجانب من الحرية، هو جانب هش للغاية من الحرية.
ومن بُعدٍ آخر، فهذا النوع من الحرية المعتمد على التخلص من القيود، يخلق العديد من الصور النمطية، لأنه يعوِّل على عوامل خارجية، ويجعل الحكم على مدى حرية شخص، معتمد على ما يظهر فقط من طريقة حياته، فلو أن شخصًا يلتزم بالقواعد والأعراف وطريقة معينة في الملابس، فسوف نحكم عليه بالقطع أنه ليس حرًا لأنه ملتزم بالقيود، العكس أيضًا، سوف نرى الشخص المتمرد على الأعراف والكاسر للقيود بالضرورة شخص حر.
فلو وضعنا في اعتبارنا الرؤية الأخرى للحرية، سنرى أنه من الصعب أن نحكم بدون أن ندرك دوافع الشخص، فقد يكون السبب وراء تمرد شخصٍ ما، أنه جزء من جماعة أو تيار فكري يدعوه للتمرد، أو تعرض لعملية غسيل دماغ، وهو منساق للتمرد، عكس ما يبدو عليه، وحينها لن يسعنا القول بأنه حر، كما أن مسألة “النمطية” تمسّنا بشكلٍ ما، فرغم المطالبات بالحرية في المجتمع، وحرية المرأة على وجه الخصوص، تظهر الكثير من الصور النمطية، فإذا قررت امرأةٌ ما ألا تعمل، وأن تتفرغ لبيتها، سوف يتم تصنيفها بأنها خاضعة وغير متحررة من عبوديتها، رغم أن الأمر متروك بالكامل لإرادتها، وهي متحكمة في قرارها.
ومن عيوب الحرية السلبية أنها غالبًا ما تكون مصدرًا للمبررات، فنبرر ما نفعله أو لا نفعله، بعدم وجود مساحة متروكة لنا، وأنه لو تُرِكت لنا المساحة، لاختلف الأمر. هذا الإسقاط يجعل الحرية مقتصرة بشكل كامل على وجود قيود، وهذا في حد ذاته يخلق مشكلة أو على الأقل مسألة تحتاج إلى التفكير، والتساؤل هل فعلًا انعدام الحرية مرتبط بشكل وثيق بالقيود؟ ألا يمكن أن يكون هناك شخص مقيد بشكلٍ ما ويكون في نفس الوقت حر؟
القيود:
القيود ليست دائمًا سلبية، وليس كلها سلبي، فهناك قيود قد يتفق الغالبية منّا أنها منطقية بل وضرورية، مثل «القانون»، فهو يقيّد حرية اللص ويمنعه من السرقة، ولا نرى هذا انتهاكًا لحرية الإنسان، بل نراه ضرورة للحفاظ على المجتمع ككل. وأبسط من ذلك، من الممكن أن نرى أن المساحات المحددة وأن يتصرف الإنسان بداخل إطار، هو شيء يساعد في نموه وازدهاره. ومثال ذلك: العمل، فالكثير يعتبره قيدًا، وهو كذلك حقًا في أحيان كثيرة، ولكن تجربة العمل الحر تُبيّن أنه ليس بأهون من العمل في شركة ما أو مكتب، لأن وجود إطار يكون الإنسان بداخله، يجعل قدرته على التركيز والتنظيم أكبر. وعندما نتحدث عن إطار تربوي مع الأطفال، فإن وجود قواعد معينة نتبعها، يساعدهم في الاتساق ويساعدنا في البناء عليها.
وجود إطار ليس دومًا أمرًا سلبيًا، فأحيانًا يخلق البيئة الآمنة والمناسبة للتعلم والعمل والنمو. ولا يمنع أن بعض الأطر فعلًا موضوعة كقيد سلبي، ولكن محور المشكلة لن يكون في القيد ذاته، بل يتعلق باستخدام وشكل معين للقيد. وبشكل عام فتعميم الأمور بهذه الطريقة، مثلًا رفض مفهوم بشكل كامل، يجعلنا نفقد جزءًا من الحقيقة، ويتركنا في متاهة “الازدواجية”: فإما الفوضى وانعدام الحكم، أو قيود صارمة. ولكننا نستطيع أن نحدد الحد الذي يكون القيد عنده مناسبًا.
وبعيدًا عن فكرة أن القيود ليست دائمًا سلبية، فإن القيود هي أمر واقع؛ مجرد وجودنا في هذا الجسد قيد، قد نعتبر أنفسنا محبوسين فيه، ولكن الأمر لا يصل إلى هذا الحد غالبًا، لأن كل واحد منا وُجد ووُلد في إطار وظروف معينة، وهو وضع يرسم الإطار ونحن بداخله، وبعض هذه الأطر نستطيع التحرر منها، وبعضها لا يمكن. وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي مشكلة؟ لأن الكثيرين يرونها مشكلة، وهو ما يخلق نوعًا من الغضب يتجسد في “لماذا وُجدت هنا؟” «لماذا جسدي هكذا؟»، «لماذا في هذا المجتمع؟» وأسئلة أخرى من هذا القبيل، وقد يؤدي الأمر في النهاية بالشخص إلى رفض وجوده ككل ويفكر: «أنا لم أختر، وبالتالي لا أريد».
نظرتنا للقيود غالبًا ما تكون متطرفة للغاية، لأن الكثير من القيود الموجودة يمكن أن نغيّرها، وفي أُطر أخرى يمكن العيش بداخلها بدون أن يمنع ذلك نموّنا وأن نكون أشخاصًا أفضل. فالسؤال هنا هل القيد فعلًا يُعيقني في عملية الازدهار؟ أم أنها فقط مسألة أن الأمر لا يعجبني؟
إذا كان الأمر كذلك فهناك توقع من الحياة غير واقعي؛ توقع أننا قادرين على التحكم في كل أمر، إن الإنسان يجب أن يُدرك حقيقة بسيطة؛ هي أننا لسنا أسياد هذا الكون. هناك مساحة نتحكم بها وهناك مساحة لسنا متحكمين بها، وهذا هو الأمر.
إرادتنا في أن يسير كل شيء كما نهوى هو عدم نضج؛ لأن جزءًا من النضج يكمن في فهمنا للواقع وللمساحة التي نستطيع التحكم بها والتي لا يمكن التحكم بها، وهذه فكرة جوهرية في “الفلسفة الرواقية”، ومبدأ من مبادئها الأساسية أن يعرف الإنسان ما بيده وما هو خارج يده، وهذا الموضوع قد يُنظر إليه من باب الاستسلام، فالكثير يفهم هذه الفلسفة على أنها انهزامية، ولكن بالتفكير في الأمر، فعندما تعرف ما بيدك، وتكثف تركيزك عليه تستطيع أن تفعل شيئًا، وهي أيضًا مسألة أن تكون واقعيًا.
أحيانًا أيضًا نصل لدرجة من الفوبيا تجاه القيود، وهذه ظاهرة منتشرة بين الشباب في مجتمعنا، خوف من أي نوع من القيد أو الالتزام، سواء كانت التزامات في العمل أو التزامات مادية أو ناحية العلاقات. والخوف من الالتزام هو بشكل ما تهرب من المسؤولية. فتقبل القيود هو تقبل للمسؤولية وللعواقب. فتصرفي بطريقة معينة ينتج عنه عواقب عليّ تحملها، حتى وإن كانت ببساطة أني لو تناولت بكثرة طعامًا غير صحي فسيكون لذلك تأثيرًا سلبيًا على صحتي، وهذا قانون صعب الهرب منه، وبالتالي يجب أن أكون مسؤولًا تبعًا لخياراتي التي اتخذتها.
من ناحية أخرى، دعونا نتخيل أن كل القيود قد تلاشت، ما هي تلك الأشياء التي تمنعنا القيود من عملها؟ وهل سنقوم بعملها حقًا إذا زالت القيود؟ ربما سنحتاج استعارة بعض التركيز والجهد اللذين نصبُّهما في الشكوى من القيود ونضع قليلًا منها على سؤال ما الذي حقًا أريده، هذا السؤال الذي يحتاج جهدًا وتركيزًا أكثر من أي شيء. وهذه العقلية ستفتح لنا المجال لندرك ما الذي في أيدينا، وكيف أقدر على الوصول لهذه الأهداف.
الحرية الإيجابية:
كل ذلك يدفعنا نحو الحديث عن النوع الثاني من الحرية، الحرية الإيجابية: وهي -كما ذكرنا- مرتبطة بالتحكم في أنفسنا والتحكم في الدائرة التي أنا مسؤول عنها، فكون الشخص أكثر حُرية، ليس معناه عدم وجود قيود خارجية، إنما معناه أن لديه قدرة أكبر على تحريك نفسه وأن يكون فعالًا في المحيط من حوله، بحيث يحرك الأمور بالشكل الذي يراه أنسب، فالأمر يتحرك من الداخل للخارج وليس العكس. هذه النظرة كما ذكرت نجدها في “المدرسة الرواقية”، وأيضًا في “الفلسفة البوذية”. إن مفهوم الحرية، مفهوم داخلي تمامًا، لا علاقة له بما يحصل لك، وهنا تأتي فكرة أن إنسان مسجون أو كسيح أو مُعدم، أو أي شيء آخر، قد يكون رغم ذلك حرًا، حتى لو لم يكن لديه أي موارد خارجية، هذه الفكرة قد تكون غريبة علينا، لأن هذه النظرة للحرية ليست هي النظرة التي نتناول بها الموضوع أغلب الوقت، وهي مرتبطة بمفهوم جميل للغاية، وهو مفهوم «القلعة الداخلية»: أن بداخل كل إنسان قلعة، لو كانت قوية كفاية ستمنع أي شيء من الوصول إليه؛ فمهما حصل يظل الشخص حافظًا لثباته واستقراره، وقادرًا على تسيُّد نفسه بغض النظر عن ما يحدث خارجه.
تبعات الحريات السلبية والإيجابية:
إن التركيز القوي على فكرة القيود له جذورٌ تاريخية؛ هذه النظرة سنجدها ظهرت في أوقات معينة، وكانت رد فعل لنُظم سلطوية وفترات كان فيها نوع من القمع والتسلط الديني؛ وبالتالي كان رد الفعل في شكل رفض كامل لأي شيء يشبه القيد من قريب أو من بعيد. أحيانًا رد الفعل يكون متطرف، وكما يُقال “اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”، ولكن يجب أن أدرك بعد برهة أني لا أحتاج للنفث في الزبادي. ورغم أن رد الفعل المتطرف مفهوم وأن وضع معين هو سبب في هذه الحساسية، ولكنه لا يعني أيضًا أن أسلك الاتجاه المعاكس تمامًا، فهناك دومًا نقطة اتزان بين الاتجاهين.
الفردانية والدور المجتمعي:
إن التركيز على التخلص من القيود والتخلص من كل أشكال السلطة، أدّى لتفاقم النزعة “الفردانية”، وأقصد بها أولوية الفرد على الجماعة. ويظهر هذا في أن الحقوق والحريات أصبحت أهم من الواجبات.
الفردانية هي توجه عام يظهر على مستويات عدة، وله انعكاس قوي على المستوى المجتمعي؛ عندما ننظر من جانب اجتماعي، نجد أن فكرة الفردانية بها رهان كبير على الفرد؛ وتوحي أن ترك الأفراد يعملون ما بدا لهم، سيؤدي إلى انصلاح الحال ولا يوجد داعي لشيء يحكم. والمبدأ الوحيد هو: كل فرد يعمل ما بدا له طالما لا يمنع فردًا آخر من عمل ما يبتغيه، وتظهر أكثر الجمل ابتذالًا في موضوع الحرية “أنت حُرّ ما لم تضُر”. مشكلة هذا القول المتداول، أنه يصبح من المسلمات ويمنعنا من التفكير والتأمل فيه، وجملة “أنت حُرّ ما لم تضُر” لو خطونا على نهجها للنهاية سنجد بذرة من “الأنانية”؛ تظهر في “أنا أهتم لمصلحتي فقط”. وهنا تضاد آخر بين التوجه الفرداني والتوجه الإجتماعي، وهو الاهتمام بالمصلحة الشخصية مقابل المصلحة العامة. ليس أمرًا خياليًا أن ندرك أنه يؤدي إلى درجة من الأنانية.
لنتساءل إذن: ما مدى تأثير اهتمام كل شخص بمصلحته الشخصية، على المجتمع؟ ربما ستبدأ المجتمعات تدريجيًا بالتفكك، وهنا أقصد المجتمعات بكل مستوياتها، من الأسرة، حتى نصل للإنسانية كَكُل. في النهاية سنجد أن التوجه نحو المصلحة الشخصية يؤدي بهذه الكيانات للتمزق وانعزال الإنسان بشكل كبير، وهي سمة من سمات زمننا؛ الكثير يشعرون بنوع من الوحدة على مستويات كثيرة وأنهم ليسوا جزءًا من شيء، ومتروكون وحدهم في هذه الدنيا، ثم يصبح المجتمع هو العدو، وأنه هو الذي يفرض القيود، وبشكلٍ ما يتحول لشرير القصة. وتصدق عبارة “الجحيم هو الآخر” التي قالها “جان بول سارتر”، ومجددًا تظهر “الثنائية” في التفكير؛ فتصبح المسألة أنا أو المجتمع، والمجتمع يهدد هويتي واستقلالي. فيؤدي بنا إلى شعور آخر وهو الخوف من أي نوع من الانتماء. الكثير من الناس تقلل من فكرة الانتماء لشيء، لأنهم يربطون فكرة الانتماء بالذوبان؛ ويكون معنى إني كفرد مستقل لا أكون موجودًا.
من المهم أن نعرف أن هذه النظرة ليست الوحيدة للتعامل مع المجتمع، لأننا نرى على جانب آخر، طريقة مختلفة للتعامل مع المجتمع تظهر بوضوح في «المجتمعات الشرقية» و«الفلسفات الصينية»، إن الاهتمام لديهم لا يكون منصبًا بالكامل على الفرد، على النقيض، يتم النظر للمجتمع بطريقة أكثر إيجابية، وأن الوحدات التي ينتمي لها الإنسان هي جزء كبير من هويته، ومعنى هذا أن الإنسان يعرِّف نفسه بدوره في المجتمع. وهذين نمطين: «من أنا؟» و«ما الذي يعرّفني؟». في العقلية الشرقية هويتي هي مرتبطة “بماهية دوري؟”، وهذا يعني أن جهلي بطبيعة دوري وعلاقتي بالآخرين معناه أن جزء كبير من هويتي سيكون ناقصًا. فهويتي لن تتأكد ولن تنبُع من رغبتي في عمل ما بدا لي، بل نابعة من فهمي لمكاني في العالم. ويبرز مفهوم «الدور» بقوة، وفكرة «التضامن» و«التناغم» مع المجتمع، ويكون من ضمن «القيم العليا» أن يتناغم المجتمع، ويتضامن الناس بشكل أو بآخر.
في «الفلسفة الكونفوشيوسية» كان مفهوم «التناغم» عنصرً أساسيًا في المجتمع؛ تناغم بين عناصر المجتمع المختلفة، والتناغم ليس معناه الذوبان. فلنفكر في الموضوع كما لو كانت «سيمفونية» بها آلات مختلفة، كل آلة لها دور مختلف ومساحة معينة في النوتة، في النهاية هناك وحدة تجمع كل ذلك، لو أصر كل شخص على «عمل ما يريد» في هذا المثال، النتيجة ستكون “نشاز”. ولو وضعنا في اعتبارنا هذه الرؤية (الأكثر إيجابية للمجتمع)، سنكون أقل حساسية وأقل ثنائية مقارنة بالوضع الذي سردناه منذ البداية.
خاتمة:
في الختام لنسأل: لماذا نتناول هذه المواضيع؟ وكيف يمسنا هذا الأمر؟ ولماذا من المهم أن نميّز بين المفاهيم المختلفة كالحرية والقيد؟ مبدئيًا الحرية اليوم تأخذ أكبر من حيزها، فكثرة ترديد “أريد حريتي، أريد حريتي” يطرح سؤال “ما الذي ستفعله بعد الحصول على حريتك؟” ربما الكثير لم يفكر في المسألة، فالحرية هي مسألة من مسائل الحياة، لكنها ليست أهم شيء ولا كل شيء، ونحتاج لوضعها في مكانها. من ناحية أخرى، محدودية النظر للحرية (النظرة الثنائية) تفقدنا جزء من الحقيقة ويصبح الموضوع أبيض وأسود فقط، وهي نظرة طفولية، وأي أحد ينادي بالصالح العام وأن يكون له الأولوية والتركيز على الواجبات، يصبح شخصًا شريرًا ويحاول التحكم بنا، وأي شخص يمنحني المساحة لعمل ما أريد يكون الشخص الطيب. ولكن هناك مثال للتفكر: المجتمعات التي تميل للفردانية والحرية في العالم، أغلبها مجتمعات مهتمة بالحرية لأسباب اقتصادية، وتكون المناداة بحرية الفرد هو مجرد تعزيز للحالة الاقتصادية، وبالتالي فنحن نتحدث عن نظام اقتصادي معين، وهو الآن «الرأسمالية».
المساحة أو الحرية، لا تعني بالضرورة وضع أحسن. فعندما نلاحظ في مجتمع ما أن كل شخص في حاله، سنفترض أن هذا أفضل، ولكن كما ذكرت هناك جوانب أخرى، كالانعزال وانعدام الصلات الإنسانية الحقيقية، ولنرى الجوانب الأخرى للأمر ولنضع الحرية في مكانتها لأن نظرتنا للأمور وأفكارنا تؤثر بشكل مباشر على سلوكنا و اختياراتنا في الحياة، فالشخص الذي يعطي أولوية كبيرة لنفسه ولحريته، فما الذي يعنيه ذلك؟ هل ستكون اختياراته لها علاقة بـ«ما هو دوري وما الذي أقدمه؟» أم ستكون اختيارات لها علاقة بـ«كيف أعيش مستمتعًا بحياتي؟»، إلى أي مدى يستطيع الشخص الذي يقدس حريته أن يدخل في علاقات إنسانية؟ لأن أي علاقة بها نوع من القيد بالضرورة، وهذا قد يفسر عدم دوام العلاقات والأسر حاليًا.
اختياراتنا في الحياة وقراراتنا وتقييمنا للأمور سيرجع دومًا لرأينا في المفاهيم المختلفة، والغرض ليس إبراز رأي صحيح في مقابل رأي خطأ، إنما لفت النظر إلى أهمية فحص أفكارنا، ونتساءل هل أنا مقتنع بذلك؟ أم أنا تحت تأثير تيارات وأفكار معينة تدفعني للتفكير في طريق واحد؟ ومجددًا وفي حالة كوني مدفوع للتفكير بطريقة معينة، إلى أي مدى أنا حر على المستوى الفكري؟
من محاضرات اللقاء الشهري لفلسفة بالبلدي بتاريخ أغسطس ٢٠٢٢
لمشاهدة المحاضرة: https://youtu.be/JdyJZ2nIeB8
قدمتها أنديرا حيدر
تفريغ: محسن نصار
صياغة: أحمد وهبة





بجد شكرا ليكم ويارب تفضلو موجودين دائما توعونا وتفهمونا وتدونا اسأله مهمه نفكر فيها♥️