شئنا أم أبينا، الغضب جزء من تجربتنا البشرية، ودائمًا ما يكون هناك تحدي حول كيف ينبغي أن نتعامل معه. هناك الكثير من الأساليب المقترحة للتعامل مع الغضب سواء من خلال تقنيات نفسية أو كتب أو كورسات، فهو إذن موضوع تم تناوله كثيرًا من الناحية النفسية والعلمية، إلا إننا في هذه المحاضرة سنحاول أن نُسلط الضوء على الغضب من الناحية الفلسفية: هل هناك أي قيمة للغضب؟ هل يمكن تخطي الغضب؟ هل يؤدي تخطي الغضب إلى نوع من الفراغ أم أن هناك بدائل له؟
يمكننا بسهولة أن نصنف الغضب على أنه عاطفة، ويدل هذا التصنيف على انعدام الجانب العقلاني منه؛ فالغضب هو «رد فعل» أكثر منه قرار عقلاني يتخذه الإنسان بشكل واعي بعد تفكير متأني؛ إنه حالة فاقدة للعقلانية، ويمكننا جميعًا أن نتذكر مواقف انفعلنا فيها على كرسي أو منضدة أو حتى على السماء لأنها تمطر! فالغضب إذن هو حالة يجد الإنسان نفسه فيها فجأة بدون توجيه منه. حتى من الجانب الفسيولوجي فالغضب يتعلق بجزء بدائي من المخ، الجزء الذي يمكن أن نصفه بالمخ الحيواني، فهو يتحرك بمجموعة من الهرمونات مثل الأدرينالين وغيرها من الهرمونات التي تدفعنا إلى التصرف بشكل أهوج عنيف بدائي، إنه يصدر عن جزء حيواني منّا، جزء خامل يبتغي الانطلاق للظاهر والتعبير عن نفسه.
ولنطرح السؤال الأساسي: هل للغضب أي قيمة أخلاقية أو فلسفية؟ أم أن الغضب هو عنصر بداخل الإنسان علينا التخلص منه تمامًا؟
لماذا نكره الغضب؟
من السهل لنا أن نرى الجانب المكروه من الغضب، فالغضب في أغلب الثقافات هو من الخطايا العظمى للإنسان، وليس هذا بالأمر الغريب إذ إننا جميعًا نعرف أن الغضب كثيرًا ما يدفعنا للتصرف بشكل نندم عليه لاحقًا، ودائمًا ما يكون له آثار سلبية سواء خارجيًا أو داخليًا (نفسيًا).
وفي القصص والأساطير نرى نمطًا متكررًا، وهو أن البطل في كثير من الأحيان يواجه مواقف معينة تحاول إفساده عن طريق غضبه وكراهيته، أو أن الشخص الذي يحارب البطل يحاول أن يستخرج قوته عن طريق غضبه أو كراهيته حتى ينسى تمامًا القضية التي يدافع عنها ويصبح الغضب فقط هو الذي يحركه.
نرى في هذا النمط أن الغضب مغرٍ للغاية ويمد صاحبه بقوة جبارة للتحرك، فهو يضيف القوة لكل من الجسد والنفس، ويوفر للإنسان القدرة على فعل أشياء لم يكن ليستطيع أن يفعلها في الأوقات العادية، يجعله على سبيل المثال ينطق بكلام لم يكن ليجرؤ أن ينطق به في الأوقات العادية. لماذا إذًا لا ننظر للغضب كشيء مستحب بصفته مصدرًا للقوة؟ بصفته حال يحرك الإنسان من وضع قد يكون خاملًا أو خانعًا فيه؟ إلا إننا نعرف من ناحية أخرى أن الغضب لا يأتي وحده، بل دائمًا ما تصحبه تبعاته السلبية، كم من كوارث تاريخية يمكن أن ننسبها إلى لحظات غضب؟
سينيكا ورسالة الغضب
يعد الفيلسوف الرواقي سينيكا من أهم من تحدثوا عن الغضب، ذلك أن سينيكا كان مقربًا لكل من الإمبراطورين الرومانيين نيرون وكاليجولا، وهم شخصيات مشهورة تاريخيًا بمزاجهم الغضوب الأهوج إلى حد أنهم حرقو روما من شدة إنفعالهم، ولعل احتكاك سينيكا كثيرًا بالغضب هو ما دفعه لكتابة كتابه «رسالة في الغضب» وموقف سينيكا واضح كل الوضوح: يجب التخلص من الغضب تمامًا؛ فهو بلا قيمة على الإطلاق، فالغضب ليس إلا رغبة متخفية في الانتقام، إنه ردة فعل يتخذها المرء لأن شخصًا أذاه بطريقة أو بأخرى، فهو يهدف بشكل أساسي إلى إيذاء شخص ما.
والمشكلة الواضحة في الغضب أنه يتملّك من الإنسان تمامًا كما لو أن روح شريرة تسكنه، ولا تكون هذه الحالة مجرد حالة وقتية أو لحظية كما يظن أغلبنا؛ فالغضب لديه خاصية أنه يستطيع أن يتمسك بإنسان ويتمثل فيه، لدرجة أن الغضب قد يتحول لإدمان بسبب القوة التي يمدها لصاحبه، بسبب القدرة على التنفيس أو النشوة الجسدية التي يوفرها.
يضيف سينيكا أيضًا أن الغضب إذا تولد عن ظلم فهو لا يفعل شيئًا سوى إضافة المزيد من الظلم، إنه يضع الإنسان في حلقة مفرغة من الظلم والانتقام والعنف المتبادل.
كما أن الغضب في الواقع غير مفيد في اللحظات التي نحتاج فيها القوة والمواجهة، مثل لحظات الحرب؛ فالجيوش التي تعتمد على غضبها وانفعالها عادة ما تكون مندفعة بتهور مما يوقعها في أفخاخ كثيرة، ويكون من الصعب عليها أن تكبح نفسها كي تفكر بشكل عقلاني متزن، وفي هذه الحالة فأي جيش آخر على درجة من التنظيم سيكون من السهل عليه أن يهزم مثل هذا الجيش المتهور.
ولو أن مشكلة الغضب تظهر في هذا المثال من الناحية التقنية، لكن هناك ناحية أخرى تظهر في منطقة مختلفة من العالم وهي اليابان: كان للساموراي في اليابان ميثاق أخلاقي وطريقة معينة للتصرف، ومما يتضمنه هذا الميثاق أنه لو شعر الفارس أثناء القتال بالغضب أو بالكراهية تجاه عدوه فعليه أن يتوقف عن القتال ويرجع سيفه مكانه؛ وهذا لأن الفارس في هذه الحالة الانفعالية يكون قد توقف عن أن يكون نفسه، يكون قد فقد القضية التي يحارب من أجلها، فقد أصبح مجرد شخص يتصرف بناءً على أهوائه هو.
الغضب كطريق للعدل
رأينا أن الغضب لدى سينيكا أمر سلبي تمامًا ويجب التخلص منه، ولكن أليس التخلي التام عن الغضب يفقدنا المزايا التي أشرنا إليها فيما سبق؟ ألن يحول هذا الوضع الإنسان إلى كائن مستضعف خانع يقبل أي وضع مهما بلغ من الصعوبة؟
هناك سبب هام للغاية يجعلنا ندرك ضرورة وجود الغضب، وهو أن الغضب قد يُستخدَم كبوصلة أخلاقية، فالشعور بالغضب هو إشارة إلى وجود شيء ما غير مناسب، والغضب هو الذي سيلفت انتباهي إلى كوني لا أتقبل شيء معين. الغضب إذًا مهم كي لا يسقط الشخص في هوة اللامُبالاة، وكي لا يصبح خاملًا تمامًا في العالم. وبمعنى آخر فالغضب بهذا الشكل يعتبر طريقًا للعدالة، فشعوري بالغضب من وضع معين يشير إلى أن هذا الوضع ظالم، مما يدفعني بعد ذلك لتغيير هذا الوضع وتحقيق العدل. ولكن هل الشعور بالغضب أمر كافٍ لتحديد قيمة الفعل؟ هل انزعاج الناس من فعل معين هو الذي يجعله ظالم؟ وبالتالي فأي فعل لا يزعج الناس هو فعل صحيح؟ يطرح هذا السؤال الأزلي: هل العدل هو ما نتفق عليه كجماعة على أنه عادل؟ أم أن العدل شيء موجود بحد ذاته وعلينا أن نستكشفه ونعكسه في العالم؟
ولنركز هنا فقط على مسألة الغضب حتى لا ننحرف عن السياق، هل الغضب هو المُحرك الوحيد للعدل؟ هل الغضب هو المحفز الوحيد في سعينا إلى وضع أفضل؟ وهل من الممكن تخطي الغضب أصلًا؟ أو هل يمكن تنقيحه؟
أفلاطون والغضب النبيل
في الرؤى المعاصرة نرى الإنسان ليس إلا جسدًا فقط، وأن حتى الغضب هو مجموعة تفاعلات كيميائية معقدة تحدث في المخ، ولكن من منظور أفلاطون فالكون والإنسان ليسا مجرد مادة فقط، بل هناك جانب آخر معنوي، وأن الإنسان تبعًا لذلك لديه جانب نفسي أو روحي، وأن دوافع الإنسان منقسمة إلى عدة عناصر، أحدهم غرائزي، والثاني غضوب أو طموح، والثالث هو العنصر العقلاني. ومن الواضح حتى لُغويا أن الغضب ينبع من العنصر الغضوب من الإنسان، الذي يُسمّى في اللغة اليونانية «سوموس» أي الدفعة التي تحرك الإنسان تجاه اكتساب جزء أكبر من العالم، الا إن الأمر عند أفلاطون لا يتوقف هنا، فهناك العنصر العقلاني في الإنسان الذي يتسامى عن هذه الانفعالات.
يفرّق أفلاطون بين نوعين من الغضب: الغضب الشخصي وهو الذي يهتم فقط بالانتقام، ونوع آخر يسميه بالغضب النبيل، وهو الغضب الذي يهتم بإعادة الأوضاع إلى نصابها السليم، أو إعادة العدل، غضب يستثار بسبب وضع ظالم يشاهده الإنسان، وليس من الضروري أن يكون لهذا الوضع علاقة شخصية مع الشخص النبيل، ليس من الضروري أن يكون الشخص نفسه قد تعرّض للظلم أو الأذى، وإنما هو غضب لأن هناك ظلم في العالم، الغضب النبيل لا يقوم فقط على ما يمس الأنا أو يؤذيها، بل هو يرتبط أيضًا بالآخر.. بالعدل.. بما يتسامى عن الأنا.
الغضب في المنقولات الآسيوية
تنقل لنا التعاليم القديمة لحضارة شرق آسيا أننا لسنا في حاجة إلى الغضب؛ فالإنسان المُستنير والحكيم ليس في حاجة إلى الظُلم كي يتحرك تجاه العدل، بل يكفيه فقط الفهم والتعلم، تمامًا كالطبيب المحترف؛ فالطبيب المحترف لا يغضب تجاه الجرثومة التي تسبب المرض، إذ إنه يعي وضع المرض ووضع الإنسان، ومن ثم فهو يتحرك تجاه الصحة بدون حاجة إلى الغضب، إنه ليس بحاجة للغصب كي يفعل «ما يجب فعله» فهو يتصرف وفقًا لفهمه. فهل من الممكن إذن أن نتسامى من الغضب إلى التفهم؟ أو هل من الممكن أن يقوم غضب أفلاطون النبيل على الفهم؟ حيث نفهم ما يمر به الآخر ونفهم ما يدفعه إلى التصرف بهذا الشكل، وبدلًا من أن نغضب تجاهه هو شخصيًا وبدلًا من أن نغضب لأنفسنا، نغضب -أو بالأحرى نتفهم- لكي نتخذ الموقف المناسب، وفي هذه الحالة لا يفقد المرء قدرته على التصرف، فهو هنا يتصرف بناءً على فهم وقرار واعي، وليس بناءً على انفعال لحظي أو رد فعل استثاره موقف معين. في هذه الحالة لا يكون العنصر الغضوب هو الذي يحرّك الإنسان، بل العنصر العقلاني المتفهّم، بل ويمكننا أن ندفع هذا التفهّم إلى تعاطف، ليس تعاطف من النوع الذي يجلس فيه الإنسان بجانب الشخص المتضرر ويحزن عليه، بل تعاطف بالمعنى الذي يتفهّم فيه المرء حقًا ما يمر به غيره وما دفعه إلى ارتكاب ما ارتكب، ولا يفكر في شيء سوى محاولة إيجاد الفعل المناسب لتصحيح الوضع.. لتحقيق العدل.. لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
_______________________________
من محاضرات اللقاء الشهري لفلسفة بالبلدي بتاريخ مارس 2021
لمشاهدة المحاضرة: https://youtu.be/kk-gfpoZGE4?si=pJ3UhVDkkI2W5PfL
قدمها: أحمد عبدالعال
تفريغ وصياغة: محمد البدوي





0 تعليق