29 سبتمبر 2024

لماذا نتفلسف؟.. هكذا تحدث جان فرنسوا ليوتار

“لا شك أنكم تعلمون أن من عادة الفلاسفة أن يفتتحوا تعليمهم بالنظر في سؤال ما الفلسفة؟ ففي كلّ السنوات وفي كلّ المؤسسات التي دُرِّست فيها الفلسفة وشُيِّدت، كان المشتغلون بها يتساءلون: أين توجد الفلسفة؟ وما عساها تكون؟”

بهذه الكلمات افتتح جان فرنسوا ليوتار سلسلة من أربع محاضرات كانت قد خُصصت لطلبة الصف الأول في جامعة السوربون العريقة. الغرض الأساسي من هذه المحاضرات هو التأمل في عملية التفلسف، طبيعتها وحاجتنا الراهنة لها، لكن على عكس المتوقع، لا يقودنا ليوتار للإجابات المبتذلة عن دور الفكر في المجتمع المتخلف، أو سمو المفكر على أهواء المجتمع وشهواته، ولا يستعرض النشاط الفلسفي بوصفه سعي وراء الحكمة النبيلة المتعالية.

يعود ليوتار للجذور اللغوية لكلمة فلسفة، فيلوصوفيا، أو حب الحكمة (الرغبة في الحكمة/الوقوع في حب الحكمة). الفلسفة ليست سعيًا مجردًا للحكمة العليا التي ترتفع فوق الشهوات والعاطفة، والفيلسوف ليس حاكمًا لشهواته ملجمًا لرغباته كما تدعي الرواقية على سبيل المثال. بل إن الرغبة تسكن في قلب التفلسف نفسه، فحب الحكمة ليس مجرد توجه إليها، ليس حبًا عقليًا بمعنى ما، وإنما ينتمي إلى الرغبة، إنه وقوع في الحب وانجراف شهواني بطبيعةٍ خاصة. التفلسف باختصار: نشاط إنساني طبيعي، يمثل موضوعًا للرغبة كما يمثل أي شيء آخر موضوعًا للرغبة، لكن على أي حال ما يميز الرغبة في التفلسف عن أي رغبة أخرى هو أن هذه الرغبة تتحول إلى سؤال عن نفسها.

الفلسفة تحصُل على الشهوات من كل الناس، وهي وليدة عصرها… وإن الفيلسوف ليس إنسانَا ساذجًا حتى يصحو ويقول: إنهم غفلوا عن التفكير في الله وفي التاريخ وفي المكان وفي الموجود، ويجب عليَّ أن أتدبر كل هذا”.

لتوضيح هذه الفكرة يستدعي ليوتار محاورة المأدبة لأفلاطون. في المحاورة تحكي ديوتيم عن أيروس إله الحب والشهوة في الميثولوجية الإغريقية، ويصوره أفلاطون على أنه جامع لمتناقضات العالم؛ ففيه الذكورة والأنوثة، الفناء والخلود، الفقر والثراء. تمثل أسطورة أيروس مفهوم التفلسف عند ليوتار، يقع فعل التفلسف في مساحة متوترة، فهو ليس وصولًا للحكمة كما ذكرنا آنفًا، بل التعلق بها والحركة نحوها، والرغبة فيها، وبالتالي فالتلفسف هو نشاط لا مضمون، لا يعِد بأي شيء، هو المغامرة البشرية نفسها التي يقتحمها الإنسان في سعيه إلى مستقبله المهني أو العلمي؛ في التخطيط للزواج، في الإقدام على الإنجاب. تفلت الحكمة بشكل مستمر من الفيلسوف كلما حاول الإمساك بها.

“وفيما يخص واقعنا اليوم، إذ نحن نتسائل: لماذا نتفلسف؟ فإنه يكون بوسعنا دومًا أن نجيب بطريقة الاستفهام: لماذا نرغب؟ وبوسعنا أن نجيب دومًا، وفي ترقب الجواب الأفضل: إننا نتفلسف لأننا نرغب”.

وإذا كنا بصدد ممارسة تأمل أعمق في محاولات ليوتار لمعالجة مفهوم الفلسفة، سيتوجب علينا أن نشد الرحال إلى واحد من أهم مشاريع ليوتار الفكرية، كتاب “الخطاب الصورة” الذي يقدم فيه أطروحة مفصلة حول نظرية المعرفة. على مدى تاريخ الفكر الغربي، كانت المعرفة -في غالب الأمر- تعيش في عالم مجرد عن الكون المحسوس، وعلى الفيلسوف أن يصعد درَج التفكير إذا أراد أن يكون فيلسوفًا. العقل مقابل العاطفة، العلم في مقابل الفن، المعرفة في مقابل الحس، أو الخطاب في مقابل الصورة بمصطلحات ليوتار. يمثل الخطاب المعرفة المجردة المشيدة بنسق هائل من المفاهيم المترابطة ببعضها البعض ترابطًا منطقيا صلبًا، بينما تمثل الصورة عنفوان العالم الحسي الذي يتجلى في الغريزة والفن. الشطر الأكبر من تاريخ الفكر الغربي عمل بجد لفصل الخطاب عن الصورة، وبالطبع على رفع الخطاب في مكانة عالية. يواجه ليوتار مشكلة هذا الفصل بإلهام كبير من التحليل النفسي الفرويدي، فمنذ أن طوّر فرويد مفهومه الخاص عن اللاوعي، بدأت الحضارة الغربية رحلة من الشك فيما يسمى بالعقلانية، تبدلت الصورة عندما اكتشفت أن الإنسان مسرح الغريزة الصاخب الذي ينبض تحت أرض الحضارة.

اكتشاف اللاوعي هو مغامرة بلا شك، تتطلب شجاعة هائلة اعترف بها إريك فروم عند حديثه عن المعلم الكبير ونبي علم التحليل النفسي فرويد. ولا تكمن خطورة الولوج إلى اللاوعي في كونه بداية لاكتشاف حقائق مفزعة عن الإنسان، أو حتى وسيلة لضياع العقل عند الانغماس فيه، كما فعل رينيه سيرفيل عندما كاد يقود جماعة من رفاقه الفنانين إلى عملية انتحار جماعي أثناء ممارستهم للتنويم المغناطيسي خلال ما يعرف بالفجوة الغامضة في تاريخ السريالية، بل تكمن خطورة عملية اكتشاف اللاوعي في كونها لحظة من الضروري أن تتغير فيها نظرية المعرفة، ليعاد فيها بناء مفهوم العقل من جديد، وهذا ما فعله ليوتار. فبالنسبة لليوتار، المعرفة ليست شيئًا مجردًا من الفن والحس والغريزة الطبيعة، يخسر البشري وجوده عندما ينفصل عن عالم الحس، ويزيغ عن عنفوان العالم المرئي المُلون.


والآن، بعد أن أصبحت الفلسفة فعلًا إنسانيًا وحياتيًا محضًا، يمكننا أن ندَّعي أننا وجدنا -بشكلٍ ما- إجابة -أو طرف خيط إجابة- على سؤالنا الذي بدأنا به، لماذا نتفلسف؟ إلا أن هذه الإجابة البسيطة تتمادى لتواجه أشهر حجتين قُدِّما لتنفيد الفلسفة:
– الأول: لماذا نتفلسف وقد قيل كل شيء؟ أو بالأحرى ماذا عندك أيها الفيلسوف لتقوله بعد كل التراث؟
– الثاني: لماذا نتفلسف وقد اختلف المتفلسفة وسيظلون في خلافهم للأبد؟

إذا كانت الفلسفة نشاطًا بشريًا في المقام الأول فلا معنى لسؤال الجدوى، أن نتفلسف يعني أن نرغب، أن نمارس بشريتنا وتتحرك في حدودنا، أن نكون أنفسنا، وكما كان أريوس يمثل التناسق الذي يجمع التناقضات في قلبه، فهكذا المجتمع الذي ينعم بمشروع الاختلاف الأبدي للفلسفة.

يعبر ليوتار عن فكرة كامنة في قلب ما يُسمى بما بعد الحداثة -المصطلح مثير الجدل الذي أحيانا ما يتنصل منه من يُنسبون إليه- عندما يحدد بعناية دور الفيلسوف، فهو يحكي عن حُلم صناعة الفلسفة بدون فلاسفة؛ أن تخرج الفلسفة من الأبراج والقلاع والحصون وتسري في جسد الحياة، فالفيلسوف هو الإنسان في محض نشاطه الطبيعي، وليس حارسًا يقظًا يقيم حراسته في الليل عندما ينام العالم أو يغفو العقل.
هذه الإجابة لا يجب أن نراها كوضع يمارسه فيلسوف مرموق، بل هي خطة جهنمية لإنقاذ الفيلسوف من موته المحتوم، فنحن في عالم لا يتناول فيه الفلاسفة السُم كما حدث لسقراط حينما شجع شباب أثينا على تحريك العقل واكتشاف النفس، لكننا رغم ذلك نحيا في عالم يُقتل فيه الفلاسفة يوميًا، بالنفي والنبذ، والفيلسوف الفطن لا تخدعه حيلة المجتمع، الذي ينفيه بتصويره في مكانة مهيبة متعالية ومن ثم يتجاهله، بل ويحتقره أحيانًا.

وفي الحقيقة بما أننا لا نمتلك القدرة على الإفلات من ذلك، فلنستهدف حضور النقص في كلامنا، وفي الحقيقة، كيف لنا ألا نتفلسف؟!

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا