30 أغسطس 2024

الأسطورة (محاضرة)

ماهية الأسطورة؟

لم تعد الأسطورة عنصرًا مؤثرًا في حياة الكثير من الناس اليوم، في حين إنها -في حقيقة الأمر- واحدة من أكثر المفاهيم إنسانية، ولكن لا تتضح تلك الحقيقة إلا بالسؤال عن ماهية الأسطورة؟

أستطيع أن أقول إن الأسطورة واحدةٌ من أكثر المفاهيم التي تم تلطيخها بعناصر لا ترتبط بها في الأصل: يعتقد الكثيرون على سبيل المثال أن الأسطورة هي طريقة الشعوب القديمة في تفسير الظواهر الكونية الغريبة عليهم، فالأسطورة من هذا المنظور تعتبر جيلًا بدائيًا من العلم. فنرى في أسطورة «بيرسفوني» أن إله العالم السفلي اختطف بنتَ إلهةِ الطبيعةِ والنباتِ، مما تسبب في وجود الشتاء في العالم. ومن هنا فكثيرٌ من الناس يعتقدون أن الإغريق القدامى يفسرون تغير المواسم بهذه الأسطورة لأنهم لا يعرفون سببًا آخر لتغيرات الطقس الدورية، بينما يرى البعض الآخر أن الأسطورة لا تهدف لتفسير الظواهر فقط، بل أيضًا لتفسير ما وراء الظواهر، فيراها البعض تعطي إجاباتٍ نصف مُرْضِيَةٍ مُسَكِّنَةٍ للطفل الإنساني الذي يعاني من تساؤلات ماورائية عن الموت وما بعد الموت والعالم الأخر، ولا يستطيع اكتشاف إجابات لها، فتأتي الأسطورة لتلبي احتياجه للأجوبة.

الخلط بين الأسطورة والخرافة

وهكذا نجد أن كل الرؤى الشائعة عن الأساطير منحصرةٌ فقط في تلك الجوانب. هذا أو إنه -في أفضل الأحوال- يتم النظر إليها على أنها مجرد عملٍ أدبي وفني ترفيهي يرويه الناس لبعضهم البعض بهدف الاستمتاع واكتساب بعض المواعظ أو الحكم. وبالرغم من حقيقة وجود البعض من تلك العناصر، إلا إن تلك الرؤية للأسطورة هي بدورها رؤية مختزلة، والسبب وراء هذا الاختزال هو عدم التمييز بين الأسطورة وما التصق بها من عناصر لا تخصها؛ فالناس على سبيل المثال تخلط بين الأسطورة والخرافة؛ فهم يستخدمون هذين المصطلحين بالتبادل.

تشير الخرافة إلى قصةٍ أو أمثولةٍ غير حقيقية تهدف إلى أغراضٍ عدةٍ منها ما ذكرناه ومنها ما يزيد عليه، مثل خرافة بابا نويل وجنية الأسنان في الثقافات الغربية، أو النداهة وأمنا الغولة في ثقافتنا المصرية (وللحديث بقية عن مثل تلك القصص ومعانيها). مثل هذه القصص هي ما يأتي إلى أذهان معظمنا عندما نتحدث عن الأساطير، وما نكرهه في مثل هذه القصص تحديدًا هي أنماط الكذب والاستخفاف المهين للعقول بغرض الترغيب والترهيب الطفولي. والسؤال إذن: إذا كانت كل هذه الاعتقادات الشائعة والانتقادات تنطبق على الخرافة وليس على الأسطورة، فما هي الأسطورة حقًا؟

الأسطورة كناقل للحقائق التاريخية والعلمية

إن من يطلع على الأساطير بعين متحررة من الافتراضات المسبقة والصور النمطية الشائعة عنها سيجد أن الأساطير تنقل حقائق من نوع خاص. فمبدئيًا، هناك عنصر يرتبط بالتاريخ؛ فالأسطورة في بعض الأحيان تنقل حقائق تاريخية، ولنا مثال على ذلك في أسطورة طروادة التي ينقلها لنا هوميروس في ملحمتيه الإغريقيتين: الإلياذة والأوديسة، حيث كان يتم النظر إلى هذه الأسطورة على أنها خرافة حتى عام ١٨٧٣، فمدينة طروادة حتى ذلك الوقت كانت تعتبر مجرد مدينةٍ وهميةٍ ابتدعها هوميروس من أجل قصته. وإذا أعتقد أي شخصٍ غير ذلك فكان يتم وصمه بأنه شخص متأثر بالخرافات ويخلط بين التاريخ والوهم. إلا إن رجل الأعمال وعالم الآثار الألماني هاينريش شليمان كان يعتقد أن مدينة طروادة التي يصفها هوميروس هي مدينة حقيقية، وبدأ رحلته في التنقيب عن هذه المدينة، وهي الرحلة التي كان يعاني كثيرًا لكي يجد من يموّلها، فانتهى به المطاف ممولاً إياها بماله الخاص. وكان يُنظر إلى شليمان نظرة استهزاء وسخرية، إلا إنه -واسترشادًا فقط بأسطورة هوميروس- وجد ضالته في نهاية الأمر، فاكتشف، ليس فقط مدينة طروادة المذكورة في الملاحم الإغريقية، بل وجدها بين تسع طبقات من المدن المفقودة عبر التاريخ في نفس الموقع واحدةً فوق الأخرى، كلٌّ من حقبةٍ زمنيةٍ مختلفة، وهو الأمر الذي نجده مثلاً في معابد المصريين القدماء التي عادة ما نجد فوقها العديد من الطبقات التي بُنيت على مر العصور من كنائس أو مساجد وغيرها.

وكما هو متوقع، نظر المجتمع العلمي إلى هذا الاكتشاف على أنه نوع من ضربات الحظ التي لن تتكرر، إلا إن اكتشافًا كهذا يفتح المجال على الأقل لإعادة النظر في إمكانية احتواء الأساطير على حقائق من نوع ما. ولا تقتصر هذه الحقائق على الجانب التاريخي فقط، بل إننا قد نجد في الأسطورة بعضًا من الحقائق العلمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو اكتشاف قام به فيلسوف وعالم عصر التنوير إسحاق نيوتن، وسيثير هذا المثال تعجب الكثيرين لأن أغلبنا لا يعرف شيئًا عن هذا الجانب من شخصية إسحاق نيوتن؛ فكل ما يخطر على البال عند ذكر اسمه هو قصة التفاحة الشهيرة واكتشاف قانون الجاذبية، أو إسهاماته المختلفة في علمي الرياضيات والفيزياء. إلا إن نيوتن كان عنده اهتمامٌ «جنوني» -كما يصفه البعض- بالأساطير، بل وكان مهووسًا أيضًا بما يعرف بعلم الخيمياء، وهو العلم الذي يمنح الإنسان القدرة على تحويل العناصر من عنصر إلى عنصر آخر، وكان هوس الخيمائيين دائمًا موجّه نحو تحويل العناصر الثقيلة والسامة كالرصاص إلى عنصرٍ نفيسٍ ونبيلٍ كالذهب عن طريق ابتكار ما يعرف باسم «حجر الفلاسفة». وتعتبر الخيمياء اليوم بالمعايير العلمية المعاصرة علمًا زائفًا، إلا إن نيوتن كان مهتمًا بشدة بهذا العلم، وبأن يصل إلى حجر الفلاسفة، وكان يعتمد في دراسته على مجموعة من النصوص القديمة للغاية التي دائمًا ما كان يبحث عنها في المكتبات المتخصصة، كما كان يوصي معارفه المسافرين بجلبها له إذا ما وجدوها في مسار رحلتهم. وأثناء دراسته لأحد تلك الكتابات التي تحوي العديد من المعادلات الكيميائية، إذ يفاجأ نيوتن بوجود أسطورةٍ قديمةٍ من التراث الإغريقي والروماني بين هذه المعادلات الكيميائية غير مفهوم علاقتها بها. وكانت القصة تروي أحداثًا تدور بين آلهة جبل الأوليمب (الجبل الذي تسكنه آلهة الإغريق والرومان في أساطيرهم) حيث كان «ڤولكان» (رب العمل والحدادة) متزوجًا من «ڤينوس» (ربة الحب والجمال)، إلا إن حياتهم الزوجية لم تكن سعيدة تمامًا، وكانت ڤينوس -أثناء غياب ڤولكان في عمله- تدعو كل يوم عشيقها «مارس» إلى منزلها، وفي يوم من الأيام عاد ڤولكان ووجد ڤينوس ومارس في أحضان بعضهما البعض، ومن ثم استشاط غضبًا وألقى عليهم شبكةً خاصةً كانت معه، ثم عرضهم على سكان وآلهة الأوليمب، وتتوقف القصة عند هذه النقطة.

وعلى الرغم من إن القصة يبدو من ظاهرها أنها تتحدث عن الحياة الزوجية والخيانة وما شابه، إلا إن نيوتن اعتقد أن هناك معنًى أعمق خلف هذه القصة، واستطاع أن يكتشف من خلال قراءاته أن ڤينوس ترمز إلى النحاس، بينما يرمز مارس إلى الحديد، وعندما جرب نيوتن أن يصهرهما ببعض باستخدام النار (التي تعبر عن ڤولكان) أنتجا له مزيجاً له سطحٌ مُخَطَّطٌ كالشبكة. وبهذا فإن ما كان يبدو للوهلة الأولى  نوعًا من أنواع القصص، يتضح أنه معادلةٌ كيميائيةٌ مستترة في شكلٍ قصصي.

الأسطورة كوسيلة للحفاظ على المعرفة

في بعض الأحيان تكون الأسطورة هي الملاذ الوحيد للمعرفة، ففي العصور الوسطى الأوروبية على سبيل المثال، والمعروفة أيضًا بعصور الظلام، كانت أغلب المعارف مُحرَّمة من قِبَل السلطات الدينية باعتبارها تنتمي لحقبة وثنية وغير مسيحية، وبالتالي كان العلماء والمفكرين في اعتقاد السلطة مجموعة من السحرة والمهرطقين الذين ينبغي إما أن يتوبوا أو يُقتَلوا وتحرق أعمالهم وكتاباتهم، وبالتالي فقد كان التراث المعرفي عُرضة للاندثار، وقد تعرَّض جزء كبير منه إلى ذلك بالفعل في تلك الفترة. أما الأسطورة، والتي هي مغلفةٌ في إطارٍ قصصيٍ جذابٍ سهلٌ أن تتناقله الألسنة، فصعبٌ أن تحرق أو أن يحرَق أصحابها، ونجد في هذا السياق أن الأسطورة قد تكون وسيلة فعّالة للحفاظ على تلك العلوم من الضياع، عن طريق احتوائها عليها بشكلٍ رمزيٍ مبَطًّن.

الأسطورة كمعبر عن حقائق نفسية وإنسانية

مع ذلك، فإذا حصرنا الأسطورة في هذين الدورين (أي نقل الحقائق التاريخية والعلمية) فسيكون هذا نوع من اختزال الأسطورة في جانبها المادي والنفعي، أي إننا نختزل الأسطورة فقط فيما تعود علينا به من نفع عملي ملموس، في حين إن مثل هذه المنافع هي مجرد وظائف عارضة على الأسطورة، بينما هناك وظيفة أخرى للأسطورة قد تكون هي الأكثر جوهرية، وهي إنها تنقل لنا حقائق نفسية وإنسانية، فالأسطورة تفتح لنا أبوابًا على عوالم نفسية يحتاج الإنسان أن يمر بها كي ينمو ويرتقي. ولنا مثال على ذلك في مراسم البلوغ أو النضج في كثير من الثقافات القديمة، في أمريكا الشمالية قديمًا على سبيل المثال (عند السكان الأصليين)، امتلكت بعض القبائل مراسم خاصة للبلوغ مستلهمة من أساطير الأرواح والأبطال، فكان الآباء يعيدون محاكاة مثل تلك الأساطير ﻷبنائهم فور بلوغهم السن، فيرتدون أقنعة الأرواح والآلهة، ثم يذهبون لاختطاف ابنائهم من أحضان أمهاتهم في منتصف الليل، ويتركونهم في كهف ما في البرية مع بعض الإشارات لكيفية العودة إلى القرية، وكان عندما يصل الطفل منهم إلى القرية كان يتم استقباله لا كالطفل الذي خرج ولكن كشخص ناضج وبالغ. وبالرغم من ما قد يتراءى للبعض على أنه نوعٌ من القسوة في هذه المراسم، إلا إنها تفتح في النفس باب وعي مختلف؛ انتهت مرحلة الطفولة، انتهى الأمان الذي توفره الأم، الشخص في حاجة إلى الاعتماد على نفسه الآن، في حاجة إلى العودة وإثبات نفسه. ويمكننا أن نتصور كيف أن هذا الطقس يخلق حقًا حالة من النضج في الإنسان. 

ويعتبر النضج واحد من الأنماط التي تناقشها كثير من الأساطير، مثل أسطورة ميدوسا الشهيرة على سبيل المثال، التي تروي عن ميدوسا الوحش ذات الثعابين في شعرها التي تحوّل كل من ينظر لعينيها إلى تمثال من الصخر، ومن ثم يأتي البطل بيرسيوس بدرعه اللامع وسيفه ليواجهها ويذبحها بهدف أن يصل لحبيبته أندروميدما ويتزوجها. ونجد في هذه  القصة أن ميدوسا هي رمز لما يعرف بالـ(Devouring Mother) أو الأم الملتهبة، التي تحتضن ابنها بشكل مبالغ فيه لدرجة أنها تمنعه عن النضوج وأن يكون إنسانًا مسؤولًا عن نفسه، فالأسطورة هنا تشير إلى ضرورة تخطي المرء لهذا الوضع، وأن يذبح -مجازًا بالطبع- هذه الصورة عن أمه التي تحوّله إلى صنم أو تمثال لا يستطيع الحركة في أي إتجاه. ونفس هذا النمط نجده في قصة بيتر بان الولد الذي لا يكبر والذي هو في حاجة لأن يتخطى عنصر معين كي ينمو.

إن الأسطورة بهذا الشكل تساعدنا على استيعاب هذه الأنماط الإنسانية بأسلوب خاص يميزها عن باقي طرق الاستيعاب المختلفة، إذ إن مثل هذه الأنماط هي غامضة ومن الصعب تفسيرها وفهمها، إلا إن الأسطورة تخاطب في الإنسان عناصر أخرى غير ملكات التحليل والنقد والتفسير؛ إنها تنفذ مباشرة إلى عناصرنا اللاواعية. ويعتبر كارل يونغ (عالم النفس الشهير) من أبرز من يتبنّون هذا الموقف عن الأسطورة، فهو يرى أن الاسطورة تفتح أبوابًا للوعي الإنساني، ولكن المسار الذي تأخذه لهذا الهدف هو مسار غير واعٍ. وربما يكون هذا هو السبب وراء ربطه بين الأساطير والأحلام، فهو يرى أن هذين العنصرين الإنسانيين يتكونان من نفس النسيج، فالناس جميعهم يحلمون تقريبًا نفس الأحلام؛ حلم أننا نقع من مكان عالٍ، أو حلم تساقط الأسنان، أو فقد القدرة على الكلام… إلخ، ويستنتج يونغ من هذه الظاهرة أن الأحلام تتحدث بلغة واحدة، لغة إنسانية، ونفس هذه اللغة الإنسانية التي يسميها يونغ «اللغة الرمزية» هي التي تستخدمها الأساطير. وبالنسبة ليونغ فهذه اللغة ليست اختراعًا منّا نحن البشر، بل هي جزء من تكوين الإنسان النفسي، إنها عنصر متأصل فينا نستخدمه ويخاطبنا سواء كنا نعيه أم لا. وربما يفسر ذلك التشابه العجيب بين جميع أساطير الشعوب والثقافات المختلفة على مر الزمن، إذ ليست الأحلام وحدها هي التي تتشابه بين جميع الناس، بل كذلك الأساطير؛ فنحن نلاحظ كيف أن أساطير الصين واليابان تتشابه بقوة مع أساطير شعوب أفريقيا، وأن هذه بدورها تتشابه مع أساطير أمريكا الشمالية ومصر والشرق الأوسط، والأساطير البابلية تتشابه مع الأساطير الأوروبية… إلخ. وكأن هناك نمطًا واحدًا يجمع بين كل هذه الأساطير، فهم بطريقة أو بأخرى دائمًا ما يسردون نفس القصص. ومن أكثر من اهتم بتوضيح هذه الحقيقة هو عالم الميثولوجيا جوزيف كامبل، وقد خصص كتابه الأهم «البطل ذو الألف وجه» لهذه المهمة، فدائمًا هناك نفس الأنماط في الأساطير؛ البطل الذي يواجه نداءً مُلِحًا لمغامرة من نوع ما ولكنه يرفض أن يستجيب، دائمًا ما يكون هناك في البداية هذا العنصر لرفض النضج والذي على البطل أن يتخطاه، ومن ثم تأتي إليه مساعدة ما تمكّنه من الانتقال من عالمه الشائع إلى عالم آخر سحري، عالم يمر فيه برحلة بطولية، يحارب التنانين ويحل الألغاز ويكتشف كنوزًا ويواجه ألدّ أعدائه ويموت ويبعث من موته… إلخ، ومن ثم يعود إلى نفس عالمه ولكن بوعي مختلف.

مع ذلك هناك سؤال مشروع؛ لماذا كل هذا السحر والغموض؟ لما لا نستخدم لغة مباشرة واضحة؟ لماذا كان على نيوتن أن يعاني كل هذا ليفهم المعادلة بينما كان من الممكن أن تُكتب بصورة مباشرة كغيرها من معادلات الكيمياء؟

إن واحدة من امتيازات اللغة الرمزية في الأساطير أن لديها القدرة على التعبير عن مستويات مختلفة في نفس الوقت؛ فنفس الأسطورة التي لها بُعد ذاتي أو نفسي قد يكون لها في نفس الوقت بُعد سياسي أو مجتمعي، ومعهم أيضًا بُعد كوني، ووارد أيضًا بجانب كل هذا أن تكون تعبيرًا عن معارف أو حقائق علمية أو تاريخية. فعودة أوزيريس الواحد بعدما كان ممزقًا إلى أشلاء قد تكون تعبيرًا عن الإنسان الممزق والمنقسم، وتصلح في نفس الوقت لأن تكون تعبيرًا عن الدولة المنقسمة، وهي تعبر في نفس الوقت عن علاقة الروح بالمادة في عالمنا؛ فاختزال الأسطورة في معنى واحد محدد يفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها، فالرمز ليس عنصرًا جامدًا ذا مدلول واحد في كل المناسبات، بل الأحرى أن نتصور الرمز على أنه حي يتنفس ويستطيع أن يندمج بأشكال مختلفة مع كل إطار أو سياق.

ربما يأتي التفكير في معنى واحد محدد للأسطورة من الاعتقاد بأن هناك شخصًا ما كتب هذه الأسطورة لغرض معين بعينه، ولكن عندما نضع في الحسبان ما ذكره يونغ وكامبل من أصالة اللغة الرمزية في النفس، بجانب ما نلاحظه من وحدة في الأساطير بين جميع الحضارات المختلفة، وأنها تعبر عن نفس الحقائق الإنسانية فسيكون من الصعب أن نقول إن هناك شخصًا بعينه اخترعها، وهنا يظل السؤال محيّرًا: من أين تأتي الأسطورة؟ في حين أن السؤال يجب أن يتحول -بعد وضع إشارات يونغ وكامبل في الحسبان- من: لماذا كل هذا التشابه بين الأساطير؟ إلى: ما هي العناصر المتشابهة بيننا التي تشير إليها تلك الأساطير؟ 

إن الأسطورة تعبر عن الإنسان، جميعنا نمر برحلتنا الأسطورية، كل واحد مننا لديه النداء الخاص به متمثل في غاياته التي يسعى إليها، كل واحد منا لديه مغامرته ورفاقه وكل واحد منا لديه أعداؤه ومعاركه والمخاوف التي يجب التغلب عليها.

الأساطير المعاصرة: السينما كملاذ جديد

عالمنا اليوم لديه أساطيره، كل ثقافة تروي أساطيرها بالأسلوب المناسب لها. يخبرنا جوزيف كامبل في وثائقي (The power of the myth) أن السينما اليوم هي الأسلوب الحديث في التعبير عن الأساطير، وأنها تستلهم نفس الأنماط الأساطيرية، وكان يضرب مثالًا بفيلم (Star Wars) الذي يرى فيه نفس نمط رحلة البطل، والذي هو ليس بنمط جديد، إنه نمط أساطيري موجود منذ بداية الإنسان على الأرض، نفس هذا النمط نراه عمومًا في أعمال (Marve9l و(DC) وأيضًا أعمال مثل (Lord of the rings) أو (Harry Potter). فالأساطير موجودة، ولا يعني هذا أن الأساطير القديمة قد ماتت، فكما وضحنا أن جميع الأساطير تعبر تقريبًا عن نفس الحقائق والظواهر، ربما نكون فقط بحاجة إلى النظر إليها بدون التأثر بما يشيع عنها من مسلمات اليوم، ربما في هذه الحالة نستطيع أن نجد فيها المعاني التي تلمس أعماق دواخلنا.

هل هناك احتياج للأساطير اليوم؟

بالطبع، ليس غريبًا علينا اهتمامنا بالقصص والسرد، فالناس تجتمع حول نار المخيمات وحول الحكائين لسماع قصص الأبطال والملاحم الأسطورية أكثر مما تجتمع على أي شيءٍ آخر، وكأن سماع الأساطير وتداولها هو من أكثر الأنشطة اقترانًا بطبيعة الإنسان منذ عرفناه عبر التاريخ وحتى هذه اللحظة. والاحتياج هنا هو بقدر احتياج الإنسان للغةٍ موحدةٍ تتجاوز كل الشعوب والثقافات والأزمنة والمراحل العمرية المختلفة وحتى حدود العقل الواعي والمنطق الجامد الجاف، إلى أن تسبر أعماق دواخلنا وأنفسنا لتوقظ فينا شيئًا قد فقدناه قديمًا، لعلنا نعيد اكتشافه.

_______________________________

من محاضرات اللقاء الشهري لفلسفة بالبلدي بتاريخ مايو 2023

قدمها: أحمد إسماعيل

تفريغ وصياغة: محمد البدوي

يمكن الاستماع للمحاضرة هنا: https://youtu.be/4cJiksMitO4

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا