3 أغسطس 2024

لماذا هناك فجوة بين ما تريده وما تعيشه؟

لعل محاولة الإجابة على هذا السؤال تكون خائبة بقدر محاولة تحقيق ما نريده في ما نعيشه أصلًا. إنه صراع المُثُل والواقع، فهذا الصراع المُتضمَّن في قلب الحياة: هو الصراع بين الواقع وما يريده الإنسان، فيوجد لسببٍ ما دافع كوني لدى الإنسان في تقييم الطبيعة من حوله، ويقرع الواقع بداخله أصواتًا تدفعه للتحرك، والتغيير، والتمثيل، والتشكيل. ربما هي هبة الوعي أو لعنته. إن هذا ما يجعل أمر الإنسان مُعجز. أهو ضد الطبيعة أم معها، أم خارج عنها؟ ليست قوى الإنسان كدفق الماء؛ بل هي كثيرًا عكس هذا الدفق. فإن كان كذلك لما كان هناك صراع، ولكانت الإجابة هي أن أمر الطبيعة كامل، فلا حاجة للبحث عن ما هو فوق الطبيعة. 

تستعصيني هذه الأزمة لدرجة تدفعني للتساؤل إن كان يمكن فهم الواقع إلا من خلال هذا الصراع. فالواقع كما هو يتحول إلى صيغة جافة، تدفع فقط إلى «الغثيان» على قول «سارتر»، بدون الصراع الذي يعطي معنًى لتفاعل الإنسان مع الحياة عمومًا. إن الواقع خالٍ. فها أنا أنظر لحائط، أو سرير، أو شجرة، أو حتى إنسان آخر، وأتمعن النظر فيهم، ما معناهم؟ وما أهميتهم؟ ولمَ هم هنا؟ فالأشياء تخلو من المعنى إن لم تمثل شيئًا للإنسان. 

ولكن الوضع في عالم أماني الإنسان، أو «عالَم المُثل» هو أيضًا وضع بائس. إن الصورة التي تعطي معنًى لما أراه مخادِعة، فالصورة التي أراها لما يجب أن أكون عليه غير متحققة، والصورة التي أراها لما يجب أن تكون عليه مهامي وأفعالي هي أيضًا دومًا ناقصة، دع عنك تخيلي للأشياء غير المتعلقة بي بشكل مباشر، كالمجتمع ووضعه. ويندر أن تحدث الأمور بحيث يتجلى فيها الكمال، أن أقوم بالفعل المناسب تمامًا، بل إن أكثرنا يخاف تلك اللحظات التي يرى فيها الكمال، لأنه يعرف تمامًا أنه لن يستمر. 

بل بمجرد أن يُعطي المثال الأفلاطونيّ معنًى لشيءٍ، يتخلله الواقع ببطءٍ يلوث نقاءه. فمثال شيء ما هو أكمَل شكلٍ له، ولكن أيًّا مما أراه يُعتبر من الكمال في شيء، حتى أبسط الأشياء، فتندر اللحظات التي تحدث فيها الأشياء كما يجب أن تحدث، ويتوق الإنسان بحثًا عن هذه اللحظة، وتكريرها وإطالتها قدر الإمكان. ولكن يبدو أن الأصل في الحياة أن تلك اللحظة غائبة وأن المجهود الإنساني هو محاولة في الوصول لتلك اللحظة. ولكن لماذا يبحث الإنسان دومًا عن تلك اللحظة؟ وماذا إن لم تتحققْ؟ ماذا إن صارت كلُّ أمانينا إلى العدم؟ 

يبحث الإنسان عن اللحظة الكاملة، التي تظهر بتدرج من أبسط الأشياء إلى اللحظة التي ينبعث بها المجد الإنساني، أو اللحظة التي يرى فيها كمال وجه الإله. فيتشوق المرء لتلك اللحظات ويشعر بها أنه قد ذاق النعيم. ولكن الحقيقة أن جميعنا عالقون في حالة «التوق»، إذ إن في طرفي المسألة تختفي المشكلة: فلا نحن جاهلون بالكمال فعندها لا يعنينا، ولا نحن ملاقوه أمامنا تمامًا، فلا ننشغل بذهابه، بل إننا نُوهَب نفحاتٍ منه في حياتنا الشخصية. هل حياة الإنسان، بل هل تاريخه، إلا محاولة «للتحقق»؟ 

إن المُثُل، للأسف، ليست سماوية بالكامل، بل تظهر أمام أعيننا كل يوم، في تحققها، وفي غيابها. ولكن هل يوجد في عالمنا شيء كامل وأبديّ الجمال؟ هل هناك «فعلٌ كامل الأخلاقية»؟ إن عدم كمال تلك الأشياء يجعل من لحظات كمالها مقدسة، فلا يوجد فعل أخلاقي كامل، لا يختلف عليه اثنان، ويمثل الحقيقة كاملة، أو ربما لا يوجد دومًا. فأحيانًا نشعر باقترابنا منه، وكثيرًا لا. فهل يمكننا الحديث عن «صواب» أو «خطأ» كامل؟ فنحن لا نشعر بعد بمدى هشاشة أحكامنا وتقييماتنا للواقع، فالبشر في حياتهم يزعمون أنهم كلما مروا بتجارب، تعلموا منها معارف، وعن طريق هذه المعارف يحكمون على بعضهم البعض، ولكن جميعها مزاعم في النهاية، جميعها إيمان. نحن نزعم، ونأمل أن يكون زعمنا حقيقيًا. إنها «حقائق غير حقيقية ضرورية للحياة».

فمع تلك الصعوبات أتحسس خطر العدمية من حولي أحيانًا، ويتبدى لي في شؤون الناس شديدة التنازع والتعقد، ويسهل عندها التساؤل: أتكون قضية خاسرة؟ أنكون نلعب في الفراغ؟ ولكن عندها أفكر، وهو قول سيصعب قبوله: إن كون القضية خاسرة لا يفرغها من المعنى، بل ما أكثر التجارب الفاشلة العظيمة. تبًا، بل لنحتفل بالفشل واللاجدوى، فإن كانت جميع مُثُلُنا وتصوراتنا لما نريده هي مجرد خيالات ذهنية لا أساس لها، إن كان النجاح الذي أريده في أصله وهم، فإن القيمة التي أستشعرها فيه تكفي. فإن كانت قيمنا (الخير، والجمال، والحقيقة… إلخ) هي أوهام، فعظمتها تظهر في أفعال من امتثلوا لمثل تلك الأوهام. 

«إن حكمًا خاطئًا لا يشكل عندنا اعتراضًا عليه. ولعل هذا من أغرب الأمور وقعًا على السمع في خطابنا الجديد. فالمسألة هي بالأحرى: إلى أي مدى يكون الحكم مؤكِّدًا للحياة، دافعًا لها، محافظًا على النوع وربما محسنًا له؟ ونحن نميل إلى الزعم بأن أكثر الأحكام خطأً هي الأكثر لزومًا لنا».

هناك فجوة بين ما نريده وما نعيشه لأن الأشكال والمُثُل ليسا نفس الشيء، ولأن هناك «التجلي»، وهناك ما لم يُتجلَّ بعد، وهناك ما لن يتجلى أبدًا. وفي نفس الوقت، لا يمكن للإنسان العيش بدون النظر للأعلى، بدون آلهة الإلهام. ولكن ما يحتاجه هو استيعاب للحياة يتجاوز ثنائية الخير والشر، الصواب والخطأ، الحقيقة واللاحقيقة، استيعاب يقاوم العدمية والفشل الملاحق لمشاريع الإنسانية، وهو ما سيكون أداته في السير نحو تحقيق كماله، في طريق تجاوز نفسه، في طريق الغبطة. 

إن ما نصفه هو هدف الفلسفة ذاتها، إنها «علم الأخلاق»، إنها «ما وراء الخير والشر»، إنها «الإنسان الأعلى». فـ«الفلسفة هي الأخلاق، وهدفها الوحيد هو الوصول للكمال الإنساني الأعلى». والمقصود هو أكثر نسخة مختلفة، ومناقضة للأخلاق السائدة والمفهومة بشكل واسع. إنه الاستيعاب للحياة كما وصفناه. 

وليس على المُختار لسلك هذا الطريق سوى أن يموت نزفًا وهو يسلكه، فمخطئٌ من يظن أن في الدنيا ما يُنال بالتمني. لا شيء مجاني في الحياة. 

«ولئن بدا السبيل الذي أشرت إليه وعرًا، فإنه مع ذلك لا يتعذر الاهتداء إليه، إذ لا شك أن ما يندر وجوده يصعب بلوغه، إذ هل يعقل، لو كان الخلاص في متناولنا وبوسعنا الفوز به دونما عناء شديد، ألا يعبأ به أحد تقريبًا؟ إذ كل ما هو نفيس هو صعب المنال بقدر ما هو نادر».

  • طالب جامعي متعدد الاهتمامات والهوايات، من ضمنها الاستمتاع بالتمشي سائحًا تحت ستار الليل في الشوارع المشجرة الوحيدة، وسواء كنت وحدي أو مع رفيق، فأنا أشعر دومًا بدفء المعنى الذي أحمله وأراه وأنا أمشي، فبالكتابة بوثقه، بخلقه، بحميه من العدم وبوجده، وبتمنى الحقيقة تكون هي الدافع والطريق حتى لو مكانتش المصير.

    View all posts

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا