إن سؤال الإنسان عن معنى وجوده إنما يعني أنه يتساءل عن ما ينبغي له أن يفعل في هذا الوجود، وعادةً -على الأقل في وقتنا الحالي- ما يأتي هذا السؤال بلهجة بائسة تستنكر وجود أي إجابة من الأساس. إن المعضلة واضحة: ها نحن موجودون، ولكن ماذا يعني ذلك؟ لربما كان بوسعنا تجاهل هذا السؤال العسير إذا كان هذا الوجود جيدًا معنا، ولكننا نجد عكس ذلك، ف«الوجود ألم» -كما يخبرنا بوذا- أو كما صاغها سيوران بعبارات أكثر دقة: «الوجود كابوس»، ونحن لا نرى مبررًا واضحًا للاستمرار في هذا الكابوس. الحل بسيط إذًا: علينا أن لا نستمر، هكذا تقترح العدمية. ولكن الأمر لم يكن يومًا بهذه البساطة، فنحن نجهل عن الموت قدر ما نجهل عن الحياة، ولذلك، نحن نخشى الموت قدر ما نخشى الحياة. إننا إذًا نقف في بقعة مظلمة من كل الجهات. كثيرون هم الأبطال الذين استطاعوا تجاوز هذا الخوف وأقبلوا على الموت بما فيه من غموض، وكثيرون هم أيضًا الأبطال الذين استطاعوا الإقبال على الحياة. إن السؤال الذي يشغلني هنا: إلى أي أبطال علي أن أمتثل؟ الذين استطاعوا قتل أنفسهم؟ أم الذين استطاعوا إحياءها؟
عبر منظار اللغة
إن بحث الإنسان عن معنى لحياته إنما يعني أنه يبحث عن شيء يجعل هذه الحياة جديرة بأن تُعاش، ليس بالضرورة شيئًا ممتعًا، وإنما شىء مهم. وتُساوي كلمة مهم في اللغة كلمة «قيّم»؛ فالبحث عن معنى للحياة إذًا هو بحث عن القيم. وتأتي أهمية هذه الملحوظة اللغوية من حقيقة أن القيم ترتبط في أذهاننا فقط بالأخلاق والفضيلة، وهو ارتباط في محله، ولكنها مرتبطة أيضًا بما هو مهم. وبعبارة أخرى، فمفهوم الأخلاق يرتبط ارتباطًا وثيقًا -من خلال مفهوم القيم- بمفهوم الأهمية (ما هو مهم).
وأستطيع أن أشم رائحة الاستنكار -وربما السخرية- عندما أتحدث عن القيم أو الأخلاق، ويكمن السبب وراء تقززنا من هذه الألفاظ، أننا اعتدنا سماعها فقط في سياق التنظير وتأنيب الذات، كما أنها أصبحت مادةً للسخرية إلى حد صار من الغريب علينا أن نستخدمها في سياق حديث جاد. يذكرني هذا بعبارة ألقاها علينا الدكتور «حسن طلب» في محاضرة عن فلسفة القيم: «إن الحديث المتكرر عن القيم يفقدها قيمتها»، فقد أصبحت عبارات مثل «كُنْ أفضل» و«ضاعت أخلاقنا» أو «انحدرت قيمنا» مستهلكة ومملة، وما يعنيه ذلك أن هذه العبارات قد تم استخدامها بشكل متكرر -بمناسبة أو بدون مناسبة- حتى فقدت ما لها من مدلول وأصبحت فارغة. إن جفاف هذه الكلمات من معانيها هو الذي يجعلها اليوم غير كافية لإرواء ظمئنا الوجودي.
ويستطرد حسن طلب في شرحه: فيخبرنا كيف أن دراسة القيم تكون دراسة معيارية؛ أي أنها تدرس الواقع بما ينبغي له أن يكون، على عكس الدراسة الوصفية التي تصف الواقع كما هو بالفعل.
وقد سبق أن وضَّحت العلاقة اللغوية بين «القيم» و«ما هو مهم». ونستنتج من ذلك أن الواقع بما ينبغي له أن يكون -وليس الواقع كما هو كائن بالفعل- هو الواقع المهم. وقد سبق وأن وضَّحت أيضًا أن البحث عن معنى للحياة هو بحث عن ما هو مهم، وبالتالي فالبحث عن معنى للحياة هو بحث عن ذلك الواقع الذي ينبغي أن يكون. ومن المفهوم لنا بصفة عامة -وفي هذا السياق بصفة خاصة- كيف أن بشاعة الواقع الحالي هو أحد الأسباب التي تفسر شعورنا بالنفور من الحياة ولا أهميتها؛ إذ أن الواقع الحالي بالفعل ليس جديرًا بالعيش فيه، بل الواقع «الذي ينبغي أن يكون» هو وحده الجذاب لهذه الدرجة.
هنا يأتي السؤال الاستنكاري: الواقع الذي ينبغي أن يكون؟! بل إن الاستنكار يزيد عندما نشير إلى ارتباط القيم في أذهاننا بالأخلاق -كما ذكرنا سابقًا- فمبحث الأخلاق في الفلسفة هو أحد فروع مبحث القيم؛ والسؤال الأساسي فيه هو: ماذا ينبغي أن أفعل؟ والتشابه واضح بين المبحثين (أو السؤالين) من حيث أن كلًا منهم يسأل عن الواجب (ما يجب أن يكون) وليس عن الواقع (ما هو كائن بالفعل). إذًا فالشخص الذي لا يختبر أي معنى للحياة يستنكر هاتين الجملتين: «الواقع الذي ينبغي أن يكون» و«ما ينبغي فعله»؛ إذ أن الاعتراف بهما يعني أن الحياة ذات هدف علينا تحقيقه.
تأسيس ميتافيزيقي: دفاع عن المثالية
إن حديثنا عن «ما ينبغي أن يكون» يعني ببساطة أننا نفترض وجود وضع أفضل، ومن الصعب أن ينكر أحدهم مثل هذا الافتراض. نفس هؤلاء الأشخاص الذين سيسخرون من عبارة «الواقع الذي ينبغي أن يكون» ستجدهم في مواضع أخرى يتحدثون عن أن مجتمعنا مجتمع متأخر، وأن المجتمعات الأخرى متقدمة بكثير عن هذا المجتمع. بصرف النظر عن مدى صحة هذه الرؤية، إلا أنها تعترف بوجود واقع أفضل من واقع آخر، والحديث عن التقدم والتأخر لن يكون ذا معنى إلا في حالة وجود نقطة تتحرك الأشياء في اتجاهها أو تبعتد عنها، حتى نقول عن واحدة منهم أنها متقدمة عن الأخرى؛ أي أنها أقرب إلى هذه النقطة من الأخرى. وكذا الأمر على مستوى الأفراد؛ فالحديث عن أن كل أفراد الجنس البشري هم على نفس الدرجة من التطور هو حديث غير واقعي كما نعلم، والاعتراف بوجود تفاوت بين مستوى تطور الأفراد عن بعضهم هو اعتراف بوجود وضع أفضل وآخر أقل أفضلية. وما نقصده ب«الواقع الذي ينبغي أن يكون» هو «أفضل واقع ممكن تحقيقه»، إنه هذه النقطة التي نقيس بها مدى تقدم المجتمعات والأفراد ومدى تأخرهم عن طريق تحديد مدى اقترابهم من هذه النقطة أو مدى بُعدهم عنها.
قد نفهم هنا -وهو فهم خاطئ- أن هذا الواقع الذي هو «أفضل واقع ممكن تحقيقه» هو أمر ذاتي بحت، أي أنه صورة نتخيلها في ذهننا فقط ولا تستند إلى أي معايير موضوعية مستقلة عن الذهن البشري. ويتضح لنا هذا الالتباس عندما نشير إلى وجود تفاوت وتفاضل ليس فقط بين واقع وآخر، ولكن أيضًا بين تصور عن الواقع وآخر؛ فلو أن هناك شخصًا يتصور أن الواقع العادل المكتفي اقتصاديًا والسليم أخلاقيًا هو «أفضل واقع ممكن تحقيقه»، وشخص آخر يتصور أن الواقع الذي يُرضي أمانيه الشخصية -حتى لو جاءت على حساب الآخرين- هو «أفضل واقع ممكن تحقيقه»؛ سنقول بلا شك أن تصور الشخص الأول أفضل من تصور الثاني، ويدل قولنا بأن هناك تصور أفضل من تصور آخر على وجود نموذج معياري خارج مساحة التصورات (الذهن البشري) نحدد من خلاله أفضلية كل تصور عن الآخر. وبالتالي فنحن نتحدث عن ثلاثة مستويات: ١- الواقع كما هو. ٢- تصوّرنا عن «أفضل واقع ممكن تحقيقه». ٣- «أفضل واقع ممكن تحقيقه». على أننا لا يمكننا أن نفصل بشكل تام بين المستوى الثاني والثالث؛ فنحن نحاول في بناء تصوّرنا الخاص عن «أفضل واقع ممكن تحقيقه» أن نجعله مطابقًا للنموذج الموضوعي المستقل عن أذهاننا. النقطة الأساسية التي أردت الإشارة إليها هنا هي أن فكرتنا عن «أفضل واقع ممكن تحقيقه» ليست مجرد فكرة في أذهاننا فقط خلقناها من وحي الخيال، وإنما هي محاولة لاستكشاف النموذج الموضوعي المستقل عن أذهاننا. وسوف نرى بعد برهة مع أرسطو إشارات أخرى تؤكد موضوعية هذا النموذج.
إذن فهناك الواقع الحالي الذي نحياه، وهناك الواقع الذي ينبغي أن يكون، أو دعونا الآن نستخدم لغة فنية فنقول: هناك الواقع الحالي وهناك الواقع المثالي (كما يطلق عليه أفلاطون). أظن أن مصطلح (مثالي) من المصطلحات الحساسة أيضًا والمثيرة للنفور، وهذا لنفس أسباب نفورنا من مصطلحي القيم والأخلاق كما ذكرت سابقًا (الاستخدام المتكرر في سياق التنظير). لو تصوّرنا أن اللفظ ثوب لمعناه، فالاحتكاك المتكرر بالثوب فقط دون استحضار للمعنى سيربط هذا اللفظ في ذهنك بشكله فقط (بثوبه)، في حين أنك لم تختبر قط روح هذا اللفظ، وفي اعتقادي أن هذا ما حدث مع القيم والأخلاق والسعي نحو الوضع المثالي، فنحن لم نختبر قط معاني تلك الألفاظ من قبل، نحن لم نختبر مفهوم القيم حقًا، لم نحتك بأي شيء ذا أهمية حقيقية، ولهذا نشعر أن الحياة بلا قيمة.. أنها جوفاء.
لنعد مجددًا إلى أفلاطون، ولنسأل: لماذا كان أفلاطون يعتبر الواقع المثالي هو الواقع الحقيقي حقًا، بينما الواقع الذي نحيا فيه هو واقع وهمي؟ إن أي قارئ مبتدئ لتاريخ الفلسفة سيكون على دراية بأن أفلاطون تأثر بفلسفات الشرق الأقصى السابقة للحضارة اليونانية، ومن بين الأفكار البارزة في هذه الفلسفات أنها كانت تربط الحقيقة دائمًا بالثبات، والوهم أو السراب بالتغير؛ فالشيء الأكثر ثباتًا هو حقيقي أكثر من الشيء العابر الذي يظهر بصورة معينة لوهلة ثم لا يلبث أن يتحول إلى غيرها. ومن هنا فالنموذج المثالي للواقع (الموجود في ذهننا) هو الثابت، أما الذي يتغير فهو الواقع نفسه، وهو يتغير إما إلى الأفضل (أي في اتجاه النموذج المثالي المنشود) وإما إلى الأسوأ (أي في الاتجاه المعاكس). قد يقول أحدهم: أوليست تصوراتنا نفسها عن ما ينبغي أن يكون الواقع قد تتغير من حين لآخر؟ هنا سيقول أفلاطون أن هذا سيعني فقط أن استيعابك للنموذج المثالي قد زاد أو نقص، أما النموذج نفسه لم يتغير.
إن تحسسنا من لفظة (المثالية)، وإلى جانب التشجيع الدائم على النظرة الواقعية للعالم وللحياة (على اعتبار أن النظرة المثالية هي نظرة طفولية ساذجة مستغرقة في عالم من الأحلام) قد أدى بنا إلى رؤية محدودة للحياة؛ لقد أصبحنا لا نرى سوى الواقع المرئي أمامنا، ولذلك فمن الطبيعي أن نشعر بأن لا شيء مهم في الحياة؛ إذ أن الواقع المثالي (الذي نرفض النظر إليه) هو الواقع المهم والقيّم (كما سلف وأن بيّنا العلاقة اللغوية بينهم)، وهو الواقع الحقيقي، بينما الواقع الذي لا نرى غيره ليس إلا سرابًا عابرًا، ولذلك نشعر بأن الحياة غير جديرة بأن تُعاش، بأن لا شيء جدير بالفعل؛ فبدون واقع مثالي نسعى لتحقيقه لا يوجد اتجاه لنسير فيه، لا يوجد غاية ولا هدف، لا يوجد سوى هذا الواقع البشع التعيس البائس.
أرسطو وغاية الموجودات
في سياق حديثه عن مبدأ العلية، يخبرنا أرسطو أن هناك أربعة أنواع من العلل: المادية والصورية والفاعلة والغائية، وأن كل موجود من الموجودات لديه علل من هذه الأنواع الأربعة. وبينما لا يختلف الكثيرون حول الأنواع الثلاثة الأولى، إلا أن أغلب المفكرين من بعد أرسطو يتعجبون ويستنكرون فكرة العلة الغائية (التي تقول أن هناك غاية لكل موجود)؛ إذ يفترض ذلك افتراضًا جريئًا وهو وجود فاعل واعٍ للعالم بما فيه من موجودات، ورغم أن أرسطو يعتقد ذلك فعلًا، إلا أن هذه ليست حجته على الغائية. إن «الميزة الأهمّ في الغائية الأرسطية هي: أنّها ليست إنسانية التمحور، ولا هي ناتجة عن أفعال خالق يتواجد خارج العالم أو حتّى مجرّد منظّم للعالم؛ وإنّما هي متأصّلة في الطبيعة دائمًا» (Zeller 1883). فأرسطو يرى أن كل شيء في العالم له طبيعة معينة تجعل من المثالي له أن يؤدي وظيفة ما، وكأنه وُجد لتأدية هذه الوظيفة، فعلى سبيل المثال: إن مكان الأسنان في الجسم وطبيعة تركيبها (بحيث تكون القواطع في مقدمة الفك والأضراس في مؤخّره) تجعل من المثالي لها أن تُستخدم في تقطيع ومضغ الطعام؛ هذه هي غايتها الوجودية.
يرى أرسطو إذًا أن كل شيء في العالم له طبيعة خاصة به، له ماهية، له سمات تميّزه عن غيره من الأشياء. يُعرّف أرسطو طبيعة الشيء على أنها «مبدأ نمو الشيء وصيرورته الذي يحقق به الشيء طبيعته أو ماهيته التي من أجلها وجد». بعبارة أخرى فإن طبيعة أو ماهية الشيء عند أرسطو تعبر عن ما يجب أن يكون (وضعه المثالي)، ليس عن ما هو كائن بالفعل (وضعه الواقعي)، فلو قُلنا مثلًا أن من طبيعة الأسنان أنها تقطع وتمضغ الطعام، وثم رأينا أسنان أحدهم غير قادرة على المضغ؛ لحكمنا بأنها تعاني من مشكلة ما؛ أي أنها غير متماهية مع طبيعتها بصورة كافية. إذن فالطبيعة عند أرسطو هي نفسها المُثل عند أفلاطون، الفرق بين أفلاطون وأرسطو يكمن في اعتقاد أفلاطون بأن المُثل موجودة في عالم عُلوي سماوي، بينما يخالف أرسطو مُعلمه ويُنكر وجود عالم من هذا النوع، ويخبرنا أن طبائع الموجودات وحقائقها النهائية كامنة في باطنها، وهي تظهر شيئًا في شيء خلال عملية نموها، أو تُدفن شيئًا في شيء خلال عملية تدهورها. وبصرف النظر عن مكان وجود الحقائق النهائية للأشياء، إلا أن كليهما يتفقان على وجودها. وينطبق ذلك على الإنسان؛ فكل إنسان منّا لديه حقيقته النهائية العلوية الموجودة في عالم الحقائق، والتي عليه أن يستكشفها حتى يجسدها، ويمكنه أن يبدأ هذا الاستكشاف ببساطة من خلال أن يسأل نفسه: «ما هي أفضل نُسخة يمكن أن أصير إليها؟» إن حديثنا عن «تحقيق الذات» يدل على إحساسنا بأن ذاتنا الحقيقية غير مفعّلة بعد؛ فنسختنا الحالية ليست هي حقيقتنا النهائية. والحديث عن تحقيق الذات في هذا السياق الأرسطي ليس مجرد مسألة ترفيهية أو تفضيل مزاجي أو حتى نوع من الإنجاز الطيّب، بل إنه ضرورة طبيعية. وحده الإنسان الذي يعيش وفقًا للطبيعة وفي انسجام معها هو الذي سيختبر السلام الداخلي والسكينة الحقيقية (اليودايمونيا كما يطلق عليها أرسطو)، بينما الشخص الذي يُشكل عائقًا أمام مجرى الطبيعة سيصطدم بأمواجها وسيظل غارقًا في المعاناة؛ فكلما اقترب الإنسان من تجسيد حقيقته (التي هي مهمته الوجودية) زاد شعوره بالرضا عن وجوده، وكلما ابتعد الإنسان عن حقيقته زاد شعوره بالاغتراب الوجودي، وبأنه لا ينتمي إلى هذا العالم، ومن ثم تزيد رغبته في الرحيل عنه.
لقد أدرك القدماء هذه الحقيقة.. حقيقة وجود مسار طبيعي لما ينبغي على الإنسان أن يسلك، فقد أطلق عليها الإغريق إسم «القوانين غير المكتوبة» أو «مسار العقل أو الطبيعة» كما نرى عند الرواقيين، وهي نفسها «الماعت» عند قدماء المصريين، أو «الدامبادا» في عرف البوذية والتي تعني حرفيًا «مسار القانون»، أو «الجين – Jen» كما أطلق عليها كونفوشيوس في الصين، وهناك أيضًا «الدارما» في الهند. وأود أن أؤكد على كلمة «مسار طبيعي» حتى يتضح لنا الفارق بين فلسفة الأسلاف وبين الفلسفة الوجودية التي هي فلسفة حديثة نسبيًا، فبينما ترى الوجودية أن المعنى من محيانا إنما هو شيء نبتدعه نحن البشر؛ ترى الفلسفة الكلاسيكية أن هذا المعنى -الذي هو العيش وفقًا لطبيعة الإنسان- إنما هو مسار طبيعي نستكشفه نحن، تمامًا كما نستكشف قوانين الفيزياء، فنحن لا نحدد أو نختار الطبيعة الإنسانية وإنما نستكشفها كما هي موجودة، ومن ثم نختار إما أن نرفضها ونتمرد عليها ونعيش في صراعٍ دائم معها، وإما أن نقبلها فنسلك مسارها ونتناغم معها ونصل بذلك إلى السكينة المنشودة؛ النيرفانا كما يطلق عليها البوذيون، أو اليودايمونيا كما أطلق عليها أرسطو، والأتراكسيا في عُرف الرواقية.
ولهذا لم يعاني القدماء من فقدان الحياة لمعناها كما نفعل نحن اليوم، نتيجة لجهلنا وانكارنا لوجود مثل هذا المسار، بل ونتيجة لتملصنا منه في أغلب الأحيان، فليست المعاناة والآلام سوى النتيجة الحتمية لانحرافنا عن المسار المقدر لنا، ولذلك قدس القدماء الألم باعتباره الوسيلة التي تنبهنا بوجود ما في مسلكنا من انحراف، وبدلًا من أن يفكروا دائمًا في تعديل الواقع بما يتوافق مع سعادتهم، سعوا بالأحرى في أغلب الأحيان إلى تغيير مسلكهم بما يتوافق مع مسار الطبيعة، إذ أن هذا المسار المستقيم ثابت لا ينحني.
وتنطبق فكرة المسار الطبيعي هذه على الإنسان كنوع، وعلى كل فرد إنساني بشكل خاص، فكما أن هناك ماهية تميّز الإنسان عن باقي الكائنات، يملك أيضًا كل شخص منا مجموعة من الصفات أو المهارات التي تميّزه والتي تحدد أنسب دور ممكن له في مسار الطبيعة الكُلّي. وسوف أركز في الفقرات القادمة على المسار الطبيعي للإنسان بوجه عام.
لنؤكد مرة أخيرة على ما طرحناه حتى الآن، إن ما نقصده بالمسار الطبيعي لكل موجود هو المسار الذي يتحرك فيه هذا الموجود بشكله الحالي غير المكتمل بعد، والذي ينتهي بماهية هذا الموجود (أي بصورته الحقيقية المكتملة). وإذا أردنا أن نكتشف ما هي ماهية الإنسان -أو أي موجود من الموجودات- علينا أن نسأل ما الصفات الجوهرية التي تميّز الإنسان عن غيره من الأشياء؟ أي ما الصفات الموجودة في الإنسان وغير موجودة في غيره؟ ولنتذكر أن هذه الصفات -التي هي ماهية الإنسان- لا تنطبق على كل الناس بنفس الدرجة، بل ولا تنطبق على نفس الشخص في مراحل زمنية مختلفة بنفس الدرجة، مما يعني أن هناك أشخاص أكثر إنسانية من غيرهم، وأن الشخص خلال عمره يصبح أكثر أو أقل إنسانية. إن الإنسانية ليست الوضع الذي نبدأ من عنده، بل هي وضع نصل إليه؛ فأنت لا تولد إنسانًا.. بل تصير إنسانًا.
منظومة القيم الإنسانية
تأخذنا الإشارات اللغوية التي بدأنا بها إلى أن القيم -باعتبارها تعبيرًا عن الجانب الآخر الأهم والأكثر كمالًا من الوجود- هي الإجابة المُباشرة لسؤال معنى الحياة، فما هي إذًا هذه القيم؟
على مر تاريخ الإنسانية كان هناك نمطين رئيسيين من القيم العليا، هناك النمط الذي شجعه السوفسطائيين وانتقده أفلاطون وأرسطو، وهو نفسه الذي ظهر مجددًا في شكل الحياة الغربية الحديثة وانتقده هذه المرة مجموعة من المعالجين النفسيين الذين رأوا آثار هذه المنظومة من القيم على النفس البشرية، واستدلوا بذلك على فسادها (فساد المنظومة) وعدم توافقها مع الطبيعة البشرية، ومن هؤلاء المُعالجين نذكر فيكتور فرانكل وإريك فروم وكارل يونغ، وتتمحور هذه القيم العليا حول الثراء والشهرة واللذة والإنجازات الشخصية. وقد وضحنا في مقالة (معنى الحياة: لم قد لا يفكر المرء في الانتحار؟) فشل هذه المنظومة في إشباع احتياجنا الإنساني الطبيعي للقيم.
«إن مجتمعنا هو أكبر تجربة أُجريت للإجابة عن سؤال: هل اللذة يمكن أن تكون هي الإجابة المقنعة لمعضلة الوجود الإنساني؟»، «تثبت المعلومات التي تقع تحت ملاحظتنا بوضوح تام أن طريقتنا في الجري وراء السعادة لا تثمر حياة طيبة، فنحن مجتمع من الناس التعساء على نحو مزرٍ، نعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب والاتكالية والنزوع التدميري… ويشعر الناس فيه بالسرور حين يبددون الوقت الذي يبذلون جهودًا مضنية لتوفيره». الفيلسوف والمحلل النفسي إيريك فروم
وإلى جانب ذلك فإن إنكار النمط الأول لوجود طبيعة إنسانية، وتصنيفه للإنسان كأحد الحيوانات بدون أي تمييز، جعل من البقاء هو الغاية النهائية للإنسان بصفته غاية كل الحيوانات. ونحن نرفض هذا الموقف ليس لأن الإنسان أعظم كائن على الأرض -بالرغم أن هذا افتراض قوي للغاية- ولكن -وكما رأينا مع أرسطو- فإن كل كائن -سواء كان الإنسان أو غيره- لديه طبيعة خاصة به تميّزه عن باقي الكائنات، ومن الأجزاء المميّزة الواضحة في الطبيعة الإنسانية هو أن السعي إلى البقاء كغاية نهائية للوجود هو أمر غير مقنع بالنسبة له؛ إذ فعلًا ما جدوى أن نُعاني من أجل أن نستمر في الحياة التي نُعاني فيها؟ صحيح أن هناك الكثير من الناس الذين يعيشون بهذا الشكل وهم لا يجدون مشكلة في ذلك، إلا أن تفسير هذا يعود إلى تأخرهم في المسار الطبيعي وبُعدهم عن ماهية الإنسان، وقربهم بالأحرى إلى ماهية الحيوان، فالتسامي عن البقاء كقيمة عليا هو أمر لا نجده إلا في الإنسان.
سأذكر سبع قيم تميّز الإنسان عن باقي الكائنات، سبعة مساعٍ لا نراها سوى عند الإنسان، سبعة أشياء تجيب على سؤال معنى الحياة:
١- الحقيقة: إن فضول الإنسان الوجودي، وسعيه لسبر أغوار العالم، والكشف عن غموضه، ومحاولته لتفسير الحياة والعالم، وتفسير نفسه، لهو نزوع إنساني بشدة، وهو أحد الأشياء التي تدفع الإنسان للحياة وتنعش شغفه بها.
٢- العدل: إن رفض الإنسان للظلم، ورغبته العميقة في تحقيق مجتمع ينعم فيه الناس جميعًا بالسعادة بنفس القدر، بل ورغبته في المساهمة بنفسه لتحقيق هذا المجتمع، هو أحد الأمور التي تدفع الناس للحياة حتى يحققوا غايتهم.
٣- الحرية: إن تعطش الإنسان للحرية، وارتيابه الدائم تجاه كل ما قد يسيطر عليه ويتحكم في نفسه هو أيضًا شعور إنساني نشط.
٤- الخير: تشير كلمة الخير في الفلسفة إلى الغاية النهائية التي يسعى إليها الإنسان من وراء كل ما يفعله، وهي حالة من السكينة والسلام الداخلي، والشعور بالتناغم مع الحياة.
٥- الجمال: ويتمثل في حب الإنسان الشديد للجمال، والنشوة النفسية العارمة التي تملأ قلبه عند احتكاكه بالجمال سواء من خلال الأعمال الفنية أو من خلال مناظر الطبيعة أو غيره. إننا نشعر في هذه اللحظات بنوع من الامتلاء والسكينة يُميط عنا أي شعور بالبؤس أو الشقاء.
٦- الوعي: إن شعور الإنسان بوجود عالم داخلي فيه، مظلم وغامض، عالم يعبّر عن أكثر ما فيه من أصالة يدفعه إلى استكشاف هذا العالم وتنويره. كما أن الإنسان في حاجة إلى الوعي بدوافعه لكي يحدد ما إذا كان مسلكه متسقًا مع مساره الطبيعي أم مخالفًا له، إذ أن الإنسان الحكيم يحكم على تصرفاته من خلال دوافعه الكامنة خلفها، لا من خلال شكلها الخارجي.
٧- القوة: بالرغم من أن هذا المسعى تحديدًا يوجد بشكل ما لدى الحيوانات أيضًا، إلا أنه موجود بشكل مميز في الإنسان (سأتحدث عنه في مقالة منفصلة)، وهو يعبّر عمومًا عن عدم اكتفاء الإنسان بنسخته الحالية من نفسه، وسعيه الدائم لبلوغ وضع أفضل.
إن الزعم بأن هذه القيم وغيرها تصلح كإجابة على سؤال معنى الحياة مبني على أساس معرفي صلب، وليس مجرد محاولة لمخاطبة وجدان القارئ وعواطفه، ما يعنيه ذلك أن معاناة الشخص من الفراغ الوجودي بالرغم من معرفته بهذه القيم لا يعني بأنها غير صالحة، بل يعني أن المشكلة لديه هو، فهذه القيم ستظل هي الإجابة الصحيحة لسؤال معنى الحياة حتى لو لم تختبر ذلك ولم تشعر به. إن دور المعرفة أن تقدم لك الحقيقة، ولكنها مسؤوليتك أنت أن تقبل هذه الحقيقة وتتناغم معها، أو أن تكرهها وتهملها فتتكاسل عنها وتظل غارقًا في تعاستك.
وتأتي هذه الموانع النفسية فيما أظن من استغراق الناس اليوم في حيواتهم الشخصية وفقدانهم للاتصال بأية معانٍ كُبرى للوجود. إن تقدمنا على المسار الإنساني الطبيعي هو الذي سيعيد لنا الاتصال مجددًا بالطبيعة والوجود، بدلًا من الاستغراق العميق في ذواتنا الضيقة وإهمال كل ما هو خارجها.





0 تعليق