اتفق الكثير من الباحثين على أن الإنسان هو أذكى وأعتى مخلوق على وجه الأرض، ولكن إذا تعمقنا قليلًا في تركيب الإنسان سنجد أنه أهونهم بالداخل، فالإنسان وهب نعمة -أو لعنة عند البعض- وهي العمليات العقلية المعرفية العليا كالإدراك والتفكير المجرد، التي إن وجدت في الحيوانات فهي موجودة بشكل بسيط ومحدود، لا تضاهي ما لدى الإنسان، وهذا ما ميزه عن سائر الكائنات الأخرى؛ مما جعله في مكانة لم ولن يصل لها أي كائن، ولكن لكل شيء ثمن، فكما علت به تلك الخاصية لأعلى الأماكن، هي أيضًا من تأخذه للهاوية، فطريق التفكير إما أن يصل بصاحبه للحكمة والفضيلة أو أن يصل به للاضطرابات النفسية وأزمات الهوية. فالإنسان يعيش دائمًا في محنة ومعاناة يتخللها بعض السعادة إن وُجدت، فما سبب شقاء الإنسان؟
عندما يسأل الناس هذا السؤال تكون أغلب الردود متفاوتة، ولكن إذا بحث الشخص بشكل أعمق في تلك الإجابات سيجد أنها تتمحور بشكل أو بآخر حول الوقت.
فهل الإجابة عن سؤالنا هو الوقت؟ في أغلب الظن لا، لأن الوقت بحد ذاته ليس سببًا للشقاء، فالوقت ليس ثابتًا فالموقف المحزن يمر ويأتي بعده الفرح فكما قال الشاعر الأمريكي (روبرت فروست): «في ثلاث كلمات يمكنني تلخيص كل ما تعلمته عن الحياة: إنها تستمر». فكل الأمور لها نهاية، وما خلق الشقاء ليبقى، ومرور الوقت ليس بحد ذاته سببًا للشقاء أيضًا، فهو كالقصة؛ فوجود فصل، شيء لا يعني أن الفصل القادم لن يكون أفضل من سابقه، ومرور فصل جميل لا يعني أن القادم لن يكون أجمل منه. وكما قال الإمبراطور والفيلسوف الروماني (ماركوس أوريليوس): «ضع في اعتبارك مدى سرعة مرور الأشياء واختفائها؛ تلك الموجودة الآن، وتلك القادمة، يتدفق الوجود أمامنا مثل النهر؛ سؤال «ما» في حالة تغير مستمر، وسؤال «لماذا» له ألف اختلاف. لا شيء مستقر، ولا حتى ما هو موجود هنا، إن ما لا نهاية من فجوات الماضي والمستقبل أمامنا يعد هوة، لا يمكننا رؤية أعماقها». فإذًا الوقت له علاقة وطيدة بأصل المشكلة لكنه ليس سببها، فحتى عندما يسبب شقاء لأحد ما، فيمكنه أن يغير أسلوب تفكيره ليتكيف مع حقيقة مرور الوقت، إذًا فما هي الإجابة؟»
كما قلنا سابقًا الوقت بحد ذاته ليس المشكلة، ومرور الوقت حتى إذا كان مؤلمًا على الشخص تقبله، فلا أحد يدري ما يخبئ لنا المستقبل في جعبته. فإذا كان الشخص متفائلًا فهو دائمًا سينتظر الأفضل القادم. ولكن مع كثرة مرور الوقت وتغير الواقع باستمرار يضعنا أمام عقبة جديدة، وهي التغير الحتمي المستمر للواقع.
فما هو التغير الحتمي المستمر للواقع؟ لنفهم هذا المصطلح علينا أن نحلله كلمة بكلمة، فالإنسان لا يشقى بمرور الوقت كشيء مجرد، بل هو يشقى بسبب تغيير مرور الوقت للواقع الذي يعيش فيه الإنسان وكما تكلمت في هذا الشأن الكاتبة الإنجليزية (ماري شيلي) وقالت: «لا شيء مؤلم جدًا للعقل البشري كتغيير كبير ومفاجئ»، فالإنسان يميل لخلق بيئة مسالمة وهادئة وتتضمن أشخاصًا يحبهم وأفكارًا يتبناها وفلسفات وعقائد يؤمن بهم، ويرتاح في وجودهم من حوله ليعيش فيها، وهذا المصطلح يطلق عليه منطقة الراحة. فمثلًا عندما يكبر أحد والديك في العمر ويموت أنت لا تفتقد هذا الشخص لأنه عزيز عليك فحسب؛ بل أنت تفتقد الواقع الذي كان به معك، أي تفتقد منطقة الراحة التي كان جزءًا منها، وتخاف من الواقع القادم الذي لن يكون هذا الشخص جزءًا منه، وبعد اختفائه عليك أن تنظم منطقتك من جديدن وما تلبث أن تنظمها حتى تتغير مرة أخرى فمثلا يموت أحد آخر تحبه أو يفارقك أحد الأصدقاء أو تصاب بعلة تمنعك من أداء مهام كنت تفعلها في منطقة راحتك السابقة… إلخ.
فمعنى التغير الحتمي هو عدم ثبات منطقة راحتك، والواقع أيضًا لا يثبت لكن الواقع ليس دائمًا هو منطقة راحة الشخص في المجمل، فإذا كان أحد والدي يعاملني بجفاء وقسوة فإذًا لن يكون ضمن منطقة راحتي. وعلى النظير الآخر الوالد الآخر الذي يعاملني بحنان وحب سيكون ضمن منطقتي، فمنطقة الراحة جزء من الواقع.
وهذا التغير حتمي، سيحدث لكل الأشخاص في كل زمان ومكان، يمكن تأخير هذا التغير إذا عاش أحد ما في دائرة صغيرة أو منطقة راحة بسيطة فهو أقل عرضة للتغيرات، ولكن عاجلًا أم آجلًا سيصيبه التغير وعندها سيكون أكثر تأثرًا من الأشخاص ذوي مناطق الراحة الكبيرة، فعندما تفقد أحدًا تحبه ستجد آخرين يواسونك ويخففون عنك على العكس من ذوي المناطق الصغيرة.
فهذا معنى أن التغير حتمي، أما معنى أنه مستمر فالوقت ليس ثابتًا كما تكلمنا من قبل، فكلما مر الوقت كلما اقترب التغير القادم، فمرور الوقت كالقطار يأخذنا إلى المحطة القادمة وما إن يصل حتى يبدأ في التحرك نحو المحطة القادمة. ولكن لماذا هو التغير الحتمي المستمر للواقع وليس التغير الحتمي المستمر لمناطق الراحة؟ لأن مناطق الراحة هي جزء من الواقع وتتغير بتغير الواقع، فالواقع هو من يشكل منطقة راحتك وليس العكس.
وأول تغير يشعر به الإنسان هو الانتقال من مرحلة الطفولة إلى بدايات مرحلة المراهقة، حين يزداد وعي الفرد ويدرك ما حوله بشكل أكثر عمقًا مما كان يدرك وهو طفل، وهناك أطفال كانت ظروف البيئة التي عاشوا فيها أقسى فكان عليهم الوصول لتلك المرحلة أبكر من بقية الأطفال، وفي الأغلب يكون أول تغيير يحدث للإنسان له علاقة بالمعتقدات التي كان يتبناها، فمثلًا يرى أبيه أو أمه يخطآن لأول مره فيدرك أن المعتقد الذي كان عنده عن أبويه خاطئ، فما هما إلا بشر مثله ليسا معصومين عن الخطأ وليسوا بملائكة، وهكذا تتوالى الصدمات تباعًا عن حقيقة الأشخاص حوله والعالم الذي يعيش به.
فالتغير الحتمي المستمر للواقع كما له سيئاته في شقاء الإنسان إلا إنه ضروري، فالإنسان إذا عاش في بيئة خالية من المصاعب أو مثالية كمنطقة راحته طوال الوقت، لن يكون هناك دافع له للمضي أو تغيير حياته للأفضل. فإذا ظللت تستيقظ كل يوم وحولك أشخاص تحبهم ومكان ترتاح فيه وتتبع عقائد وأفكار تعطيك راحة البال والنفس ولا يصدمك أي تغير في هذا الواقع؛ إذًا ستظل فيه ولن تغيره بنفسك، ويمكن أن يظن البعض أن لا مشكلة في هذا، فالإنسان يبحث عن الراحة طوال الوقت فأين المشكلة في العيش فيها، إذا قرأت كتابًا ما وأعجبتك إحدى الصفحات أستظل واقفًا عندها تقرأ فيها مرارًا وتكرارًا؟ أم ستطويها وتكمل القصة للنهاية؟!





0 تعليق